أنباء تتحدث عن خلافات بين الحوثيين والسفير الإيراني في صنعاء
أنباء تتحدث عن خلافات بين الحوثيين والسفير الإيراني في صنعاء | Source: @IRANINYEMEN1

في الوقت الذي أعلنت طهران استدعاء سفيرها في اليمن حسن إيرلو، لأسباب صحية، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، أنه أقيل من منصبه بسبب توترات مع "الحوثيين المدعومين من إيران".

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إقليميين أن السفير بات "مشكلة سياسية تزيد الأعباء على كاهل الحوثيين، بالنظر إلى نفوذه الكبير في اليمن، والذي بات يعزز التصور بأن الحوثيين يستجيبون لإيران".

وكالة فرانس برس نقلت عن مسؤول سعودي رفيع المستوى أن السفير الإيراني لدى اليمن غادر صنعاء السبت في طائرة عراقية، سمح لها السعوديون بالهبوط والإقلاع بعد وساطة عراقية وعمانية.

وأشارت إلى أن مغادرته صنعاء كانت بطلب من الحوثيين وفي ظل ظروف غامضة إذ لم تتضح الأسباب وراء رغبة الحوثيين في رحيل السفير.

وهذه ليست أول مرة يتم الحديث فيها عن خلافات بين السفير الإيراني إيرلو وبعض قادة الحوثيين، حيث كان قد فرض في صنعاء مطلع 2021 إحياء مناسبات لذكرى مقتل قاسم سليماني، حيث أحجم بعض قادة اللجان الثورية عن الحضور وهو ما تسبب بخلافات ما بينهم حينها.

فهل يكون التأزم بين إيران والحوثيين بوابة للتقارب مع السعودية؟ وهل ستساعد التوترات بين الحوثيين وسفير إيران على إيجاد حل لحرب اليمن؟.

انفراجة في مسار المشاورات 

مبارك آل عاتي المحلل السياسي السعودي، قال إن "واقعة مغادرة السفير الإيراني إيرلو صنعاء، وطلب الحوثيين من التحالف السماح بإخلاءه تؤكد الشكوك المتزايدة حول وجود خلافات متصاعدة بين الطرفين".

وأضاف في حديث مع موقع "الحرة" أن "هناك أسبابا عديدة للخلاف مع السفير الإيراني في مقدمتها الارتفاع الكبير جدا في عدد القتلى في صفوف الحوثيين، حيث يعتقد أن عددهم تجاوز 37 ألف قتيل، ناهيك عن خسائر في المعدات العسكرية مما أثبت فشل خطط إيرلو وخبراءه وجعل الحوثيين في موقف ضعيف وحرج أمام اليمنيين".

وأشار آل عاتي "أنه في حال كانت عملية سحب السفير بطلب من طهران فقد تعتبر خطوة لإحداث انفراجة في مسار مشاورات السعودية وإيران المتوقفة، كما تعتبر بادرة قد يبنى عليها تطور إيحابي".

وأوضح أن الحوثيين يريدون " من هذه الواقعة التأكيد أن ولاءهم لليمن أكثر من تبعيتهم لإيران حتى لا يثور عليهم الشعب مع تنامي الخسائر في المعارك وسقوط آلاف القتلى، ناهيك عن تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية".

ويرى أن الحوثيين يريدون "التخلص من عبء إيرلو لإيقاف مايمكن إيقافه من تدهور أوضاعهم جراء سطوة ضربات التحالف العربي".

أسباب صحية 

إلا أن المحلل السياسي الإيراني، حسين روريان كان له رأي آخر، فقال في رده على استفسارات "الحرة" إنه "ليس هناك خلاف بين إيران والحوثيين على الإطلاق".

وأضاف أن مغادرة السفير الإيراني لليمن جاءت لأسباب "صحية بحتة"، ناهيك عن أنه سيكون في زيارة خاصة لعائلته بعد عامين من بقائه في صنعاء.

ويرى روريان أن "إنهاء الحرب في اليمن لن يتم إلا من خلال وقف العدوان والحصار والانسحاب من الأراضي اليمنية وترك اليمنيين يحلون مشاكلهم من خلال الحوار"، حسب وتعبيره.

وأوضح أنه من "الطبيعي لإيران مساعدة اليمن لبناء ما دمرته الحرب، خاصة وأن اليمن لا يملك الميزانيات المطلوبة لهذه العملية".

الولاء لطهران 

نبيل البكيري، باحث وصحفي يمني، أكد في رده على استفسارات "الحرة" أن "سيناريو التأزيم بين الحوثيين وطهران غير وارد على الإطلاق، لأنهم على اتفاق تام حتى وإن ظهر عكس ذلك".

وأضاف أن الإيرانيين يدركون أن جماعة الحوثيين أصبحت تدين لهم بالولاء، وأن أي قرارات سيادية يتم اتخاذها من قبل طهران، فيما يترك لجماعة الحوثيين مجال صغير لاتخاذ القرارات في الأمور البسيطة".

وأوضح البكيري أن ما يتم الحديث عنه بأن السفير الإيراني قد سافر للعلاج هو أمر صحيح، لكن من غير المعلوم ما إذا كان يريد العلاج من إصابته بكورونا، أو أنه ربما قد أصيب في إحدى الضربات الجوية للتحالف، وهو ما لم يتم تأكيده حتى الآن.

امتداد للحرس الثوري

الخبير العسكري اليمني، يحيى أبو حاتم، قال لموقع "الحرة" إنه "لا يوجد أي خلافات بين الحوثيين والإيرانيين على الإطلاق، حيث أصبحت جماعة الحوثيين تمثل امتدادا للحرس الثوري الإيراني خارج إيران".

وأضاف أن العلاقات بين الحوثيين وإيران "ليست علاقة مصالح، إنما علاقة تبعية وولاء مطلق".

وأوضح أبو حاتم "أن ما تم تداوله عبر صحيفة وول ستريت جورنال بوجود خلافات أو طلب من الحوثيين يتعلق بالسفير الإيراني، ما هو إلا لإظهار أن الحوثيين هم أصحاب القرار في صنعاء، وهو أمر غير حقيقي".

من هو حسن إيرلو؟

وبرز اسم إيرلو مع بدء الحرب في اليمن في 2015، حيث كان اسمه يتداول في وزارة الخارجية الإيرانية، على اعتبار أنه أشبه بحلقة الوصل ما بين طهران وجماعة الحوثيين.

وينتمي لعائلة كان معظم أفرادها في الحرس الثوري، حيث كان ضمن صفوف معسكر حمزة 21، وشقيقه حسين قائد لكتيبة التدمير التابعة لفرقة المهدي، وشقيقه الآخر من عناصر الفرقة العاشرة في كتيبة سيد الشهداء، وفق الموقع الإلكتروني لمنظمة مجاهدي خلق.

ووفق معلومات لم يتسن للـ"الحرة" التأكد منها، فقد عمل إيرلو أيضا كباحث ومحلل في شؤون الخليج في الخارجية الإيرانية، وكان مديرا للمكتب اليمني، بحسب وسائل إعلام إيرانية.

في نهاية 2020 عينت طهران إيرلو سفيرا لها في صنعاء، حيث رشحت معلومات بأن حزب الله اللبناني قام بتسهيل تهريبه ليصل إلى صنعاء.

وقال الخبير العسكري اليمني، ياسر صالح، في تصريحات سابقة لموقع "الحرة" أن إيرلو كان ضابط دفاع جوي وهو المهندس الأساسي للضربات الجوية للحوثيين وهو "خبير أسلحة مضادة للطائرات"، كان قد أصيب في الحرب الإيرانية العراقية.

تدرج إيرلو في الحرس الثوري الإيراني، ويعتبر من الضباط الأساسيين في فيلق القدس الذي كان يقوده قاسم سليماني.

وخلال عمله في الحرس الجمهوري قام بتدريب عناصر من حزب الله اللبناني في إيران، وحتى عناصر ميليشيات عراقية موالية لطهران، وشارك في دعم العديد من العمليات في شبه الجزيرة العربية وخاصة اليمن، وفق بيان سابق لوزارة الخزانة الأميركية.

وفرضت الولايات المتحدة نهاية 2020 عقوبات على إيرلو، الذي تم تعيينه كدبلوماسي في صنعاء، لدوره في تنسيق التعاون بين الحرس الجمهوري والحوثيين، وهو يعمل لتحقيق مصالح طهران بشكل مباشر أو غير مباشرة في اليمن وزعزعة استقرار المنطقة.

مغادرة صنعاء 

من جهته، كتب المتحدث باسم المتمردين محمد عبد السلام على تويتر "تفاهم إيراني سعودي عبر بغداد تم بموجبه نقل السفير الإيراني بصنعاء على متن طائرة عراقية وذلك لظروفه الصحية، وما يرد في وسائل الإعلام من روايات وتكهنات فهي عارية عن الصحة".

ويشهد البلد الفقير منذ 2014 حربا دامية بين المتمردين والقوات الموالية لحكومة الرئيس المعترف به عبد ربه منصور هادي.  وتصاعدت الحرب مع تدخل تحالف عسكري بقيادة السعودية لدعم الحكومة في 2015.

وتصاعدت الحرب مع تدخل تحالف عسكري بقيادة السعودية لدعم الحكومة في مارس 2015.

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.