حجر رشيد من أهم القطع الأثرية المصرية في بريطانيا
حجر رشيد من أهم القطع الأثرية المصرية في بريطانيا

على مدار الأيام الماضية، أقدمت أميركا وبريطانيا على  إعادة قطع أثرية مسروقة إلى بلادهما الأصلية، وسط تعالي الأصوات في البلدان العربية بالمعاملة بالمثل. 

واحتفت نيجيريا بموافقة متحف في لندن على  إعادة مجموعته من القطع البرونزية البنينية بعد أن سُرقت القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن من غرب أفريقيا منذ أكثر من قرن.

ووافق متحف "هورنيمان آند غاردنز" إنه سينقل ملكية 72 قطعة أثرية إلى الحكومة النيجيرية من بينها 12 لوحة نحاسية تعرف باسم بنين البرونزية، كان جنود بريطانيون نقلوها من مدينة بنين إلى بلادهم عام 1897، حسبما نقلت "وول ستريت جورنال". 

وتعد المجموعة التي يملكها متحف هورنيمان جزءا صغيرا من 3000 إلى 5000 قطعة أثرية نهبها الجنود البريطانيون من مملكة بنين في أواخر القرن التاسع عشر مع قيام المملكة المتحدة بتوسيع إمبراطوريتها الاستعمارية في غرب أفريقيا.

وطلبت وزارة الإعلام والثقافة في نيجيريا رسميا من المتحف البريطاني إعادة الآثار النيجيرية في أكتوبر 2021، حيث تتواجد هناك 900 قطعة برونزية من بنين.

ولم يلتزم المتحف البريطاني بعمل مماثل لما فعله متحف "هورنيمان"، لكنه يقول إنه يعمل مع ممثلي المتاحف في العديد من الدول الأوروبية وكذلك المسؤولين النيجيريين والشخصيات من القصر الملكي في بنين بشأن إيجاد حل دائم.

ولدى نيجيريا بالفعل اتفاق مع ألمانيا لإعادة مئات القطع الأثرية المماثلة. كما تعيد بعض المؤسسات الأميركية النظر في ملكيتها للقطع الأثرية الأفريقية المسروقة. 

وفي مارس، قالت مؤسسة "سميثسونيان" إنها ستعيد هي 39 بنين البرونزية إلى نيجيريا. وأعاد متحف "متروبوليتان" للفنون ثلاث قطع أثرية إلى نيجيريا خلال يونيو الماضي.

وفي سياق متصل، أعادت أميركا، الأربعاء، 30 قطعة أثرية تنتمي لتراث الخمير إلى كمبوديا، حسبما نقلت "نيويورك تايمز". 

ومن ضمن هذه الآثار التي لا تقدر بثمن، تمثال يزن 4 أطنان للإله الهندوسي جانيش. 

وبعض هذه الآثار أتى من متاحف أميركية، مثل متحف دنفر للفنون، وبعضها كان في حوزة أفراد. 
وتصر دول عربية عدة على المطالبة باسترداد آثارها المنهوبة، خاصة التي خرجت في فترة الاستعمار، من فترة لأخرى حيث تقدم طلبات رسمية تتزامن مع أصوات شعبية تنادي بضرورة إعادة القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن.

وكان العراق استرجع في يوليو 2021 من الولايات المتحدة 17 ألف لوح طيني مسماري أثري مهرب، هي "أكبر مجموعة" أثرية تستردها البلاد وفق وزارة الثقافة، من بين العديد من القطع ثمينة الأخرى العائدة لحضارات ما بين النهرين والتي سلبت خلال سنوات من الحروب والأزمات.

وخلال الربيع العربي وسنوات الفوضى التي تلت، شهدت دولا عدة مزيدا من عمليات النهب لآلاف القطع الأثرية الثمينة، حيث يزداد زخم استعادتها يوما بعد آخر. ولم تقتصر المطالبات باسترداد الآثار المسروقة على تلك القطع التي نهبت عقب احتجاجات عام 2011، بل حتى الآثار المعروضة في مختلف متاحف العالم والتي تعود لدول عربية عدة وكانت قد سرقت خلال فترات الاستعمار منذ أكثر من قرن.

ولدى مصر وحدها ملايين القطع الأثرية المنهوبة والتي تتواجد في مختلف متاحف العالم، حسبما أفادت عالمة الآثار المصرية، مونيكا حنا، في حديثها لموقع قناة "الحرة".

جانب من الآثار المستردة في نيجيريا

حملة في مصر

وفي هذا السياق، أطلقت العالمة حنا حملة "شعبية" في بلادها لاستعادة الآثار المصرية المنهوبة، مؤكدة أنها بصدد إجراء "بحث علمي" يحصي تلك القطع ويقدم تفاصيل إضافية عنها لتقديمه للسلطات المصرية.

وتقول حنا: "نحن نعد بحث علمي في دار الوثائق الحكومية لتوثيق التاريخ والتفاصيل الأخرى لإعداد ملف حتى تتمكن الأجهزة الحكومية من اتخاذ إجراء قانوني".

وأضافت: "إلى الآن نحن في البداية ... الوعي الشعبي هو الفارق ... عندما يكون الوعي الشعبي موجودا تتدخل الحكومة".

وترى أن مصر يجب أن تستغل "الزخم" الحالي باسترداد التراث لأجل تحقيق هذا الهدف، مضيفة أن السر وراء إطلاق الحملة في الوقت الحالي يعود لاستثمار مناسبة مرور 200 سنة على فك رموز حجر الرشيد ومرور 100 سنة على اكتشاف رأس نفرتيتي.

في مارس الماضي، وجه القضاء الفرنسي تهم "الاحتيال ضمن عصابة منظمة وتشكيل عصابة إجرامية وتبييض أموال ضمن عصابة منظمة" إلى لبناني ألماني يملك معرضا في مدينة هامبورغ في الأربعينيات من عمره في قضية الاتجار بآثار منهوبة من دول في الشرق الأوسط خلال الربيع العربي ولا سيما مصر.

وسبق أن وجهت التهم نفسها في 26 يونيو 2020 إلى خبير فرنسي بآثار المتوسط، كريستو كونيكي وإلى زوجه ريشار سمبير بعد انتهاء فترة حبسهما على ذمة التحقيق ثم أخلي سبيلهما مع مراقبة قضائية.

ويشتبه في أن المتهمين وهما من الشخصيات المحترمة في أوساط الآثار في العاصمة الفرنسية قاما بـ"غسل" قطع أثرية منهوبة في دول عدة شهدت عدم استقرار سياسيا منذ 2010 والربيع العربي خصوصا مصر فضلا عن ليبيا واليمن وسوريا.

تطالب بمصر مرارا باستعادة تمثال نفرتيتي من ألمانيا

العمل "ليل نهار"

من جانبه، يرى مدير معهد العراقي لصيانة الآثار والتراث في أربيل نقيب الأثريين بإقليم كردستان العراق، عبدالله خورشيد، أن الزخم المتزايد لاسترداد الآثار المنهوبة يعود لتحسن الوضع الأمني في كثير من الدول العربية.

وقال خورشيد لموقع "الحرة" إن "الظروف الأمنية الآن أفضل من السابق وتعمل دوائر الآثار (الحكومية) بجد من أجل استرداد هذه القطع" الأثرية.

وأضاف أن السلطات العراقية تعمل "ليل نهار لاستعادة الآثار العراقية بالتعاون مع السفارات الأجنبية في بغداد، مشيرا إلى أن المطالبات الشعبية بإعادة هذه الكنوز أيضا موجودة.

ومؤخرا، وجه مدعون عامون في الولايات المتحدة تهما لرجل لبناني يدعى، جورج لطفي، 81 عاما، بالتورط في حيازة وتهريب آثار مسروقة منذ عقود. لكن لطفي ينفي تلك التهم بعد صدور مذكرة توقيف بحقه.

وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن التهم الموجهة للطفي هي جزء من حملة أكبر من قبل مكتب المدعي العام في مانهاتن لإعادة الآثار إلى البلدان التي تم نهبها منها. ومنذ حوالي عقد من الزمان، بدأ مكتب المدعي العام جنبا إلى جنب مع وزارة الأمن الداخلي، التحقيق بجدية في أماكن وجود الآثار المنهوبة، مدعين النجاح في إدانة 12 مهربا ومصادرة أكثر من 4300 قطعة أثرية.

إلى ذلك، يعتقد خورشيد أن "الدول العربية حالها حال العراق هربت منها الكثير من الآثار"، لا سيما سوريا واليمن وليبيا، لكنه أشار إلى أن دول أخرى ساعدت بغداد في استرداد آثارها مثل الأردن ودول خليجية.

بدورها، تعتقد حنا أن دول عربية عدة تملك أيضا آثارا مسروقة تتواجد حاليا في دول غربية لكنها قالت إنهم لا ينسقون حاليا مع أي دولة في إطار حملتها الجديدة.

وتابعت: "كل الدول العربية لديها قطع مسروقة ... إلى الآن لا يوجد تنسيق، ولكن نحن نحاول (أولا) إظهار نتائج البحث العلمي في غضون سنتين".

ويعد تمثال رأس نفرتيتي من أبرز القطع التي تطالب حنا بإعادتها لمصر وهي قطعة أثرية ثمينة للغاية معروضة حاليا في متحف برلين وسبق للقاهرة مرارا المطالبة بها منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن دون جدوى.

في يناير 2011، رفضت مؤسسة التراث البروسي الثقافي، وهي جهة حكومية تشرف على جميع المتاحف الألمانية، طلبا مصريا لاستعادة تمثال رأس الملكة نفرتيتي الذي يجتذب أكثر من مليون زائر سنويا.

وكان أثريون ألمان برئاسة، لودفيج بورخارت، عثروا في السادس من ديسمبر عام 1912 على التمثال الذي يعود إلى نحو 3400 عام بمنطقة تل العمارنة بمحافظة المنيا موقع مدينة أخيتاتون التي أنشأها الملك اخناتون زوج نفرتيتي عاصمة لمصر بعد توليه الحكم في عهد الأسرة الثامنة عشرة ونقل التمثال في العام التالي الى ألمانيا، بحسب وكالة رويترز.

آثار عراقية مستردة من أميركا عام 2015

آثار العراق في كل متحف بالعالم

أما في العراق، لم يقتصر الأمر على سرقة الآثار بعد الفوضى التي عمت البلاد في أعقاب التدخل الأميركي عام 2003، بل أن البلد تعرض لعمليات نهب قبل وبعد الحرب العالمية الأولى، حسبما يقول خورشيد.

وتابع: "العراق تعرض لتهريب آثار منذ الحرب العالمية الأولى بطرق رسمية وأخرى بشكل غير قانوني سواء من عمليات النبش العشوائي أو اتفاقيات سابقة مع الدولة العثمانية بإخراج تلك القطع".

وحول عدد القطع المسروقة من العراق، يضيف خورشيد: "لا يمكن الجزم بأعدادها. الكثير منها غير مسجلة بعد أن خرجت من باطن الأرض إلى أيدي المهربين ومن ثم للمتاحف. القطع التي هربت وسرقت من المتحف العراقي سجلت في قوائم تتبادل فيها الهيئة العامة للآثار والتراث مع الدول المعنية لاسترجاعها".

وتعرضت المواقع الأثرية في عموم العراق إلى تدمير وسرقة وإهمال كبير، خلال الحروب التي مرت بالبلاد خلال السنوات الماضية، خصوصا في المرحلة التي أعقبت تدخل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لإسقاط نظام صدام حسين العام 2003.

وسرقت من متحف بغداد وحده نحو 15 ألف قطعة أثرية، و32 ألف قطعة من 12 ألف موقع أثري بعد عام 2003، بحسب فرانس برس. كما دمّر تنظيم داعش الذي سيطر على ثلث مساحة البلاد في يونيو 2014، الكثير من المواقع الأثرية غالبيتها في شمال العراق. 

وأشار خورشيد إلى أن التنظيم المسلح دمر الكثير من الآثار وسرق عناصره القطع الثمينة لبيعها بهدف تمويل أنشطتهم.

وقال إن "كل متحف من متاحف العالم لابد أن تتواجد فيه قطع عراقية معروضة أو محفوظة قد يتم عرضها بعد عشرات السنين". 

السعودية وإيران

ثلاثة أحداث في شهر أبريل الحالي يبدو أنها ستكون ممهدة لزيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المقررة إلى السعودية في منتصف شهر مايو المقبل.

الحدث الأول هو بدء المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول برنامج إيران النووي، وهذه المفاوضات مستمرة لجولات مقبلة.

الحدث الثاني هو زيارة وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، إلى السعودية الأحد الماضي، وإعلانه التوصل إلى اتفاق مبدئي للتعاون في تطوير الصناعة النووية المدنية في المملكة.

ويتمثل الحدث الثالث في زيارة وزير الدفاع السعودي إلى إيران اليوم الخميس ولقائه بالمرشد الأعلى علي خامنئي، حاملا رسالة من الملك السعودي.

خامنئي قال في منشور على منصة أكس إن وزير الدفاع السعودي سلمه رسالة من ملك السعودية، وأضاف في منشور أن "العلاقات بين إيران والسعودية مفيدة للبلدين".

تتصل هذه المحطات الثلاث ببعضها البعض عبر خيط رفيع، وتشكل مقدمة لقراءة ما ستؤول إليه المنطقة في ظل المباحثات النووية مع إيران.

في ورقة بحثية نشرها الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، يربط سايمون هندرسون، بين زيارة وزير الطاقة الأميركي إلى السعودية وإبرامه اتفاقاً مبدئيا حول البرنامج النووي السعودي، وبين المفاوضات الأميركية الإيرانية التي تسابق الحل العسكري الذي لوح به الرئيس ترامب في حال فشل المفاوضات.

هندرسون يرى في ورقته أنه مع استمرار المفاوضات "يبقى دعم الولايات المتحدة لأي عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران معلقاً بشكل أساسي"، بمعنى أن واشنطن تمانع من أن تقوم إسرائيل بأي ضربة عسكرية أحادية للبرنامج النووي الإيراني في الوقت الراهن مع استمرار المفاوضات.

ويشير هندرسون إلى "انخراط حلفاء واشنطن من دول الخليج العربية بشكل أكبر مع طهران في الأشهر الأخيرة ويبدو أنهم مترددون في دعم الضربات العسكرية ضد البرنامج النووي".

وهذا ما قد يفسر ربما زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران في هذا التوقيت وقد يعطي فكرة عن محتوى الرسالة التي حملها من الملك إلى المرشد.

اندرسون يشرح في مقابلة خاصة مع موقع "الحرة" اعتقاده بأن التحرك الأميركي "النووي" تجاه السعودية قد يكون مزيجاً من الاهتمام بموضوع الطاقة ومن رسائل استراتيجية موجهة لإيران.

ويتابع اندرسون: "يتجلى شكي في هذا الموضوع داخل الإدارة هنا في واشنطن، حيث يبدو أنهم غير متأكدين من كيفية التعامل معه أيضاَ. ومع ذلك، سيكون من المفيد دبلوماسياً، أثناء التفاوض مع إيران، أن يشعر الجميع بأن واشنطن تهتم بأكثر من مجرد اتخاذ موقف صارم تجاهها (إيران). خاصةً أن المملكة العربية السعودية تسير في نفس الاتجاه، ولكن دون كل هذا الضجيج".

وبحسب اندرسون، فإن إدارة ترامب تركّز على المستويين المحلي والدولي، على إظهار القوة، وليس فقط التركيز على ملف الطاقة النووية.

ويضيف: "يأتي ذلك في توقيت يسبق بحوالي شهر الزيارة المرتقبة للرئيس ترامب إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية وقطر والإمارات. من المؤكد أن هناك علاقة بين الأمرين. لكن من يدري؟ دعونا ننتظر لنرى كيف ستتطور الأحداث".