على مدار 18 يوما، يقود الأسطول الأميركي الخامس تدريبات عسكرية ضخمة تحمل اسم (آي.إم.إكس 22) بمشاركة 60 دولة وسط تصاعد حدة التوتر في الخليج، بعد استهداف الحوثيين دولة الإمارات.
تأتي هذه التدريبات لـ"إظهار التصميم العالمي بالحفاظ على حرية الملاحة والتدفق الحر للتجارة البحرية وردع التهديدات لحرية الملاحة"، بحسب موقع القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية.
ويرى اللواء حرب سابق والخبير العسكري والاستراتيجي، محمد صالح الحربي، أن هذا التمرين مهم على اعتبار أنه "ضروري للتنسيق ضد التهديدات والمخاطر في المنطقة التي تشهد أحداثا متسارعة ومتلاحقة لم تمر فيها منذ عام 2003".
وقال الحربي لموقع "الحرة" إن هذه المناورة الضخمة تهدف إلى تحقيق "الأمن وتعزيز الاستقرار في منطقة حيوية استراتيجية على مستوى العالم من خلال رفع الجاهزية والاستعداد وتوازن الردع والتنسيق والاتصالات ورفع الكفاءة".
واستبعد الحربي أن يكون لهذا التدريب متعدد الجنسيات علاقة بالهجمات الأخيرة التي تعرضت لها دولة الإمارات العربية المتحدة من جانب الحوثيين في اليمن.
وأضاف أن هذه هي "النسخة السابعة من التمرين كأكبر تمرين للآليات غير المأهولة تحت قيادة الأسطول (الأميركي) الخامس ... هذه التدريبات ليس لها علاقة بالأحداث الأخيرة التي تعرضت لها الإمارات".
ويشمل التدريب المشترك 9000 فرد وما يصل إلى 50 سفينة من أكثر من 60 دولة شريكة ومنظمة دولية تعمل في منطقتين.
وأردف الحربي قائلا: "التمرين يشمل مناطق الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي ومضيق باب المندب إلى البحر الأحمر ... هذه التدريبات من شأنها تعزيز قدرات الدول لحماية الممرات المائية التي تؤثر على العالم بأكمله على اعتبار أن الخليج يشكل 40 بالمئة من حجم إنتاج الطاقة العالمي، والبحر الأحمر يشكل 13 بالمئة من إجمالي حجم التجارة العالمية".
"أمر طبيعي"
ويعطي التمرين القوات المشاركة فرصة لاختبار الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي في سيناريوهات تدريب مختلفة وتطبيق الدروس المستفادة في نهاية المطاف على العمليات المستقبلية في العالم الحقيقي، وفقا للقيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية.
وسيركز التدريب أيضا على تعزيز القدرات في القيادة والسيطرة البحرية، وعمليات الأمن البحري وإجراءات مكافحة الألغام.
ويذهب المحلل السياسي والاستراتيجي، عبدالله الجنيد، في اتجاه مماثل لرأي اللواء الحربي بقوله إن "من الطبيعي جدا أن يترجم التضامن الإقليمي عبر آليات تكافل أمني ودفاعي بين دول الإقليم وحلفائهم الاستراتيجيين".
وأضاف الجنيد في حديثه لموقع "الحرة" أن "التمرين العسكري البحري بين دول الإقليم الواقعة ضمن نطاق القيادة الوسطى الأميركية يحمل دلالاته الأمنية وكذلك رسائله السياسية".
وبحسب وكالة رويترز، فإن السعودية وإسرائيل تشاركان للمرة الأولى في تدريبات واحدة عسكرية متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة في خطوة ربما تشير إلى وجود تقارب بين الدولتين.
في هذا الإطار، يشير الحربي إلى أن مشاركة السعودية في هذه المناورة ليس لها علاقة بأي تقارب مع إسرائيل.
وقال إن "التدريبات تحت رعاية وقيادة وسيطرة القوات الأميركية المركزية الوسطى وليس لها علاقة بأي تقارب (مع إسرائيل) ... السعودية تشارك ضمن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة من ضمن دول عدة".
وأشار الحربي إلى أن مشاركة إسرائيل طبيعية على اعتبار أنها منذ العام 2021 انتقلت من عمليات القيادة الأوروبية وأصبحت تابعة لمنطقة عمليات القيادة المركزية الوسطى.
وتابع: "الولايات المتحدة حليفة لإسرائيل من جهة ولدول مجلس التعاون من جهة أخرى وهذا أمر طبيعي".
في يناير عام 2021، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية إجراء تغيير في "خطة القيادة الموحدة" يقضي بنقل إسرائيل من منطقة عمليات القيادة الأوروبية للقوات الأميركية إلى منطقة عمليات القيادة المركزية.
وفي هذا الصدد، قال الجنيد إنه "يجب عدم الخلط بين ضرورات التكافل الأمني إقليميا والعلاقات السياسية بين دول الإقليم"، مردفا أن "السعودية وإسرائيل دولتان تقعان ضمن فضاء إقليمي مشترك، لذلك فأن التحديات الإقليمية تفرض واقعها الخاص".
وأضاف: "تكمن أكبر إشكالية في القراءات السياسية إقليميا وخصوصا في ما يتعلق بالتمثيل الإسرائيلي في مثل هذا التمرين العسكري، بأننا نتناول ذلك وكأنه أمر غير طبيعي في حين أن إسرائيل دولة تتشارك جغرافيا (مع دول المنطقة) ومصادر التهديد متشابهة".
والأربعاء، قال متحدث باسم البحرية الأميركية إن القائمين على تحديد أنشطة التدريبات على دراية بأبعاد الواقع الجغرافي والسياسي لكل دولة من الدول المشاركة على حدة، لكن التعاون كان في أوجه، بحسب وكالة رويترز.
"سياسة الخطى الصغيرة"
من ناحية ثانية، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية، مئير مصري، أن مشاركة السعودية في مناورة عسكرية تعد إسرائيل جزءا منها تمثل "خطوة هامة في طريق التطبيع".
وقال مصري لموقع "الحرة" إن دول كمصر والأردن لم تجرؤ "على القيام بفعل مشابه في ظل وجود علاقات دبلوماسية بينها وبين الدولة العبرية"، لافتا إلى أن "للسعودية وعمان وقطر علاقات شبه رسمية مع إسرائيل باختلاف سياسة وشخصية كل منهما".
وأضاف: "لا معنى لاتفاقيات إبراهيم بدون السعودية التي لعبت دورا محوريا في تسهيل التقارب الإسرائيلي الإماراتي والإسرائيلي البحريني. لكن نظرا لتاريخ المملكة ولخصوصية موقعها على الساحة العربية والإسلامية، فهي تتبع سياسة الخطى الصغيرة".
وتؤكد السعودية أن أي اتفاق مع إسرائيل يعتمد على التقدم في مسار علمية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وفي صيف عام 2020، أقامت الإمارات والبحرين علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل في ضوء معاهدة إبراهيم التي جاءت برعاية الولايات المتحدة.
ويعتقد مصري أن شكل التحالفات في الشرق الأوسط تغير اليوم وباتت إسرائيل شريكة للمنظومة العربية، وفق تعبيره.
وأردف بقوله: "لا شك في أننا نشهد اليوم إعادة تشكيل للتحالفات والتوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. إسرائيل التي كانت تستقوي في السابق بدول ما كان يسمى بالحزام الثاني لتطويق العالم العربي في خضم الصراع العربي الإسرائيلي أصبحت اليوم شريكا للمنظومة العربية، وهذا لثلاثة أسباب رئيسية في نظري".
ويشرح: "أولا، فرضت إسرائيل نفسها على مدى سبعة عقود كقوى إقليمية وكمصدر أساسي لتوريد السلاح والمنتجات الأمنية. وثانيا، وجود حليف استراتيجي مشترك وهو الولايات المتحدة. وثالثا، تنامي التهديدات المشتركة والمتمثلة في النظام الإيراني وأذرعه من ناحية، والمنظمات الجهادية السنية من جهة أخرى".
وقال مصري إن هذه المناورة تأتي "في هذا السياق الواسع، وهي خطوة هامة على طريق التقارب الخليجي الإسرائيلي، وليست مجرد ردة فعل لهجمة الحوثي" الأخيرة ضد الإمارات.
