المؤسسة الليبية دعت شركات أخرى إلى رفع حالة القوة القاهرة واستئناف نشاطها ـ أرشيفية
هبوط حاد في إنتاج النفط في ليبيا. أرشيفية

عاد ملف النفط إلى صدارة المشهد في ليبيا، بعد أزمة إقالة رئيس المؤسسة النفطية الليبية واستبداله بآخر، في الوقت الذي تشهد فيه ليبيا أزمات سياسية تتعلق برئاسة الحكومة أيضا.

والخميس، تسلم فرحات بن قدارة منصبه لرئاسة المؤسسة، وذلك بعدما أعلنت حكومة الوحدة في طرابلس إقالة رئيس المؤسسة مصطفى صنع الله الذي سارع إلى رفض قرار إقالته.

وتثير أزمة رئاسة قطاع النفط الليبي المخاوف من استمرار الفوضى والتنافس السياسي، إذ أعرب السفير الأميركي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، الخميس، عن "قلقه البالغ" إزاء ما يحصل.

وتواجه ليبيا أزمة حادة بسبب تراجع إنتاج النفط، وتغلق مجموعات محلية وقبلية منذ أبريل ستة حقول وموانئ نفطية في الشرق، في منطقة تسيطر عليها القوات الموالية للجنرال خليفة حفتر.

وهذه الحقول والموانئ مغلقة احتجاجا على استمرار رئاسة عبد الحميد الدبيبة للحكومة في طرابلس وعدم تسليمه السلطة إلى الحكومة الجديدة المعينة من مجلس النواب.

وبنهاية يونيو أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن حجم الخسائر المالية الناجمة عن إغلاق المنشآت النفطية في الشرق تجاوزت 3.5 مليارات دولار.

وأكد صنع الله في لقاء مع قناة "الحرة" إنه لا يزال "رئيس مجلس الإدارة الشرعي للمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا"، مؤكدا أن قرار إقالته "باطل" وأن دخول الرئيس الذي عينته حكومة الوحدة يعتبر "غير شرعي"، إذ أن هذه الحكومة "منتهية الولاية" والثقة مسحوبة منها منذ أكتوبر 2021.

وأوضح أن دخول مؤسسة النفط تم بشكل "مسلح وباستعمال السلاح" وهو غير قانوني، مشيرا إلى أن ما يقلقه "التعرض للعاملين في المؤسسة" بعنف من قبل مسلحين.

وكرر صنع الله اتهاماته بوجود تعاون بين الدبيبة والإمارات التي تريد السيطرة على قطاع النفط الليبي، وقال إنه "تم إحباط عشرات المحاولات لتهريب النفط، وكنا نجد أن الشركات التي تقف وراء هذا الأمر مسجلة في الإمارات".

وكشف أنه تقدم بدعوى بحق "الدبيبة لأنه يحاول الزج بمؤسسة النفط الليبية وتسييسها للبقاء في السلطة".

وتشير أرقام وزارة النفط والغاز الليبية أن البلاد تمتلك حوالي 48 مليار برميل من احتياطي النفط الخام، و15 تريليون مكعب من احتياطي الغاز الطبيعي، وهي تعتبر أكبر احتياطي مؤكد في إفريقيا.

من يسيطر على النفط؟

النفط والغاز في ليبيا

وفي يونيو الماضي تقلص إنتاج ليبيا من النفط إلى حوالي 100 ألف برميل يوميا، بدلا من 1.2 مليون برميل يوميا كانت تصدر خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، ما يعني تراجعا مقداره 1.1 مليون برميل يوميا، كما قفزت الصادرات في بعض الأيام إلى 800 ألف برميل، بحسب ما كشفته وزارة النفط الليبية لشبكة "سي أن أن".

ويؤكد تقرير الشبكة أن تذبذب إنتاج النفط الليبي يرتبط بحالة الفوضى التي تعاني منها البلاد، إذ لا يزال هناك عدم وضوح حول "من يتحكم في المورد الأكثر قيمة في ليبيا".

وتكشف آخر الأرقام أن صادرات ليبيا في يوليو بلغت 400 ألف برميل يوميا، وفق بيانات لشركة "كابلر" لتقصي المعلومات.

وقال السفير الأميركي نورلاند في تصريحات سابقة لـ"سي أن أن" إن "هناك أطرافا معينة تسعى للاستفادة من تحريف أرقام إنتاج النفط. الأرقام السابقة التي قدمتها وزارة النفط غير دقيقة"، لافتا إلى أن "الإنتاج الفعلي أعلى بكثير".

أستاذ الاقتصاد في جامعة مصراتة، حميد فاضل، شرح لموقع "الحرة" آلية توزيع واردات النفط الليبي، وقال إن "المؤسسة الوطنية للنفط تقوم ببيع النفط للشركات الدولية، وحوالي 85 في المئة من الإنتاج يذهب للسوق الأوروبية، ويتم توريد المبالغ إلى المصرف الليبي المركزي".

وأضاف أن "هناك ترتيبات مالية لإنفاق هذه الواردات، وقال إن الإنفاق يجري بعيدا عن وجود ميزانية واضحة يشرف عليها البرلمان"، موضحا أنه "لا يوجد أي عدالة أو شفافية كافية تظهر جوانب إنفاق هذه الإيرادات". وأشار إلى أن "ليبيا خلال السنوات الأخيرة الماضية دائما ما تأتي في مراتب متأخرة في مؤشرات مدركات الفساد".

ويوضح فاضل "أن حوالي ثلثي القطاع النفطي في البلاد لا يخضع لحكومة الوحدة الوطنية، التي يرأسها عبدالحميد الدبيبية، وهي إلى حد كبير تحت سيطرة خليفة حفتر"، مشيرا إلى أن "بعض مناطق الهلال النفطي في ليبيا تسيطر عليها مجموعة فاغنر المسلحة بشكل كامل".

وتقع معظم حقول النفط في ليبيا في شرق البلاد، حيث يسيطر حفتر وقواته المسلحة، والمتحالفة مع حكومة فتحي باشاغا، بحسب تقرير "سي أن أن".

وأضاف التقرير أن مجموعة فاغنر وهي مجموعة روسية عسكرية خاصة دخلت إلى ليبيا في 2019، ونشرت مئات الجنود الروس حول حقول النفط، وفي 2020 سيطرت هذه المجموعة على حقل الشرارة أحد أكبر حقول النفط في البلاد.

ويقول المحلل السياسي، أحمد المهدوي، إن السيطرة على حقول النفط في ليبيا تتوزع حاليا بين جهات متعددة، "إذ إن القوانين تشير إلى أنها المؤسسة الوطنية للنفط، ولكنها تسيطر على حقول ومنشآت محددة".

ويضيف في حديث لموقع "الحرة" أن "هناك منشآت نفطية في غرب البلاد تسيطر عليها ميليشيات مسلحة، وهي من تقوم ببيع وتهريب النفط".

وقال أيدين كاليك المحلل في مركز "ميدل إيست إيكونوميك سيرفي" إنه يتوقع رفع الحصار النفطي "قريبا جدا".

وحذر كاليك في حديث لوكالة فرانس برس من أن مجلس الإدارة الجديد موضع نزاع، بين أطراف بينها صنع الله الذي توسط منذ فترة طويلة للحفاظ على تدفق الخام الليبي ووضع نفسه كمحاور مع قوى أجنبية وشركات نفطية.

وأضاف كاليك أن "الغموض بشأن من هو المسؤول في المؤسسة الوطنية للنفط يثير تساؤلات: من يستطيع تصدير النفط بشكل شرعي؟ هل ستعترف شركات النفط الدولية بمجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط الجديد؟ ماذا قد يعني ذلك بالنسبة لعقودها؟".

انعكاس للأزمة السياسية

عبدالحميد دبيبة وفتحي باشاغا. أرشيفية

ويتفاقم الانقسام في ليبيا مع وجود حكومتين متنافستين، الأولى في طرابلس انبثقت من اتفاق سياسي قبل عام ونصف العام يرأسها الدبيبة الذي يرفض تسليم السلطة إلا إلى حكومة منتخبة؛ والثانية برئاسة فتحي باشاغا عينها البرلمان في فبراير ومنحها ثقته في مارس وتتخذ من سرت مقرا مؤقتا لها بعدما منعت من دخول طرابلس، ما أثار المخاوف من تجدد النزاع بعد عامين فقط من إبرام هدنة تاريخية أنهت محاولات حفتر الاستيلاء على العاصمة بالقوة.

ويؤكد المحلل الاقتصادي، حميد فاضل، أنه منذ عام 2013 "يتم استغلال قطاع النفط الليبي كورقة سياسية بين الأطراف المختلفة، بحيث تقوم بعض الجهات بإغلاق منشآت نفطية وتوقف الإنتاج نتيجة لخلافات سياسية".

وكانت الولايات المتحدة قد تقدمت بمقترح في مارس الماضي، لإيجاد آلية للإشراف على عائدات النفط الليبية لحل الأزمة السياسية التي تعطل الإنتاج.

وقال نورلاند في تصريحات إن الموافقة على هذا المقترح يجب أن تكون من جميع الأطراف، مشيرا إلى أنه "لا يوجد كيان سياسي واحد يمارس سيطرة سيادية على جميع الأراضي الليبية بما في ذلك حقول النفط".

ويقول المحلل المهدوي إنه "لا صورة واضحة حول آلية توزيع إيرادات النفط بعدالة في البلاد، وهي تخضع لتجاذبات سياسية عديدة".

وكان صنع الله قد أكد في تصريحات في يونيو على مشروعية "الاختلاف السياسي"، وحذر من أن استخدام النفط، "قوت الليبيين"، ورقة مساومة هو "خطيئة لا تغتفر".

المؤسسة الوطنية للنفط

فرحات بن قدارة ومصطفى صنع الله. أرشيفية

وقال فاضل إن القوانين النافذة في البلاد، تؤكد أن المؤسسة الوطنية للنفط، هي من تدير قطاع النفط، وإنتاج وعمليات الاستكشاف والبيع.

ولكن منذ 2014، حاولت الأطراف السياسية المختلفة السيطرة على المؤسسسة الوطنية للنفط، ولكن القطاع يشرف عليه وزير النفط والغاز، محمد عون الذي ينتمي إلى حكومة الوحدة غربي البلاد، وفق تقرير "سي أن أن".

وكان الوزير عون قد طلب تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة النفط في يونيو الماضي، وهو ما تسبب في خلاف مع مصطفى صنع الله، أدى إلى تبادل اتهامات بين الطرفين.

واتهم الوزير عون، صنع الله بحجب بيانات الإيرادات والإنتاج عن الوزارة وبإصدار أوامر إلى الشركات بعدم الاعتداد بمراسلات وزارة النفط التي تتبع إليها المؤسسة قانونا.

ويرأس صنع الله مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط منذ 2014، وقد تقلد هذا المنصب بعدما تدرج في مناصب عدة في شركات نفطية وطنية، وهو على علاقات وطيدة مع شركات النفط الأجنبية العاملة في ليبيا.

وطيلة السنوات الماضية دخل صنع الله في خلافات كبيرة مع الحكومات المتعاقبة، كما أنه على عداء مع محافظ البنك المركزي الليبي، الذي يتهمه بالتصرف بطريقة "غير عادلة" بإيرادات النفط وحجب الميزانيات اللازمة لدعم المنشآت النفطية.

وكان السفير نورلاند قد قال في بيان إنه "يجوز الطعن في قرار استبدال مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط في المحكمة، ولكن يجب ألا يصبح موضوع مواجهة مسلحة".

وأكد أن "المؤسسة ظلت مستقلة سياسيا وكفؤة تقنيا تحت قيادة مصطفى صنع الله".

ويرى المحلل السياسي، المهدوي أن "قرار الدبيبة إقالة صنع الله، غير صحيح، وهو حق لمجلس النواب، الذي يمكنه التعيين في المناصب السيادية في البلاد".

وقال رئيس مؤسسة النفط الليبية الجديد بن قدارة، الخميس، إن "من المهم بشكل حيوي في ظل الظروف الحالية أن تستعيد ليبيا قدرتها التصديرية للغاز والنفط بأسرع ما يمكن".

وأضاف أن "قطاع النفط سقط فريسة للصراعات السياسية، لكننا سنعمل على منع التدخل السياسي في هذا القطاع".

وشدد بن قدارة، الخميس، أن تعيينه في هذا المنصب جاء "لأنني رجل غير حزبي ولست مرتبطا بأي طرف، ولأنني أستطيع الانتقال إلى أي مكان في ليبيا". 

ويثير استبدال الدبيبة لصنع الله ببن قدارة الذي كان محافظا للبنك المركزي خلال عهد القذافي ويشاع أن له صلات وثيقة بحفتر ودولة الإمارات، تكهنات باحتمال إبرام صفقة من شأنها أن تسمح للدبيبة بالبقاء في السلطة.

وقال عماد الدين بادي من مركز "اتلانتيك كاونسل" لوكالة فرانس برس إن تعيين بن قدارة كان "نتاج تقارب مؤقت بين الدبيبة وحفتر، لكنه قد يشكل الأساس لاتفاق أوسع".

وأضاف أن "الدبيبة سيحصل على أشياء عديدة من ذلك"، مشيرا إلى أنه "يستعيد الوصول إلى أموال الدولة ويعيق الآلية المالية الأميركية أو الزخم لتنفيذها، ويفترض أن حفتر سيرفع الحصار النفطي ويحد إن لم يوقف بالكامل دعمه لباشاغا".

ويعاني الليبيون من انقطاع التيار الكهربائي والغلاء وانعدام الأمن واهتراء البنى التحتية وانهيار الاقتصاد والخدمات منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011. وعانى قطاع الطاقة الحيوي بسبب الحرب وهدر النفط وتضرر البنى التحتية وعدم صيانتها وإغلاق المنشآت، وفق تقرير سابق لوكالة فرانس برس.

ويعاني الليبيون من أوضاع اقتصادية صعبة. وفي مطلع يوليو، اندلعت تظاهرات احتجاجا على الظروف المعيشية والفوضى السياسية وأزمة انقطاع التيار الكهربائي.

صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد
صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد

رغم مؤشرات على اجتماع قد يكون وشيكا بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، بعد قطيعة تجاوزت عقدا من الزمن، إلا أن تطبيع العلاقات لا يمكن أن يحصل، وفق محللين، إلا بشكل تدريجي نظرا للقضايا الشائكة بين الطرفين.

وتقول نائب رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال افريقيا في معهد السلام الأميركي منى يعقوبيان لوكالة فرانس برس إن المصالحة "لن تحصل بين عشية وضحاها، بغض النظر عما يحدث، حتى لو جرى لقاء بين إردوغان والأسد".

وتشير إلى "تعقيدات" في ملفات عدة عالقة، تجعل مؤكدا أن استعادة العلاقات "ستحصل في أحسن الأحوال بشكل تدريجي وطويل الأمد". 

قبل اندلاع النزاع في العام 2011، كانت تركيا حليفا اقتصاديا وسياسيا أساسيا لسوريا. وجمعت إردوغان علاقة صداقة بالأسد. لكن العلاقة بينهما انقلبت رأسا على عقب مع بدء الاحتجاجات ضد النظام.

فقد دعت أنقرة بداية حليفتها إلى إجراء إصلاحات سياسية، لكن مع قمع التظاهرات بالقوة وتحولها تدريجا إلى نزاع دام، دعا إردوغان الأسد إلى التنحي.

وفي مارس 2012 أغلقت تركيا سفارتها في دمشق. وقدمت دعما للمعارضة السياسية، قبل أن تبدأ بدعم فصائل معارضة مسلحة. 

وقال إردوغان، الشهر الحالي، إنه قد يدعو الأسد الى تركيا "في أي وقت"، بعدما كان أرسل مؤشرات إيجابية تجاه الأسد في العام 2022، ويبدأ مسؤولون من البلدين عقد لقاءات ثنائية بوساطة روسية.

وأبدى الأسد، الإثنين، إيجابية تجاه مبادرة إردوغان، لكنه قال إن المشكلة ليست في حصول اللقاء بحد ذاته إنما في مضمونه.

"شريكان للرقص"

وجاءت تصريحات إردوغان على وقع تفاقم مشاعر معادية للاجئين السوريين في تركيا التي تستضيف نحو 3,2 ملايين لاجئ سوري، يشكل مصيرهم قضية حساسة في السياسة الداخلية مع تعهد خصوم إردوغان إعادتهم الى بلدهم.

ويقول آرون شتاين، رئيس معهد أبحاث السياسة الخارجية ومقره الولايات المتحدة لوكالة فرانس برس إن "سوريا واللاجئين السوريين باتوا عبئا كبيرا على إردوغان".

ويعتبر أن "استثمار أنقرة في المعارضة السياسية، من وجهة نظر عسكرية، باء تماما بالفشل".

لكن تركيا تعتبر أن هدف وجودها في سوريا، وفق ما يوضح مصدر في وزارة الدفاع، هو "القضاء على الهجمات الإرهابية والتهديدات ضد أراضيها ولمنع إنشاء ممر إرهابي" قرب حدودها، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يقودون قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية.

وشنت تركيا عمليات عسكرية عدة داخل سوريا منذ العام 2016، استهدفت بشكل رئيسي الوحدات الكردية، التي تصنفها "إرهابية" وتعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا ضدها على أراضيها منذ عقود. 

وتشترط دمشق منذ العام 2022 أن تسحب تركيا قواتها، التي سيطرت بفضل عملياتها العسكرية على شريط حدودي واسع في شمال البلاد وتحظى بنفوذ في شمال غربها، كمقدمة للقاء الأسد وإردوغان.

وسأل الأسد الاثنين "ما هي مرجعية اللقاء؟ هل ستكون إلغاء أو إنهاء أسباب المشكلة التي تتمثل بدعم الإرهاب، وانسحاب (القوات التركية) من الأراضي السورية؟"، مضيفا "هذا هو جوهر المشكلة".

ووفق شتاين، إذا قال إردوغان إن اللقاء مع الأسد ممكن، فقد يحصل. لكنه يوضح في الوقت ذاته أن "رقصة التانغو تتطلب وجود شريكين، وشريكه هو قاتل يكرهه"، وهو تعبير استخدمه إردوغان إثر اندلاع النزاع لوصف الأسد.

رغم التباينات، تتفق أنقرة ودمشق على رفض الحكم الذاتي للأكراد. وبينما تريد أنقرة إبعادهم عن حدودها، تحمل دمشق عليهم "نزعتهم الانفصالية" وتلقيهم الدعم من واشنطن، بعدما شكلوا رأس حربة في دحر تنظيم داعش.

وتثير المؤشرات على تقارب بين دمشق وأنقرة مخاوف الإدارة الكردية، التي يقول محللون إنها قد تدفع الثمن الأكبر، مع رغبتها بالحفاظ على مكتسبات حققتها خلال سنوات الحرب.

"الجزء الصعب"

ويرى مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن سونير كاغابتاي أن أنقرة "تريد من الأسد أن يقضي على حزب العمال الكردستاني حتى يصبح التنظيم في حالة سبات".

ويضيف "عندها سيبدأ التطبيع الحقيقي في شمال غرب سوريا، مع التزام تركيا سحب قواتها تدريجا".

ويثير هذا السيناريو مخاوف ملايين السوريين المقيمين في منطقة إدلب ومحيطها، وأكثر من نصفهم نازحون فروا تدريجا من محافظات سورية أخرى مع سيطرة القوات الحكومية عليها. 

في مرحلة انتقالية، لا يستبعد كاغابتاي أن يعترف إردوغان بسلطة الأسد في شمال غرب سوريا، لكن مع أن يبقى الأمن "في يد أنقرة"، على أن يكون الهدف النهائي إعادة اللاجئين السوريين من تركيا. 

لكن "الجزء الصعب" هو أن الكثير  من المدنيين السوريين لا يرغبون العيش تحت حكم الأسد مجددا، ويمكن أن يناصبوا حينها العداء لتركيا.

عند بروز مؤشرات تقارب عام 2022، خرجت تظاهرات غاضبة في مناطق عدة في إدلب، تحت سيطرة هيئة تحرير الشام. وخرجت تظاهرات مماثلة وإن كانت محدودة خلال الشهر الحالي رفضا لـ"التطبيع" بين أنقرة ودمشق.

وفي شمال شرق البلاد، يرى شتاين أن الوجود الأميركي سيجعل أي هجوم تشنه تركيا بتفويض من دمشق تجاه الأكراد خيارا محفوفا بالتحديات.

لذا، فإن تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة بين تركيا وسوريا هي "الأداة الوحيدة المتاحة.. كونها تخول تركيا شن عمليات في سوريا على عمق خمسة كيلومتر من الحدود" إذا تعرض أمنها القومي للخطر.

وأنهى الاتفاق عند توقيعه في العام 1998 توترا بين الدولتين، حين حشدت تركيا قواتها قرب الحدود احتجاجا على دعم قدمته دمشق لحزب العمال الكردستاني.

ولطالما اتهمت دمشق أنقرة بخرق الاتفاق منذ بدء النزاع عام 2011.

وتقول يعقوبيان إنه يتعين الانتظار لمعرفة إذا كان بالإمكان "إعادة صياغة" الاتفاق مع سيطرة الأكراد على مساحات واسعة.

ومع قرب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة واحتمال وصول إدارة جديدة، لا تستبعد يعقوبيان أن يكون التقدم نحو المصالحة بمثابة "تحسب لأي تحول محتمل في السياسة الأميركية" تجاه سوريا.