أعلنت  الشرطة الإيطالية في يناير الماضي تنفيذ أكبر عملية مصادرة على مستوى العالم لمخدر الكبتاغون
الشرطة الإيطالية أعلنت في يناير الماضي تنفيذ أكبر عملية مصادرة على مستوى العالم لمخدرات الأمفيتامين أو ما يعرف بحبوب الكبتاغون

يعد الكبتاغون أحد أكثر المواد المخدرة شعبية في الشرق الأوسط، سواء لدى الجماعات الإرهابية المتطرفة أو لدى دول مثل سوريا التي باتت تستغله كمصدر يدر ملايين الدولارات.

الكبتاغون هو أحد الأسماء التجارية العديدة لدواء "فينيثيلين هيدروكلوريد" واكتشف أول مرة عام 1961 من قبل شركة "ديغوسا" الألمانية.

ما هو الكبتاغون وكيف يعمل؟

ينتمي الكبتاغون إلى عائلة العقاقير المعروفة باسم "الأمفيتامينات"، وهي أدوية من صنع الإنسان، ولكنها مرتبطة كيميائيا بالناقلات العصبية الطبيعية مثل "الدوبامين" و"الإبينفرين" المعروف أيضا باسم الأدرينالين. 

عندما يأخذ الشخص الكبتاغون، فإن عملية الأيض الخاصة به تقسم الدواء إلى الأمفيتامين والثيوفيلين وهي مادة موجودة بشكل طبيعي وبكميات صغيرة في الشاي ولها أيضا نشاط محفز للقلب.

تعمل أدوية الأمفيتامين على تحفيز الجهاز العصبي المركزي وزيادة اليقظة وزيادة التركيز والأداء البدني وتعطي شعورا بالراحة. 

يقول العلماء إن الكبتاغون هو عبارة عن أمفيتامين معزز ويتضمن مركبات كيميائية فريدة تتيح له إحداث تأثير نفسي قوي أسرع بكثير من الأمفيتامين وحده، وفق ما نقلت رويترز.

خطورة إدمانه

تشير تقارير لوكالة رويترز إلى أن الكبتاغون وصف في ستينيات القرن الماضي لعلاج الاكتئاب وأمراض مرتبطة بفقدان الحس. ولكن بحلول الثمانينيات من القرن الماضي، وجد الأطباء أن خصائص الكابتاغون المسببة للإدمان تفوق فوائده السريرية، ليجري حظره في معظم أنحاء العالم.

يمكن أن يعاني متعاطو الكبتاغون على المدى الطويل من آثار جانبية مثل الاكتئاب الشديد والحرمان من النوم وتسمم القلب والأوعية الدموية وسوء التغذية، وفقا لوزارة العدل الأميركية.

الجماعات الإرهابية

تشكل تجارة الكبتاغون مصدر عائدات مهما بالنسبة لبعض المجموعات التي تشارك في الحرب في سوريا منذ 2011.

وكثيرا ما اتهمت واشنطن وخصوم إقليميون لحزب الله، الجماعة اللبنانية بالتورط في تجارة مخدرات عالمية بقيمة ملايين الدولارات في لبنان وسوريا لتمويل عملياتها العسكرية.

وتهيمن الجماعة، المدعومة من إيران، على المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان، ويتنقل مسلحوها عبرها بحرية للقتال إلى جانب قوات الرئيس السوري بشار الأسد.

وقالت صحيفة الغارديان البريطانية، في مايو الماضي، إن الحدود بين البلدين انعدم فيها القانون، ويعمل فيها المهربون بتواطؤ من المسؤولين من كلا الجانبين. وينقل المهربون الحشيش والكبتاغون على طول طريق يمتد من وادي البقاع اللبناني، وبلدة القصير الحدودية السورية، والطرق شمالا عبر معقل العلويين في نظام الأسد، باتجاه ميناءي اللاذقية وطرطوس.

وفي يناير الماضي أعلنت الشرطة الإيطالية تنفيذ أكبر عملية مصادرة على مستوى العالم لمخدرات الأمفيتامين، أو ما يعرف بحبوب الكبتاغون تبلغ 14 طنا وتقدر قيمتها بمليار يورو في مرفأ ساليرنو جنوب مدينة نابولي، وكانت قادمة من سوريا.

واعتقدت السلطات الإيطالية في البداية أن تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" يقف وراء الصفقة، غير أن مزيدا من البحث والتحقيق أظهر أن نظام بشار الأسد وحليفه اللبناني "حزب الله" يقفان وراءها، بحسب تقرير لشبكة "بي.بي.سي" البريطانية.

ووفقا للتحقيق الذي أشرفت عليه نيابة نابولي، كانت المخدرات موجودة في ثلاث حاويات مشبوهة تتضمن لفائف أوراق معدة للاستخدام الصناعي وعجلات حديدية.

وخلال السنوات الماضية أعلنت السلطات السعودية إحباط عدد غير قليل من محاولات تهريب الكبتاغون للبلاد في شحنات مواد غذائية قادمة من لبنان، وعلى إثر ذلك أعلنت الرياض حظر استيراد الفواكه والخضراوات من لبنان.

في المقابل، ينفي زعيم حزب الله، حسن نصر الله، أن تكون لجماعته أي علاقة بالكبتاغون.

نظام الأسد

في الخامس من هذا الشهر كشف تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز" عن ازدهار تجارة المخدرات في سوريا على أنقاض الحرب الأهلية التي دمرت هذا البلد خلال العقد الأخير.

وذكرت الصحيفة الأميركية أن صناعة المخدرات، خاصة أقراص الكبتاغون، يديرها أقارب رئيس النظام السوري بشار الأسد مع شركاء أقوياء، وبلغت قيمتها مليارات الدولارات، متجاوزة الصادرات القانونية لسوريا.

وقالت الصحيفة إن الحرب الأهلية السورية التي دمرت الاقتصاد ودفعت معظم السوريين إلى الفقر، تركت النخب العسكرية والسياسية يبحثون عن طرق جديدة لكسب العملة الصعبة والالتفاف على العقوبات الأميركية.

ووجد التحقيق أن قسما كبيرا من الإنتاج والتوزيع لحبوب الكبتاغون يشرف عليه الفرقة الرابعة المدرعة في الجيش السوري، وهي وحدة النخبة بقيادة ماهر الأسد، الأخ الأصغر لرئيس النظام وأحد أقوى الرجال في سوريا.

وأشارت الصحيفة إلى أن سوريا تملك كل المقومات اللازمة لنجاح تجارة المخدرات، إذ يتوفر خبراء لخلط الأدوية، علاوة على مصانع لتصنيع المنتجات التي تخبأ فيها الأقراص، بالإضافة إلى إمكانية الوصول لممرات الشحن في البحر المتوسط، وطرق التهريب البرية إلى الأردن ولبنان والعراق.

ومن بين اللاعبين الرئيسيين في هذه التجارة المربحة، رجال أعمال تربطهم علاقات وثيقة بالحكومة، وجماعة حزب الله اللبنانية المسلحة، وأعضاء آخرين من عائلة الرئيس، الذين يضمن اسمهم الأخير الحماية من الأنشطة غير القانونية، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز" التي استندت على معلومات جهات إنفاذ القانون ومسؤولين في 10 دول ومقابلات مع خبراء مخدرات دوليين وآخرين.

وبينما تباع الإصدارات الرخيصة بسعر يقل عن دولار للحبة في سوريا، فإن بيع الحبوب عالية الجودة في السعودية تأتي مقابل 14 دولارا أو أكثر للحبة.
العالم

وبحسب الصحيفة الأميركية، فإنه ضبط أكثر من 250 مليون حبة كبتاغون في جميع أنحاء العالم حتى الآن في العام 2021، أي أكثر من 18 ضعف الكمية التي عثر عليها خلال أربع سنوات.

وضبطت الحبوب المخدرة في تركيا ولبنان والأردن وموانئ مصر واليونان وإيطاليا ومطار في فرنسا، وفي أماكن بعيدة مثل ألمانيا ورومانيا وماليزيا. وتقول نيويورك تايمز" إن معظم هذه البلدان ليست أسواقا مهمة للكبتاغون ولكنها مجرد محطات توقف في طريقها إلى الخليج، وخاصة السعودية.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.