القصف استهدف مبنى الدعم اللوجيستي للحشد الشعبي . أرشيفية
جدل حول دور الحشد الشعبي بعد اعتقالات نفذها في عدد من المدن العراقية. | Source: @teamsmediawar

أثارت حملات الاعتقال التي ينفذها الحشد الشعبي في عدة محافظات عراقية، مخاوف من تحول القوة التي ساهمت في هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، إلى مؤسسة قمعية تنشط خارج أطر الدولة ومؤسساتها القانونية والقضائية.

والخميس، قالت الهيئة أنها اعتقلت 44 شخصا وصفتهم بأنهم "من الجماعات المنحرفة دينيا" في سبع محافظات عراقية في الوسط والجنوب، وفق ما نقلت وكالة الأنباء العراقية.

وفي الثامن من الشهر الجاري، أعلنت "إحباط مخطط"، قالت إن "حزب البعث المحظور يقوده ضد أمن بلدنا وزيارة الأربعين في أربع محافظات" هي كربلاء والديوانية وبابل والمثنى.

وفاة أحد المعتقلين لدى الحشد، وهو شيخ عشيرة معروف في محافظة الديوانية جنوبي العراق، بعد أيام من إطلاق سراحه، أعادت الحديث حول "تمدد" الحشد سياسيا وأمنيا و"تجاوزاته" لدوره المحدد في قانون تشكيله، وفق نواب ومراقبين.

"القانون 40 تحدث عن الحشد كتشكيل عسكري ضمن القوات المسلحة العراقية، مرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. وينص القانون على أن هذا التشكيل ومنتسبيه يخضعون للقوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي"، يقول الكاتب المحلل السياسي، عقيل عباس، مضيفا، "ولا يمكن لتشكيل عسكري أن يذهب ويعتقل مدنيين".

رئيس مركز "ألوان" للدراسات الإستراتيجية، حيدر البرزنجي، يشير، من جهته، إلى أن ممارسات الحشد الشعبي لا تتجاوز "الصلاحيات الممنوحة له في القانون" وأن الاعتقالات التي نفذها كانت "ضمن إجراءات أصولية، وعمليات الاعتقال والتحقيق تمت بموجب أوامر من قاضي التحقيق".

تجاوز الصلاحيات

واعتبر نائبان في البرلمان العراقي، تحدثا لموقع "الحرة"، أن هيئة الحشد الشعبي تتجاوز صلاحيايتها بممارسة الملاحقات والتحقيق مع العراقيين، في الوقت الذي يجب أن ينحصر دورها في محاربة الإرهاب.

وقالت النائبة عن محافظة الديوانية، نور نافع، إن ما تقوم به قوات الحشد الشعبي داخل المحافظة يرقى لمستوى "التجاوزات على دور المؤسسة الأمنية".

وأوضحت النائبة أن "تجاوزات الحشد تطال المواطنين العراقيين، وسط عدم وجود أي دور للأجهزة الأمنية الأخرى في وقف هذه التجاوزات".

ووصف المحلل السياسي كامل الحساني أنشطة الحشد في المحافظات الجنوبية والغربية بأنها "مشكلة كبيرة" تعيد إلى الأذهان "ممارسات قاضي الأمن أيام النظام السابق، والتي لم يكن لها أصل ولا نص في قانون العقوبات ولا في قانون المحاكمات الجزائية ولا في قانون التنظيم القضائي، الصادر سنة 1979".

واعتذر مسؤول في الحشد الشعبي عن الإجابة على استفسارات "الحرة" حول الموضوع، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق بـ"تحقيقات لا تزال جارية"، وخلال الفترة المقبلة قد تصدر بيانات توضيحية، بحسب قوله.

جهاز "استخبارات" الحشد

ويشير حيدر البرزنجي إلى أن اعتقال الحشد الشعبي لمجموعة أشخاص جاء بعد معلومات وصلت لجهاز الاستخبارات التابع له. و"بعد إجراءات أصولية تمت عمليات الاعتقال والتحقيق".

في المقابل، يؤكد النائب المستقل، سجاد سالم، أن "هيئة الحشد الشعبي لا تعتبر سلطة تحقيق وفقا للقوانين العراقية، خاصة قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016".

ويوضح عقيل عباس بـ"أنهم (أي الحشد) شكلوا هيئة استخبارات الحشد ولا يوجد قانون يشير إلى أن للحشد هيئة استخبارات ويكون لها قاض، هذه كلها لا نصوص قانونية عليها، وإنما هذه حدثت بسبب أمر ديواني صدر، ولكن الأمر الديواني ينبغي ألا يناقض قانونا".

وتابع أن "القوات المسلحة لا علاقة لها باعتقال مدنيين أو إصدار أوامر باعتقالهم. مهمة قاضي الحشد هي محاسبة منتسبي الحشد، لا أن يذهب ويشكل استخبارات ويعتقل مدنيين على أساس تهمة سياسية. هذا ليس جزءا من عمل الحشد".

لكن المحلل السياسي عدنان السراج، وهو رئيس المركز العراقي للتنمية الإعلامية، يقول إن للهيئة يتبع لها جهاز "الأمن الوطني، أو ما يمكن تسميته بجهاز الاستخبارات الداخلي والخارجي، ولديه صلاحيات بمتابعة أي عناصر مخلة بالأمن". ويشير إلى أن قضاة الهيئة "يرتبطون بمحكمة مجلس القضاء الأعلى، ولديها محاكم تحقيقات من أجل القضايا العاجلة".

والخميس توفي إقبال دوحان، شيخ عشائر مرمض في محافظة الديوانية إثر تفاقم حالته الصحية بعد أيام على إطلاق الحشد الشعبي سراحه، وظهر في مقاطع فيديو على سرير مستشفى وعليه آثار تعذيب.

ويشدد رئيس مركز "ألوان" للدراسات الإستراتيجية، حيدر البرزنجي على ضرورة عدم الاستعجال في ما يتعلق بأسباب وفاة الشيخ دوحان، وقال إن "هناك تقارير طبية أولية بأن الوفاة لا علاقة لها بظروف الاعتقال، وأن هذا الشخص كان يعاني من عدة أمراض".

وأصبحت قوات الحشد الشعبي جزءا من القوات العراقية رسميا عام 2016، وكان لها دور أساسي في مواجهة تنظيم داعش إبان اجتياحه عدة محافظات عراقية شمالي البلاد وغربيها، لكن نشاطات الحشد السياسية والأمنية أصبحت مثار جدل منذ تمكنت القوات العراقية بدعم دولي من استعادة السيطرة عل المناطق التي كان يحتلها مسلحو داعش.

من مؤسسة "عسكرية إلى سياسية"

ويعتقد عقيل عباس أن "المشكلة بدأت منذ بدأ الحشد يتمدد من مؤسسة عسكرية إلى مؤسسة سياسية. رئيس الحشد هو يقود قائمة سياسية وممثلة في البرلمان. زعماء الحشد يرأسون منظمات سياسية، ويعطون تصريحات سياسية ويهددون رئيس الوزراء الذي هو القائد العام للقوات المسلحة".

ويضيف أن تلك "من الأسباب الرئيسية التي جعلت حشد العتبات التابع للمرجعية ينفصل عن هذا الحشد الذي أصبح سياسيا يتدخل بالسياسية ويقوم باعتقال مواطنين مدنيين".

وطالب النائب سجاد سالم، في حديث مع موقع "الحرة"، الأجهزة الأمنية بفرض سيطرتها داخل المحافظات.  وفي تغريدة عبر تويتر دعا سالم القائد العام للقوات المسلحة، مصطفى الكاظمي إلى "عزل فالح الفياض (رئيس هيئة الحشد الشعبي) لخرقه القانون وعدم استقلاليته واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه".

وكشفت النائبة نور نافع أنها تجري حملة "لجمع التواقيع من النواب لتشكيل لجنة تحقق بتجاوزات ممارسات الحشد الشعبي في المحافظات العراقية".

وشكك البرزنجي بدوافع المطالبة بـ"تحجيم دور الحشد الشعبي وحصره بالإرهاب"، وكرر قوله إن "صلاحياته منصوص عليها في القانون الذي أقر في 2016". وقال إن الحشد يقوم بدوره في الوقت الذي تتقاعس فيه العديد من الأجهزة الأمنية عن القيام بدورها لأسباب عديدة".

ويضم الحشد فصائل مسلحة منها فصائل موالية لإيران، كانت موجودة قبل فتوى الجهاد التي أطلقها في حزيران 2014 المرجع الأعلى السيد علي السيستاني لمحاربة داعش، وشُكلت بموجبها فصائل من المتطوعين تعرف بـ"حشد العتبات المقدسة"، التي "أعلنت في نيسان 2020 انفصالها عن الحشد الشعبي".

ويقدر عدد مقاتلي الحشد الشعبي، بحسب البرلمان العراقي، بـ110 آلاف، بينما يتراوح، بحسب خبراء، بين 60 الفا و140 ألفا، وفق تقديرات تعود لعام 2017.

المحلل السياسي، كامل الحساني قال إن "الغاية من صدور قانون الحشد المساهمة في مكافحة الإرهاب. وتمدد الحشد إلى المحافظات الجنوبية وقيامه بمهمات لم ينص عليها القانون يعتبر خرقا للقانون، وحتى قانون الحشد يتضمن خرقا للدستور، ولكن تم إصداره في خضم محاربة الإرهاب، وسكوت أطراف على تمرير القانون".

ويؤكد خبير قانوني عراقي لموقع "الحرة"، فضل عدم ذكر اسمه، أن "الحشد الشعبي، يمارس أدوارا عديدة يتجاوز فيها الصلاحيات الممنوحة له بالقانون 40".

وأضاف أن القانون الخاص لعام 2016 يقول إن الحشد "أحد تشكيلات القوات المسلحة، وينطبق عليه القوانين العسكرية"، ولكن الحشد ليس من أعضاء "الضابطة القضائية".

ويوضح أن أعضاء الضابطة القضائية الذين يتبعون وزارة الداخلية هم من لديهم صلاحيات تنفيذ القبض والاعتقالات والتحقيق، والتي تتم بموجب "أوامر قبض".

وذكر أنه، في ما يتعلق بوفاة شيخ العشيرة إقبال دوحان، يجب التأكد مما إذا كان الاعتقال وفقا للأصوال القضائية، وإذا لم يكن يجب تطبيق قانون العقوبات في ما يتعلق بالخطف والتعذيب المفضي للموت، وهو ما يجب أن تكشفه التحقيقات.

"مؤسسة قمعية"

وأبدى المحلل السياسي، كامل الحساني مخاوف من تحول الحشد الشعبي إلى مؤسسة قمعية، وقال إن "الدولة الآن هي رهينة للحشود المنضبطة وغير المنضبطة".

وقال عقيل عباس إن اتهام الحشد بممارسة دور قمعي له ما يبرره "منذ احتجاجات تشرين 2019 وسقوط محتجي تشرين. وهذه السلوكيات الأخيرة تعطي مصداقية لهذه التهمة. وحتى في المنطقة الخضراء في بغداد، قُتل محتجون سلميون قبل اندلاع الاشتباكات. وخرج رئيس الوزراء وهدد بالاستقالة بسبب ما سماه "صراع اللادولة"، وهذا إعلان بأن عمليات القتل لم تتم بأوامر منه".

وفي نهاية أغسطس، وقعت مواجهات مسلحة في المنطقة الخضراء المحصنة بين مؤيدين لمقتدى الصدر من جهة والجيش وفصائل في الحشد الشعبي من جهة أخرى، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والمصابين في صفوف أنصار التيار الصدري، وفق تقرير لوكالة فرانس برس.

وأشار تحليل لمجلة "فورين بوليسي" إلى أن العنف الذي شهده العراق في نحو أسبوعين، على عكس الاحتجاجات الشعبية في عام 2019، التي ولدت من رحم الإحباط الناجم عن الفساد السياسي، نجم مباشرة عن النفوذ الإيراني في البلاد التي باتت على شفا حرب أهلية شيعية، وفق التحليل. 

بوتين يزعم أنه يريد إعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي. أرشيفية
بوتين يزعم أنه يريد إعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي. أرشيفية

ربما كان من باب الصدفة أو اختيار تم بدقة متناهية، مرور عامين على الحرب الأوكرانية، السبت، صادف أيضا 80 عاما على يوم نفي الشيشان، ليكشف أن انتهاكات الماضي البعيد يعاد تكرارها حاليا مع اختلاف التفاصيل.

وأتمت الحرب الأوكرانية عامها الثاني، في 23 فبراير الحالي، إذ كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أعلن عما أسماه "عملية عسكرية خاصة" في فجر 24 فبراير من عام 2022 والتي أسفرت عن مقتل الآلاف، وتهجير الملايين من المواطنين الأوكرانيين داخل البلاد وخارجها.

وبالعودة في الزمن إلى الوراء، وبالتحديد 80 عاما، أصدر زعيم الاتحاد السوفيتي حينها، جوزيف ستالين، أوامر في الـ 23 من فبراير من عام 1944، بترحيل مئات الآلاف من سكان الشيشان والأنغوش، حيث تشير المعلومات التاريخية إلى أنه تم منح السكان نحو 30 دقيقة لجمع حاجياتهم، ليتم ترحيلهم في شاحنات وقطارات خاصة إلى مستوطنات بعيدة في سيبيريا الباردة، أسفرت عن مقتل الآلاف منهم في الطريق يوميا.

ما تتعرض له أوكرانيا من ممارسات مع وجود فارق زمني، لا يختلف كثيرا عن ذكريات ترحيل شعوب وإثنيات عاشت في كنف الاتحاد السوفيتي وروسيا القيصيرية، وفق ما يراه خبراء. 

تقاطعات تاريخية

صورة أرشيفية لإمدادات تموين متجهة لجيش الاتحاد السوفيتي عام 1944

ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا أشارت تحليلات نشرتها وسائل إعلام إلى أن الرئيس الروسي، بوتين اعتمد بشكل كبير على إرث الزعيم السوفيتي، ستالين الذي قام بتهجير الشيشان وغيرهم من الإثنيات خلال الأربعينيات 1944.

مراد بطل الشيشاني، خبير متخصص في شؤون القوقاز، يرى أنه توجد "مجموعة من التطابقات بين نفي الشيشان عام 1944 وما يحدث في أوكرانيا حاليا"، ناهيك عن وجود "تقاطعات تاريخية بين شعوب بما كان يعرف الاتحاد السوفيتي السابق".

وقال في حديث لموقع "الحرة" إن "بوتين يريد أن يظهر كرئيس قوي ومسيطر" شأنه شأن "ستالين الذي يشكل مثالا له"، لافتا إلى أن "تدخله وتوغله في الدونباس كان بسبب سياسات ستالين، وهو ما يتطابق مع الحالة الشيشانية فيما يرتبط بالتهجير، وإعادة رسم الحدود، ونشر قيم الاتحاد السوفيتي السابقة".

وينقل الشيشاني وهو مدير مجموعة "ريماركس" لتحليل العنف السياسي عما تتذكره والدة صديقه الأوكراني "إذ أنها كانت من بين الناس الذين أرسلوا في عام 1944 إلى الشيشان ليحلوا مكان السكان الذين تم تهجيرهم، حيث تصف ما شاهدته بحرقة، وكيف أن بعض هذه المنازل كانت نيران الطبخ والتدفئة لا تزال موقدة حين وصولهم".

ويشير تقرير لوكالة فرانس برس إلى أن الاتحاد السوفيتي سجّل أكبر خسائر بشرية في الحرب العالمية الثانية في معركته ضد النازية، لكن القمع في الاتحاد السوفيتي نفسه أدى إلى خسائر جسيمة.

منذ 1941-1942، قرر ستالين وقائيا تهجير أفراد الأقليات الإثنية الذين يشتبه بأنهم "متعاونون محتملون"، بدءا بألمان روسيا الذين تم نقل 800 ألف منهم كانوا يعيشون على نهر الفولغا، بمقطورات مخصصة للماشية، إلى كازاخستان. وقد تلاهم الفنلنديون واليونانيون وغيرهم.

صورة أرشيفية لجيش الاتحاد السوفيتي في أواخر الحرب العالمية الثانية

وفي 1943-1944 وبعدما تصدى للجيش الألماني، قام بتهجير عشرات من الشعوب الأخرى خاصة الشيشان والأنغوش وتتار القرم إلى سهوب كازاخستان وقرغيزستان القاسية وإلى سيبيريا.

وخلال أشهر، نقل حوالي 1.2 مليون شخص إلى الطرف الآخر للبلاد بدون وسائل عيش.

وكان ستالين يتحدث عن سبعة ملايين سوفيتي قتلوا خلال النزاع بين الاتحاد السوفيتي والنازيين، ولكن بعد وفاته تبين أن الحصيلة قاربت الـ27 مليون نسمة، بينهم قرابة 15 مليون مدني، ناهيك عن وفاة مليون شخص في المجاعة خلال حصار ستالينغراد.

وفي دراسة نشرها مركز أبحاث "جيمس تاون" في عام 1970 وصف فيها "الترحيل الشيشاني" بـ"المحرقة الشيشانية".

وتشير إلى أن أعباء الحرب العالمية الثانية كانت قاسية على الشعب الشيشاني، إذ تم تصويره في أوساط الاتحاد السوفيتي باعتباره "العدو" ونشرت عنهم الأكاذيب المتعمدة.

وكان الشيشان وهم مجموعة إثنية صغيرة تعيش في السفوح الشمالية لمنطقة القوقاز، تم نفيهم في فبراير من 1944 من أراضيهم وترحيلهم إلى سيبيريا والمناطق الشمالية من كازخستان.

ستالين أمر بترحيل أكثر من مليون شخصا من الأقليات التي تعيش في الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية. أرشيفية

الشيشان اتهمهم ستالين بأنهم تعاونوا مع النازيين رغم أنه لم يكونوا على تواصل أبدا معهم، وهو الأمر ذاته الذي كرره بوتين حين زعم أنه يريد التخلص مما يسميه "النازية الجديدة" في أوكرانيا.

تشير الأرقام إلى أنه تم تحميل ما يقرب من 400 ألف رجل وامرأة وطفل في عربات الماشية وشحنهم إلى مناطق مختلفة، ولم يُسمَح لهم سوى الحصول على حصص طعام قليلة جدا تكفي لمدة ثلاثة أيام رغم أن طريقهم يحتاج لأسابيع للوصول إلى وجهتهم بحسب الدراسة.

وخلال الطريق حيث كانت درجات الحرارة متدنية بدأ الموت بحصد الأضعف من كبار السن والأطفال، ليموت الآلاف منهم على الطريق، وتشير "منظمة جيمس تاون" إلى أنه "وفقا للأرقام السوفيتية الرسمية، فقد هلك ما يقرب من ثلث الشعب الشيشاني خلال الثلاثة عشر عاما التي قضاها في المنفى".

صورة من فيلم "أمر بالنسيان" يعيد التذكير بعمليات الترحيل الجماعي للشيشان ويصور "مذبحة خيباخ". أرشيفية

وفي عام 2004 أقر البرلمان الأوروبي أن ترحيل الشعب الشيشاني إلى آسيا الوسطى بناء على أوامر ستالين يعتبر "عملا من أعمال الإبادة الجماعية".

وأعاد تقرير نشرته صحيفة "ذا موسكو تايمز" التذكير بتفاصيل مؤلمة من عملية الترحيل للشعب الشيشاني قبل ثمانية عقود، إذ كان من يرفض الرحيل "يقتل على الفور"، وفي بعض القرى تم "إحراق الحظائر" التي كان يختبئ بها البعض.

وعرفت عملية الترحيل عسكريا للسوفييت حينها باسم "تشيشيفيتسا" أو "لينتال" و"أرداخ"، حيث لم يسمح للمنفيين عن ديارهم العودة إلا بعد 1957، وحتى بعدما عادوا لم يتم إرجاعهم إلى جميع المناطق التي كانوا يسكنون بها سابقا، بحسب الصحيفة.

وفي كل عام في هذه الأيام يحاول الناس في إنغوشيا والشيشان وداغستان إحياء ذكرى النفي والترحيل، حيث تقام فعاليات صامتة لإحياء الذكرى، والتي تراجعَ إحياؤها في السنوات الأخيرة بسبب التقارب بشكل أكبر بين قيادة الشيشان وبوتين.

وحتى اليوم لا تزال بعض العائلات الشيشانية تطالب بإعادة منازلها التي تمت مصادرتها أثناء الترحيل، حيث تم إحلال آخرين مكانهم.

ويعيد التقرير التذكير بأنه رغم أن الدروس المستفادة من ترحيل الشيشان والأنغوش قبل 80 عاما تتلخص في "عدم تكرار ارتكاب التطهير العرقي والتوقف عن ارتكاب أعمال العنف ضد المدنيين" إلا أنه من الواضح أن هذه الدروس ضاعت عن أذهان قادة روسيا حيث كرروا استراتيجياتهم في محود مدن بحالها، أكان في الشيشان ذاتها بقصف غروزني أو بتدمير مدن في سوريا والآن تكثف موسكو هجماتها على أوكرانيا.

ويصور فيلم "أمر بالنسيان" ذكريات عمليات الترحيل الجماعي للشيشان ويصور "مذبحة خيباخ" حيث ارتكبت جرائم حرب مروعة، من إخراج حسين إركينوف، كتابة رسلان كوكوناييف.

ممارسات متشابهة

لاجئون أوكرانيون يغادرون كييف. أرشيفية

تتبع روسيا في سلوكياتها في أوكرانيا ممارسات توصف بأنها غير إنسانية، أكان بقمع واعتقال وتطهير بعض المدن أو حتى بسرقة الأطفال الأوكرانيين ونقلهم إلى روسيا، تذكر بممارسات الاتحاد السوفيتي في الشيشان والإثنيات الأخرى.

ويصف الشيشاني ممارسات موسكو غير الإنسانية بأنها "تحاكى إلى حد كبير ما تعرضت له الشعوب التي عاشت تحت سيطرة روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي، والآن تحت سيطرة روسيا الحديثة".

ويشرح الشيشاني أن "الظرف المكاني والزماني فيما يحصل الآن يختلف بشكل كبير عما حصل سابقا في الأربعينيات حيث ترافقت مع مجاعة تسبب فيها ستالين في أوكرانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، والآن الأمور أصبحت أكثر وضوحا إذ يضع القانون الدولي حدودا واضحة لما يسمى بـ(التهجير والإبادة الجماعية)، حيث تشترك جميع هذه الشعوب بأنها قد تعرضت للتهجير من مكان إلى آخر مجبرين".

ويستطرد بالقول إنه رغم الاختلافات في بعض التفاصيل أو الأسباب "ولكن الاستراتيجيات التي تتبعها روسيا واحدة، في الحالة الشيشانية في الأربعينيات كانت محاولة لتفريغ الأرض من سكانها وإحلال آخرين مكانهم، والآن تريد موسكو السيطرة على أوكرانيا واحتلالها وتطويعها"، معيدا التذكير بالمجاعة التي تسببت فيها موسكو في أوكرانيا في ثلاثينيات القرن الماضي.

وهذه المجاعة الكبرى كانت دائما محور خلاف بين روسيا وأوكرانيا.

اللاجئون الأوكرانيون

وتعتبر كييف الـ"هولودومور" وتعني بالأوكرانية "الموت جوعا" التي حدثت في 1932 و1933 إبادة جماعية متعمدة ارتكبها نظام ستالين بهدف القضاء على الفلاحين، حيث استولى على الحبوب والمواد الغذائية الأخرى ما أدى إلى تجويع الملايين.

وأقر البرلمان الألماني في أواخر 2022 بأن المجاعة التي تعرضت لها أوكرانيا في الثلاثينيات تعد "إبادة جماعية".

وأجج النزاع الحالي في أوكرانيا المخاوف من أن التاريخ قد يعيد ذاته، حيث أدى استهداف روسيا لمنشآت تخزين الحبوب وحصارها على صادرات أوكرانيا من البحر الأسود إلى اتهام موسكو باستخدام الغذاء سلاحا في الحرب.

ولم تعلن روسيا أو أوكرانيا عن أعداد القتلى والجرحى العسكريين، فيما تؤكد كل جهة إلحاقها خسائر فادحة بالجهة الأخرى.

في أغسطس 2023 نقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين أميركيين قولهم إن أوكرانيا خسرت 70 ألف قتيل و120 ألف جريح من العسكريين.

اللاجئون الأوكرانيون يفرون من دونباس مع تقدم القوات الروسية

في يونيو 2023، قالت السلطات الأوكرانية إنها تمكنت فقط من إحصاء 10368 مدنيا تم العثور على جثثهم.

وقال كبير مستشاري مدير مكتب الرئاسة الأوكرانية أوليغ غافريتش حينها "الأرجح بتقديرنا أن الرقم الفعلي أعلى بخمس مرات من هذا الرقم، وبالتالي حوالي 50 ألف" ضحية.

وتقدر السلطات الأوكرانية أن يكون حصار مدينة ماريوبول بجنوب أوكرانيا من فبراير حتى مايو 2022 والتي أصبحت اليوم تحت السيطرة الروسية، خلف وحده ما لا يقل عن 25 ألف قتيل دفنوا في مقابر جماعية.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الخميس إنها وثقت خلال العامين الماضيين "تعذيبا واسع النطاق وسوء معاملة واعتقال تعسّفي للمدنيين على أيدي القوات المسلحة الروسية".

وأضافت "تم توثيق عمليات إعدام بإجراءات موجزة وحالات إخفاء قسري وقمع للحق في حرية التعبير والتجمع في الأراضي المحتلة".

القوات الروسية تستهدف المدارس بالمدافع الثقيلة

وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في تصريحات إن "الكلفة البشرية للغزو الشامل لأوكرانيا من قبل روسيا الاتحادية كانت مروعة، إذ أدى إلى معاناة هائلة بالنسبة لملايين المدنيين".

ولفت إلى أن ملايين الأوكرانيين أجبروا على النزوح وخسر الآلاف منازلهم فيما تضررت مئات المستشفيات والمدارس أو دمرت.

وقالت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا في تقريرها الأخير إنها تمكنت من التأكد من مقتل 10582 مدنيا بينهم 587 طفلا وإصابة 19875 آخرين بينهم 1289 طفلا بسبب النزاع الدائر منذ 24 فبراير 2022.

أطفال أوكرانيون "سرقتهم روسيا".. وعائدون منهم يروون قصص المعاناة
"كنا نبكي، لم أستطع أن أصدق أنهم أخذوني بعيدا"، يقول ساشا، الصبي الأوكراني البالغ من العمر 13 عاما، في روايته لقصة فصله قسراً عن والديه من قبل السلطات الروسية في المراحل الأولى للاجتياح الروسي لأوكرانيا، حيث اعتقلت والدته ولم يرها أو يسمع عنها منذ 20 شهرًا.

ورجحت البعثة أن "تكون الأعداد الفعلية أعلى بكثير"، و60 في المئة من الضحايا المدنيين البالغين هم من الرجال.

وأشار التقرير إلى أن نحو 91 في المئة من الضحايا المدنيين قتلوا بأسلحة متفجرة ذات آثار واسعة النطاق مثل القصف والصواريخ والغارات الجوية، مرجحا أن تكون القوات المسلحة الروسية قد أطلقت غالبيتها.

وقالت منظمة الهجرة الدولية الخميس إن أكثر من 14 مليون شخص فروا من منازلهم في أوكرانيا منذ بدء الغزو بينهم زهاء 6.5 مليون أصبحوا يعيشون خارج البلد كلاجئين.

لاجئون أوكرانيون يصلون بالقطار إلى برلين. أرشيفية

وتتهم أوكرانيا السلطات الروسية بنقل 20 ألف طفل قسرا إلى روسيا منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، وقد وصف الرئيس فولوديمير زيلينسكي الأمر بأنه "إبادة"، لكن روسيا تنفي هذه التهمة.

وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 2023 الماضي مذكرة توقيف في حق بوتين والمفوضة الروسية لشؤون الأطفال ماريا لفوفا بيلوفا بتهمة ارتكاب "جرائم حرب" بسبب هذه السياسة، وهو قرار يعتبره الكرملين باطلا ولاغيا.

طالبت لجنة تابعة للأمم المتحدة روسيا الخميس بوقف ممارسات الترحيل القسري للأطفال من أوكرانيا وتقديم معلومات عمن تم نقلهم إلى الأراضي الروسية وضمان إعادتهم إلى وطنهم.

وسلط الخبراء في لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة الضوء على مرسوم أصدره بوتين في 2023 يمنح الجنسية الروسية للأطفال الذين يتم نقلهم أو ترحيلهم قسرا بموجب إجراء مبسط.

بين بوتين وستالين

بوتين دائما ما أبدى إعجابه بستالين. أرشيفية

ومن بين كل الزعماء السوفيتيين، يفضل سيد الكرملين ستالين الذي غالبا ما يستشهد به، ليس للتنديد بحملات القمع التي شنها بل للإشادة برجل الدولة وزعيم الحرب الذي انتصر على ألمانيا في عهد هتلر ولو بثمن باهظ.

ويستغل بوتين الآليات التي اتبعها ستالين سابقا، إذ يزعم كلاهما أنهما يسعيان إلى "اجتثاث النازية"، فيما استغل ستالين ذريعة التعاون مع ألمانيا من أجل طرد وتهجير الشيشان والإثنيات الأخرى من بلدانهم.

ويوضح الشيشاني بأن الاتحاد السوفيتي أو روسيا الآن كلاهما يتبع "استراتيجية التخويف من عدو خارجي، في عام 1944 زعم ستالين أن تهجيره وعقابه للشيشان كان بسبب تعاونهم مع النازية وهو ما لم يثبت تاريخيا على الإطلاق، وفي الحالة الأوكرانية يزعم بوتين أنه يريد اجتثاث النازية الجديدة، وهو أيضا لم يثبت بالدلائل، وكل ما نشرته موسكو كان عبارة عن فيديوهات لم تُثبَت صحتها".

وأشار إلى أن بوتين استغل "مسألة الشعور بالفخر في روسيا من انتصارهم على النازية في الحرب العالمية الثانية، ولهذا أعاد اجترار مكون تاريخي راسخ لديهم من أجل تفريغ العدو من إنسانيته بحسب وجهة نظرهم"، بحيث "يمكن ممارسة أقسى وأعنف العقوبات والممارسات ضدهم وهو ما شهدناه من تهجير للشيشان في تلك الحقبة، وهو ما نراه اليوم في أوكرانيا من عنف وقتل وتهجير".

تمثال للزعيم السوفيتي ستالين

ويحرص بوتين دوما على إدراج حملته العسكرية ضد أوكرانيا في سياق موروثات الحرب العالمية الثانية، فيشبّه بانتظام وبلا أدلة السلطات الأوكرانية بالنازيين ويقدم النزاع على أنه معركة وجودية لبقاء روسيا، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس.

ويقول أليكسي ليفنسون، عالم الاجتماع في معهد الاستطلاعات المستقل "ليفادا" للوكالة إن "السلطة الحالية بحاجة إلى ستالين لأنه بطل وشرير في آن. فهو كسب الحرب، لذا تُمحَى كلّ فظائعه".

وشكل انتصار الاتحاد السوفيتي على هتلر في ستالينغراد في فبراير 1943، نقطة تحول في الحرب العالمية الثانية. وقد قتل أكثر من مليون شخص هناك خلال تلك المعركة التي تعتبر واحدة من أكثر المعارك دموية في التاريخ.

وتحولت ستالينغراد إلى فولغوغراد لتصبح أرضُ المعركة مركزا للسياحة مشبعا بالحنين إلى قوة الاتحاد السوفيتي. وتبيع محلات القطع التذكارية، شعارات سوفيتية مزودة مغناطيس تحمل صور لينين وستالين وبوتين.

الرئيس الروسي خلال احتفالات تخليد الذكرى الـ80 للانتصار في معركة ستالينغراد

وغالبا ما يقارن الرئيس الروسي بوتين المقاومة ضد هتلر التي تُمجَّد في المدارس الروسية ووسائل الإعلام الحكومية، بالهجوم في أوكرانيا، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس.

دميتري ستيبانوف (51 عاما) يقول للوكالة وهو قرب النصب التذكاري في المدينة بالنسبة له "هناك استمرارية بين الصراع في أوكرانيا، والصراعين في الشيشان وأفغانستان، ومحاربة ألمانيا النازية".

يقول ستيبانوف الذي يعمل في مجال صناعة المواد الغذائية: "في كل مرة، كان شباب يحققون انتصارات. فعلوا ذلك من أجل روسيا، وهذا يعني أن الوطنية لا تضعف".

وحذرت خبيرة بارزة في الأمم المتحدة في 2023 من تصاعد القمع في روسيا في أعقاب غزو أوكرانيا حيث وصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ عهد ستالين.

وقالت ماريانا كاتزاروفا، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بوضع حقوق الإنسان في روسيا، إن الوضع بعيد عن المقارنة حتى بمستوى القمع الذي شهدناه خلال الحقبة الستالينية في الاتحاد السوفيتي، عندما لقي الملايين حتفهم في معسكرات الاعتقال.

وتداركت "لكن الفرصة متاحة الآن لعدم السماح للوضع في روسيا ذاتها بالتدهور إلى مستوى القمع الستاليني التاريخي السابق في هذه الدولة".