تصاعدت وتيرة التوتر بين المغرب والجزائر خلال الفترة الأخيرة
تصاعدت وتيرة التوتر بين المغرب والجزائر خلال الفترة الأخيرة

طرحت زيارة وزير العدل الجزائري، عبد الرشيد طبي، إلى المغرب، الثلاثاء، تساؤلات بشأن مدى إمكانية أن تؤثر مثل هكذا خطوة على ملف العلاقات المتوترة بين البلدين منذ عدة أشهر.

ووصل طبي على رأس وفد جزائري إلى الرباط، الثلاثاء، وكان في استقباله وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة. وتعد الزيارة الأولى لمسؤول جزائري إلى المغرب منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في أغسطس من العام الماضي.

وقالت وزارة الخارجية المغربية أن الوزير الجزائري سلم دعوة للعاهل المغربي الملك محمد السادس لحضور أعمال القمة العربية المقررة في الجزائر في نوفمبر المقبل.

وواجهت العلاقات المغربية الجزائرية مدا وجزرا منذ ستينيات القرن الماضي، لا سيما بشأن ملف الصحراء الغربية والموقف من جبهة البوليساريو التي تأسست عام 1973.

والصحراء الغربية مستعمرة إسبانية سابقة تعتبرها الأمم المتحدة "منطقة غير متمتعة بالحكم الذاتي"، وهي موضع خلاف بين المغرب والبوليساريو منذ عقود. 

والرباط، التي تسيطر على ما يقرب من 80% من هذه المنطقة، تقترح خطة حكم ذاتي تحت سيادتها، فيما تدعو جبهة البوليساريو إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير، تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأغلقت الجزائر، التي تدعم الجبهة في مطالبها، العام الماضي، مجالها الجوي مع المغرب بعد اتهامات وجهتها إلى الرباط بممارسة "الاستفزاز والممارسات العدائية".

ثم أعلنت في 24 أغسطس 2021 عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب معتبرة أنه "لم يتوقف يوما عن القيام بأعمال غير ودية" ضدها. وردت الرباط معربة عن أسفها لهذا القرار، ورفضت "مبرراته الزائفة".

وبعدها، اتهمت الرئاسة الجزائرية، في نوفمبر، المغرب بقصف شاحنتين جزائريتين وقتل ثلاثة من مواطنيها في الصحراء الغربية.

وقلل محللون من أهمية زيارة وزير العدل الجزائري للمغرب، وما إذا كان من الممكن ان تؤدي لكسر الجمود والتوتر الذي يحكم العلاقات بين البلدين في الوقت الحالي.

يقول المحلل السياسي المغربي حفيظ الزهيري إن "من الواضح وحسب ما جاء في بيان الخارجية المغربية الذي أعلن عن الزيارة في وقت سابق، أن وزير العدل الجزائري حضر فقط من أجل تقديم الدعوة للملك المغربي لحضور القمة العربية".

ويضيف الزهيري أن "الزيارة تدخل في إطار البروتوكول المعمول به قبل انعقاد أي قمة عربية، حيث تعمد الدولة المستضيفة على إرسال مسؤوليها للدول لتقديم دعوات للحضور".

ويشير الزهيري لموقع "الحرة" إلى أن الزيارة أصلا لم تدم سوى ساعة واحدة، أو ساعتين كما علمنا، وتم استقباله فقط من قبل وزير الخارجية، وتسلم الدعوة، ثم غادر الرباط.

وبالتالي لا يمكن القول أن زيارة وزير العدل الجزائري يمكن أن تكون بداية لعلاقات جيدة بين المغرب والجزائر، وفقا للزهيري.

ويتفق الكاتب والصحفي الجزائري، علي بوخلاف، مع هذا الطرح ويرى أن الزيارة "ظرفية وجاءت لإعطاء الدعوة لملك المغرب لحضور القمة العربية، ولا تدخل في إطار إعادة العلاقات الى سابق عهدها".

ويضيف بو خلاف في حديث لموقع "الحرة" أن "من السابق لأوانه في الوقت الحالي الحديث عن عودة العلاقات، خاصة إذا ما علمنا أنه لا توجد حاليا أي مفاوضات بشأن ذلك".

ويواصل بوخلاف حديثه بالقول "قد تحصل مثل هذه المحادثات في المستقبل، لكن حاليا لا توجد أي مؤشرات على بحث هذا الأمر".

لم يعلن المغرب بعد عمن سيمثله في الدورة الحادية والثلاثين لقمة الجامعة العربية التي ستعقد وفي الجزائر.

يكتسي حضور العاهل المغربي في الجزائر أهمية في ظل التوتر بين البلدين.

وكانت مجلة جون أفريك، الناطقة باللغة الفرنسية، ذكرت منتصف سبتمبر الجاري أن الملك محمد السادس سيحضر اعمال القمة العربية شخصيا.

وأضافت الصحيفة أنها علمت من "مصادر مطلعة للغاية" أن هناك اتصالات بين السلطات المغربية مع دول خليجية مثل السعودية وقطر والإمارات والبحرين لإبلاغهم أن الملك المغربي "سيشارك شخصيا" في القمة العربية المقبلة في الجزائر العاصمة، التي ستقام في الأول والثاني من نوفمبر المقبل.

بالمقابل قالت وسائل إعلام مغربية إن المملكة سوف تكون ممثلة برئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزير الخارجية ناصر بوريطة.

وسبق للملك محمد السادس أن دعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بمناسبة خطاب العرش في يوليو إلى تطبيع العلاقات وفتح الحدود بين البلدين المغلقة منذ 1994، مجددا دعوة مماثلة كان وجهها العام الماضي. لكن دعوته لم تلق ردا من الجانب الجزائري.

ويرى بوخلاف أن "حضور الملك المغربي إلى القمة ربما سيحدث انفراجة في العلاقات ويجعل الإدارة الجزائرية تغير موقفها".

ويضيف بوخلاف "حاليا ليس ممكنا عودة العلاقات، الا إذا كان هناك وساطة لا نعرفها يقوم بها طرف ما، وتؤدي إلى سفر ملك المغرب الى الجزائر".

ويتابع أنه "وفق المعطيات الحالية، لا أتوقع حضور العاهل المغربي للقمة العربية، لكن مع ذلك كل الاحتمالات ممكنة"، مبينا أن "آخر المعلومات تؤكد أنه لن يحضر لإن الأجواء ليست مواتية بعد لزيارته".

بالمقابل يؤكد الزهيري أن "قرار حضور الملك مرتبط بأجندته، وإذا ما كانت تسمح بذلك"، مضيفا أن "كل شيء ممكن، لكن يبقى الأمر مرتبط بمدى ملائمة أجندته مع توقيت القمة".

ويضيف أن "المغرب مد يده منذ مدة، من خلال العاهل المغربي الذي طالب الجزائر بفتح الحدود ومناقشة الإشكاليات العالقة بين البلدين، لكن هناك تعنت من قبل الجزائريين"، على حد تعبيره.

ومع ذلك يعتقد الزهيري أن "العلاقات يمكن أن تعود لطبيعتها عبر القمة العربية، في حال كانت هناك مبادرات من قبل القادة العرب للم الشمل، رغم إيماني بصعوبة كبيرة في ظل الظروف الحالية".

ويختتم الزهيري بالقول أن "الإشكال المطروح هو قضية الصحراء والجزائر طرف في النزاع ويستضيف ويدعم جبهة البوليساريو بالتالي أي تطور للعلاقات لين البلدين مبني أساسا على حلحلة هذه القضية".

حرب السودان

لعقود طويلة، كانت حروب الوكالة ـ ولا تزال ـ حيزا غامضا تتحرك فيه الدول لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من دون الانخراط المباشر في أعمال عسكرية واسعة النطاق.

لكن هذا الحيز الرمادي ـ ثمة احتمالات ولو ضعيفة ـ قد يتقلّص، إذ تعيد دعوى قضائية جديدة النقاش حول إمكانية تجريم المشاركة ـ ولو عن بُعد ـ في جرائم الحرب. 

السودان ضد الإمارات

يقاضي السودان دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة تأجيج نزاع داخلي، من دون أن تنشر الدولة الخليجية قواتها على الأراضي السودانية.

يزعم السودان أن الإمارات متواطئة ـ بتقديم دعم مالي وسياسي وعسكري ـ في "إبادة جماعية" ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع بحق قبيلة المساليت في غرب دارفور، نوفمبر 2023.

القضية "غير مسبوقة في نطاق القانون الدولي"، يقول لموقع "الحرة" عبدالخالق الشايب، وهو مستشار قانوني وباحث في جامعة هارفارد. 

وإذا قضت المحكمة لصالح السودان، فيسكون الحكم ـ بدوره ـ "سابقة قانونية" تُحمّل فيها دولة المسؤولية القانونية عن حرب بالوكالة، خاضتها عن بُعد. 

وسيوفر الحكم أساسا لمساءلة الدول عن حروب الوكالة، وإعادة تقييم مبدأ عدم التدخل في سياق الحروب غير المباشرة. 

يقول خبراء قانون لموقع "الحرة"، إن قضية السودان ـ إذا نجحت ـ ستؤدي إلى إعادة النظر في أدق التحفظات المتعلقة بالمادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، خصوصا عندما تكون هناك ادعاءات بارتكاب إبادة جماعية. 

وقد تفقد الدول ـ نتيجة لذلك ـ القدرة على حماية نفسها من اختصاص المحكمة في مثل هذه القضايا. 

ومن تداعيات القضية ـ إذا قررت محكمة العدل الدولية البت فيها ـ إعادة تفسير اتفاقية الإبادة الجماعية لتشمل حالات التورط غير المباشر أو التواطؤ في جرائم الحرب.

حروب الوكالة

في حديث مع موقع "الحرة"، تقول ريبيكا هاملتون، أستاذة القانون الدولي في الجامعة الأميركية في واشنطن، إن مفهوم الحرب بالوكالة يتبدى عندما تتصرف دولة كراع وتدعم طرفا آخر في ارتكاب أفعال خاطئة.

ورغم أن حروب الوكالة تبدو ظاهرة حديثة، فلها تاريخ طويل ومعقّد.

تُعرّف بأنها صراعات تقوم فيها قوة كبرى ـ عالمية أو إقليمية ـ بتحريض طرف معين أو دعمه أو توجيهه، بينما تظل هي بعيدة، أو منخرطة بشكل محدود في القتال على الأرض.

تختلف حروب الوكالة عن الحروب التقليدية في أن الأخيرة تتحمل فيها الدول العبء الأكبر في القتال الفعلي، وعن التحالفات التي تساهم فيها القوى الكبرى والصغرى حسب قدراتها.

وتُعرف حروب الوكالة أيضا بأنها تدخّل طرف ثالث في حرب قائمة. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الأطراف الثالثة لا تشارك في القتال المباشر بشكل كبير، ما يتيح لها المنافسة على النفوذ والموارد باستخدام المساعدات العسكرية والتدريب والدعم الاقتصادي والعمليات العسكرية المحدودة من خلال وكلاء.

من الإمبراطورية البيزنطية إلى سوريا

يعود تاريخ الحروب بالوكالة إلى عصور قديمة، فقد استخدمت الإمبراطورية البيزنطية استراتيجيات لإشعال النزاعات بين الجماعات المتنافسة في الدول المجاورة، ودعمت الأقوى بينها.

وخلال الحرب العالمية الأولى، دعمت بريطانيا وفرنسا الثورة العربية ضد الدولة العثمانية بطريقة مشابهة. وكانت الحرب الأهلية الإسبانية ساحة صراع بالوكالة بين الجمهوريين المدعومين من الاتحاد السوفيتي والقوميين المدعومين من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وخلال الحرب الباردة، أصبحت الحروب بالوكالة وسيلة مقبولة للتنافس على النفوذ العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تجنبا لاحتمال نشوب حرب نووية كارثية.

ومن أبرز الأمثلة: الحرب الكورية، حرب فيتنام، الغزو السوفيتي لأفغانستان، والحرب الأهلية في أنغولا. استمرت هذه الحروب حتى القرن الحادي والعشرين. وتُعد الحرب في اليمن مثالا واضحا لحروب الوكالة، حيث تدعم إيران الحوثيين بينما تدعم السعودية وحلفاؤها الحكومة اليمنية.

وأظهر الصراع في سورية قبل سقوط نظام بشار الأسد مثالا صارخا لحروب الوكالة في عصرنا، من خلال تدخل روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا دعما لفصائل مختلفة.

قضية السودان ضد الإمارات قد تدفع دولا أخرى إلى التفكير باللجوء  إلى محكمة العدل الدولية في دعاوى مماثلة، ولكن!

الإبادة الجماعية؟ 

لا تتعلق دعوى السودان بحروب الوكالة تحديدا، يؤكد الخبراء، بل تستند إلى اتفاقية "منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة المتورطين فيها".

تدّعي الخرطوم أن ميليشيات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بينها القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري للسكان غير العرب، وتزعم أن تلك الجرائم ما كانت لتحدث لولا الدعم الإماراتي، بما في ذلك شحنات الأسلحة عبر مطار أمجاراس في تشاد.

"يحاول السودان أن يثبت دور دولة أخرى غير المباشر في ارتكاب قوات عسكرية أو ميلشيا تحارب في السودان إبادة جماعية"، يقول الخبيرة عبدالخالق الشايب.

"أساس القضية،" يضيف، "المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".

رغم أن كلّا من الخرطوم وأبوظبي من الموقعين على الاتفاقية، تعتقد هاملتون أن من غير المحتمل أن يتم البت في هذه القضية، إذ إن "محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها".

"عند توقيعها على اتفاقية الإبادة الجماعية،" تتابع هاميلتون، "أكدت الإمارات أنها لم تمنح محكمة العدل الدولية السلطة للفصل في النزاعات التي قد تنشأ بينها وبين دول أخرى بشأن هذه الاتفاقية".

ويلفت ناصر أمين، وهو محام مختص بالقضايا الدولية، إلى أن النزاع القائم في السودان يُعتبر وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني نزاعا مسلحا داخليا، إلى أن تثبت الخرطوم بأن هناك تدخلا من إحدى الدول لصالح أحد أطراف النزاع داخليا".

"وهذا يحكمه بروتوكول ملحق باتفاقيات جنيف أو بالقانون الدولي الإنساني المذكور في المادة 3 من البروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف المنعقدة عام 1929،" يضيف.

تنص المادة الثالثة على أن أحكام هذه الاتفاقية لا تسمح لأي دولة أن تتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة أخرى أو أن تمارس أي أعمال داعمة لأي فصيل متنازع أو متصارع. 

"على السودان أن يثبت أمام محكمة العدل الدولية أن هناك خرقا حدث للمادة 3 من البروتوكول"، يوضح.

لم يرد المركز الإعلامي، لسفارة الإمارات في واشنطن، على طلب للتعليق بعثه موقع "الحرة" عبر البريد الإلكتروني.

نقاط القوة والضعف

وتقول ربيكا هاملتون "من المؤسف" أنه من غير المحتمل أن تُرفع هذه القضية، حيث إن محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها.

ويشير الباحث القانوني، عبدالخالق الشايب، إلى أن قضية السودان ضد الإمارات "يبقى التعامل معها متعلقا بوكالات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن تحديدا".

لكن هاملتون تقول إن هناك مجموعة من القوانين الدولية التي تحظر حروب الوكالة، لكن "التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إنفاذ هذه القوانين".

"سابقة".. حتى لو تعثرت؟

أن تتعثر قضية السودان ضد الإمارات ـ بسبب الاختصاص القضائي ـ أمر وارد، لكنها تبقى، وفق خبراء في القانون، "ذات دلالة رمزية كبيرة".

"بغض النظر عن نتيجتها،" تقول أستاذة القانون الدولي ربيكا هاملتون، لموقع "الحرة"،  "تمثل القضية محاولة جريئة من دولة ممزقة بالصراعات لتوسيع مفهوم المساءلة عن ممارسات الحرب الحديثة".

وحتى إن رفضت محكمة العدل الدولية النظر في الدعوى، فإن القضية تضيّق الحيز الرمادي الفاصل بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية غير المباشرة عن جرائم الحرب.

في تصريحات لموقع "JUST SECURITY"، يشير خبراء قانون إلى أن صدور حكم لصالح السودان ـ حتى وإن كان ذلك غير مرجح ـ قد يؤدي إلى إعادة تقييم شاملة للمعايير القانونية الدولية المتعلقة بتواطؤ الدول وتدخلها. 

قبول الدعوى قد يدفع القانون الدولي إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لحروب الوكالة الحديثة — سواء خيضت بجنود على الأرض، أو من خلال دعم مالي وعسكري عن بُعد.