الألغام تهدد المدنيين في المناطق السورية التي سيطر عليها داعش قبل هزيمته
الألغام تهدد المدنيين في المناطق السورية التي سيطر عليها داعش قبل هزيمته

عد أكثر من خمس سنوات على تحرير مدينة الرقة من تنظيم داعش، وأكثر من ثلاث سنوات على إعلان الهزيمة الكاملة للتنظيم في سوريا، ما تزال أدوات القتل التي خلفها التنظيم تحصد أرواح المدنيين.

وفيما تعمل منظمات محلية وأجنبية على إزالة الألغام التي خلفها داعش في بعض مناطق شمال شرق سوريا، ما تزال تلك المنظمات عاجزة عن مباشرة العمل في مناطق أخرى.

ويوثق تقرير حقوقي مقتل قرابة 2829 مدنيا سوريا نتيجة لحوادث انفجار الألغام في مختلف المحافظات منذ بداية الصراع في 2011. ويوضح أن الحصيلة الأكبر من الضحايا سُجّلت في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش.

يقول مدير منظمة "روج"، عدنان حسن " تمت هزيمة التنظيم، لكن الألغام القاتلة التي خلفها ما تزال موجودة وتحصد الأرواح (...) الحرب ضد مخلفات التنظيم قد تستمر سنوات طويلة".

و"روج" منظمة محلية تأسست عام 2017، تعمل على إزالة الألغام في مناطق شمال شرق سوريا.

إلى جوارها تعمل منظمات أجنبية، منها منظمة (MAG) البريطانية، ومنظمة (هانديكاب) التي تعمل في إزالة الألغام وتركيب الأطراف الصناعية.

منذ مباشرة عملها تمكنت منظمة "روج" من إزالة 24172 لغماً، حسب ما أفاد مديرها، عدنان حسن، الذي تحدث لـ "ارفع صوتك".

وفيما تقدر تقارير دولية إقدام داعش على زرع نحو 100 ألف لغم، معظمها في محافظات الرقة، والحسكة، ودير الزور، يقول حسن "من الصعب تقدير عدد الألغام نتيجة للدمار الذي ما يزال موجودا، إضافة إلى أن خلايا التنظيم تواصل زراعة الألغام".

بصمة داعش

تكمن خطورة الألغام التي زرعها التنظيم بوجود بصمة خاصة لبعضها، إضافة إلى عدم توقع أماكنها، يبين حسن.

ويشرح "زرع داعش أنواعا مختلفة من الألغام، وخلف العديد من القذائف والأسلحة غير المتفجرة، لكن أكثرها خطورة الألغام ذات البصمة، وهي عبارة عن ألغام مزودة بشريطين من المعدن، تنفجر عندما يلامسها جسم يفوق وزنه الكيلوغرام الواحد".

كذلك ساهمت الاختيارات "الخبيثة" لمواقع زارعة الألغام في زيادة عدد الضحايا، خاصة خلال الفترات الأولى التي تلت تحرير المناطق.

يقول حسن "فخخ داعش كل شي، أي جسم داخل المنزل، فخخ الثلاجات والأدوات المنزلية، وأباريق الشاي". ويضيف "في بداية تحرير المناطق، وعودة المدنيين، كانت الحوادث النتائج عن انفجار الألغام كبيرة. الناس لم تتوقع وجود الألغام في كل مكان، مع الوقت والتوعية تراجعت تلك الحوادث، لكن خطرها ما يزال قائما".

واعتبرت مدينة الرقة، التي سيطر عليها التنظيم منذ العام 2014 حتى 2017، من أكثر المواقع خطورة فيما يتصل بزراعة الألغام، وأعداد الضحايا.

وتقدر الإحصاءات حصة الرقة من ضحايا حوادث انفجار الألغام بأكثر من الربع، وفيما يتواصل العمل على تطهيرها، تصطدم الجهود ببعض الصعوبات.

يقول حسن "رغم مباشرة المنظمات المحلية والدولية العمل على إزالة الألغام من الرقة فور هزيمة التنظيم، إلا أنها ما تزال منتشرة في العديد من المواقع، هي موجودة في الأبنية المهدّمة وتحت الإنقاض (...) يحتاج نزعها إلى آليات ضخمة ومستلزمات غير متوفرة لدى المنظمات العاملة".

الباغوز.. الألغام ما تزال في مكانها

يقدر مدير منظمة "روج"، عدنان حسن، أن تكون مناطق دير الزور الشرقي وتحديداً الباغوز "أخطر مواقع الألغام حالياً".

إذ لم تشهد تلك المناطق أي جهود لإزالة ألغام التنظيم من إعلان هزيمته في عام 2019.

يقول حسن "بقيت الباغوز تحت سيطرة داعش لفترة طويلة، ليس لدينا أي تقديرات أو توقعات لأعداد الألغام التي زرعها، لكن بالضرورة ستكون أعداد كبيرة جداً".

يضيف "منذ تحرير مناطق دير الزور الشرقي، لم تجر أي عمليات لإزالة الألغام نتيجة لطبيعة المنطقة الجغرافية، إضافة إلى وجود خلايا للنظيم تعمل على استهداف فرق نزع الألغام، وحاجتنا إلى سيارات مصفحة، ومعدات متطورة لا تتوفر لدى المنظمات".

ويحذّر من بقاء الألغام وما يمكن أن تشكله من خطر مستقبلي على حياة المدنيين

العراق وسوريا

لا تزال العلاقة الرسمية بين العراق وسوريا موضع حذر منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي. ويبدو الملف السوري محاطا بالإرباك، خصوصا على الجانب العراقي، ويدل على هذا الإرباك التعاطي الإعلامي مع أي تواصل رسمي بين البلدين، وكأن الطرفين في علاقة "محرّمة"، يحاول الإعلام الرسمي العراقي دائما مداراتها وإخفائها عن العيون ووسائل الإعلام.

حدث ذلك حينما زار حميد الشطري، رئيس جهاز الاستخبارات العراقية، سوريا في نهاية العام الماضي والتقى الشرع، ولم يُعلن عن الخبر في وسائل الإعلام العراقية الرسمية، ولم يكشف عن اللقاء إلا بعد ان تناولته وسائل الإعلام السورية. 

ومثل هذا الأمر حدث قبل أيام في لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني برعاية قطرية في الدوحة، واُخفي الخبر عن الإعلام ليومين قبل ان تظهر صور الرجلين في حضور أمير قطر.

ردّة الفعل في الشارع العراقي على اللقاء تفسّر إخفاء الخبر قبل الإفصاح عنه. فقد انقسم العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي حول المسألة، وهاجم كثيرون السوداني على قبوله الجلوس مع من يعتبرونه "متورطاً في الدم العراقي"، و"مطلوبا للقضاء العراقي".

الباحث القانوني العراقي علي التميمي يشرح الإطار القانوني الدولي المتعلق برؤساء الجمهوريات، في حال صحّت الأخبار عن أحكام قضائية ضد الشرع في العراق.

ويرى التميمي أن رؤساء الدول يتمتعون بـ"حصانة مطلقة تجاه القوانين الجنائية للدول الأخرى". ويشرح لموقع "الحرة" أن هذه الحصانة "ليست شخصية للرؤساء، بل هي امتياز للدول التي يمثلونها"، وهي تمنع إلقاء القبض عليهم عند دخولهم أراضي الدول الأخرى". 

ويشير التميمي إلى أن هناك استثناء واحداً لهذه القواعد، يكون في حال "كان الرئيس مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية وكانت الدولة المضيفة موقعة على اتفاقية روما ١٩٩٨ الخاصة بهذه المحكمة"، هنا، يتابع التميمي، تكون الدولة "ملزمة بتسليم هذا الرئيس الى المحكمة وفقاً لنظام روما الأساسي".

لكن هل حقا أحمد الشرع مطلوب للقضاء العراقي؟

ويشير الباحث العراقي عقيل عباس إلى "عدم وجود أي ملف قضائي ضد الشرع في المحاكم العراقية". 

ويستغرب كيف أن العراق الرسمي "لم يصدر بعد أي بيان رسمي يشرح ملابسات قضية الشرع وما يحكى عنه في وسائل التواصل الاجتماعي، والجهات الرسمية لديها السجلات والحقائق، لكنها تركت الأمر للفصائل المسلحة وجمهورها وللتهويل والتجييش وصناعة بعبع (وحش مخيف) طائفي جديد، وكأن العراق لم يعان ما عاناه من الطائفية والتحريض الطائفي".

وكانت انتشرت وثيقة على وسائل التواصل الاجتماعي، تداولها عراقيون، عبارة عن مذكرة قبض بحق أحمد الشرع. وقد سارع مجلس القضاء الأعلى في بيان نقلته وكالة الأنباء العراقية في 26 من فبراير الماضي، إلى نفي صحة الوثيقة ووصفها بأنها "مزورة وغير صحيحة".

عباس مقتنع أن الغضب الشعبي من لقاء السوداني والشرع "وراءه أسباب سياسية مبرمجة، وليس تلقائياً، وجرى تحشيد الجمهور الشيعي لأسباب كثيرة، تصب كلها في مصالح إيران، غير السعيدة بسقوط بشار الأسد وحلول الشرع مكانه".

وبحسب عباس، منذ سقوط الأسد، "بدأت حملة في العراق لصناعة "بعبع" من الجولاني (أحمد الشرع)". يشرح: "يريد هؤلاء أن يقولوا ان تنظيم القاعدة يحكم سوريا، وهذا غير صحيح".

ويقول عباس لموقع "الحرة"، إن لدى الناس اسباباً موضوعية كثيرة للقلق من الشرع، خصوصاً خلفيته الجهادية المتطرفة ووضعه على لوائح الإرهاب، والشرع يقول إنه تجاوز هذا الأمر، "لكننا نحتاج ان ننتظر ونرى"، بحسب تعبيره.

ما قام به السوداني "خطوة ذكية وحكيمة سياسياً وتشير إلى اختلاف جدي بينه وبين بقية الفرقاء الشيعة في الإطار التنسيقي"، يقول عباس.

ويضيف: "هناك اعتبارات براغماتية واقعية تحكم سلوك السوداني، فهو كرئيس وزراء عليه أن يتعاطى مع سوريا كجار لا يجب استعداءه".

ويضيء الباحث القانوني علي التميمي على صلاحيات رئيس الحكومة في الدستور العراقي، فهو "ممثل الشعب داخلياً وخارجياً في السياسة العامة وإدارة شؤون البلاد بالطول والعرض"، وفق تعبيره، ورئيس الوزراء في العراق هو "بمثابة رئيس الجمهورية في الدول التي تأخذ بالنظام الرئاسي".

أما من الجانب السياسي، فإن السوداني، برأي عباس، "يخشى -وعن حق- ان تختطف حكومته المقبلة أو رئاسته للوزراء باسم حرب وهمية تديرها إيران والفصائل المسلحة وتشنّ في داخل سوريا تحت عنوان التحرير الذي نادى به المرشد الإيراني علي خامنئي قائلا إن شباب سوريا سيحررون بلدهم". وهذا يعني، بحسب عباس، ابتعاد السوداني عن التأثير الإيراني، و"أنا أتصور أن إيران غير سعيدة بهذا"، كما يقول.