يترقب العالم مؤتمر المناخ "كوب 27" في مصر وسط تحديات عدة تبدأ بتجاوز موجات الحر المستويات القياسية، ولا تنتهي بمخاطر زيادة الانبعاثات الكربونية جرّاء الرجوع إلى الفحم الحجري بسبب أزمة الطاقة.
وفي حين يدّق نشطاء بيئيون ناقوس الخطر أكان بشكل علمي عبر ندوات وحملات توعية أو بشكل متطرف عبر تشويه لوحات فنية في المتاحف العالمية، على ماذا يعول خبراء المناخ في هذا المؤتمر الذي ينكلق في نوفمبر؟
موجات حر مضاعفة
حذرت "الأمم المتحدة" من أنه خلال هذه السنة تجاوزت موجات الحر في نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي الأرقام القياسية، ومن جهتها كشفت "اليونيسف" أن درجات الحرارة آخذة بالارتفاع، وتأثيراتها تتضاعف على على الأطفال، حيث يعيش 1 من كل 3 أطفال في العالم حاليا في بلدان تواجه درجات حرارة مرتفعة بشدة، كما يتعرض زهاء 1 من كل 4 أطفال لتواتر مرتفع لموجات الحر، وتحذر الوكالة الأممية من أن الأمر سيزداد سوءا.
وسط هذه الوقائع السوداوية، ينعقد مؤتمر المناخ "كوب 27" في مصر خلال شهر نوفمبر، وسيشارك فيه الرئيس الأميركي جو بايدن و"سيدعو العالم إلى التحرك خلال هذا العقد الحاسم".
ضرورة إنشاء خط تمويل؟
لذلك يشير الخبير الدولي في التغيرات المناخية خالد التمسماني، الذي سيشارك في مؤتمر شرم الشيخ، إلى أنّ "المشاكل البيئية كثيرة، ونرى الظواهر الطبيعية القصوى المتعددة الأشكال والأنواع في العالم ولاسيما في الدول الهشة والفقيرة بكثرة وبوتيرة أسرع".
ويوضح التمسماني في حديث لموقع "الحرة" "أنّ ذلك ناتج عن التغير المناخي، والاحتباس الحراري، وارتفاع درجات الحرارة، وقلّة الأمطار أو كثرتها، وهذا كلّه نتيجة الخلل الكبير في الغلاف الجوي الناتج عن انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وسببه الرئيسي هو الإنسان".
يشدد التمسماني على أن "الإنسان هو السبب الرئيسي لأزمة المناخ في استخدامه المفرط للطاقات الأحفورية والفحم الحجري في توليد الطاقة".
وخلال سبتمبر الماضي، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن "الآثار الضارة لتغير المناخ تسير بنا إلى المجهول المدمر"، مضيفا أنها "لفضيحة أن الدول قد فشلت في التعامل مع التكيف بجدية، وتجاهلت التزاماتها لمساعدة العالم النامي. ومن المقرر أن تنمو احتياجات تمويل التكيف إلى 300 مليار دولار أميركي سنويا على الأقل بحلول عام 2030".
أما لجهة البنود الأساسية التي يرى التمسماني أنّه من الضروري وضعها على طاولة "كوب 27" كأولوية فهي "تلك التي سيناضل الجميع من أجلها في شرم الشيخ، وهي وضع البند الثامن لاتفاق باريس الذي يتعلق بالخسائر والأضرار فوق الطاولة"، موضحا أن "الدول التي في طريق النمو همّها الوحيد هو الحصول على التمويل اللازم من أجل التأقلم مع التغيرات المناخية، ومعالجة الأضرار الناتجة عنها".
ويلفت إلى أنه "هناك مرحلتين للتأكيد هذا المطلب، الأولى في شرم الشيخ، والمحطة المقبلة ستكون في الإمارات، فـ"كوب" مصر والإمارات لهما أهميتهما لأنهما بداية للنضال من أجل تمويل الخسائر الناتجة عن التغير المناخي".
خوف من الهدر والفساد
إلا أن المتخصصة بالشأن البيئي ماي جردي تقول: "صحيح أن الدول النامية لم تؤثر بالانبعاثات كثيرا لكنها تأثرت من تداعيات أزمة المناخ بشدة، لكن المشكلة هي أن دول العالم الثالث يسود فيها الإهدار والفساد، وتستهلك مواردها من دون وضع استراتيجية للوصول إلى نتيجة"، مشددة على أنّ"التمويل إذا لم يقترن بإصلاحات لا ينفع".
وضمن الإطار، يشير التمسماني إلى أن "هناك خسائر وأضرار ناتجة عن تغير المناخ، وبعض الدول كباكستان، لديها خسائر بالأرواح، وخسائر بالبنى التحتية قيمتها تقدر بملايين الدولارات، وهذه الدول ليس لديها الإمكانات لمعالجة هذا الدمار".
ويتابع:" لذلك على المسؤولين الذين سيحضرون في كوب 27 أن يلزموا الدول المُلوِثة على وضع ملف تعويض هذه الخسائر على الطاولة، بعد أن تمّ رفض البحث به إلى حد الآن".
يُذكر أن الأمين الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية بيتيري تالاس قال إن "علم المناخ قادر على إظهار أن العديد من الظواهر المناخية الشديدة التي نشهدها أصبحت أكثر احتمالا وأكثر كثافة بفعل تغير المناخ الذي يسببه الإنسان." وتابع: "لقد رأينا هذا مرارا وتكرارا هذا العام، وكان له تأثير مأسوي. من المهم أكثر من أي وقت مضى أن نوسع نطاق العمل بشأن أنظمة الإنذار المبكر لبناء المرونة في مواجهة أخطار المناخ الحالية والمستقبلية في المجتمعات المعرضة للخطر".
توعية وإدارة موارد
وقال التمسماني إن "ما نطلبه الآن هو خلق صندوق جديد أو خط تمويلي يحد من الخسائر والأضرار التي تتكبدها الدول. وعلى البلدان مراجعة قدرتها على الحد من الانبعاثات من خلال استخدام الطاقات المتجددة، ولاسيما من قبل الدول المصنعة والملوثة".
واعتبر التمسماني أن "نقل التكنولوجيا من دول الشمال إلى الجنوب أمر جيّد، لكن ينبغي أيضا نقل التكنولوجيا إدارة الموارد، بخاصة المائية منها، من دول الجنوب إلى الشمال أيضاً. لأنّ دول الجنوب لديها ما يكفي من المعرفة بشأن إدارة ملف المياه، من خلال ما تعلمناه من أجدادنا، لذلك يجب أن نعطي القيمة للموروث الثقافي والعلمي الخاص بنا".
وأكد أن "تقوية القدرات أمر مهم جدا، من خلال زيادة الدراية بالتغيرات المناخية، لوفق تبديد المياه والحث على الفلاحة والزراعة بطرق مستدامة".
من جهتها، تؤكد المتخصصة بالشأن البيئي ماي جردي أن "الحرب الروسية على أوكرانيا وأزمة الطاقة يعطيان بعض الدول الضوء الأخضر لإعادة استخدام الفحم الحجري، وهذا أمر خطير جدا. لأن أوروبا وضعها صعب في الشتاء".
وتشير جردي إلى أنه "جراء أزمة الطاقة تزايد استخدام الفحم الحجري في العالم، وبدل أن نتقدم خطوة نحو الأمام نتراجع خطوات عدّة نحو الوراء جراء التحديات التي يواجهها العالم".
وتؤكد جردي "ضرورة وضع رؤية لتحديد السياسات والاستراتيجيات، بسبب وجود إرباك كبير في كيفية التعامل مع الأزمة. وخصوصا أنّ المستقبل ليس مشرقا جراء عدم التمكن من تخفيض الانبعاثات".
لعدم تجاوز الـ1,5 درجة
من جهتها، شددت المديرة التنفيذية لـ"اليونيسف" كاثرين راسيل على أن "مدى الضرر الناشئ عن هذه التغييرات سيعتمد على الإجراءات التي نتخذها الآن: وكحدٍ أدنى، يجب على الحكومات أن تعمل بسرعة على تقييد الاحترار العالمي كي لا يتجاوز 1,5 درجة مئوية وأن تضاعف التمويل المخصص للتكيف بحلول عام 2025. وهذا هو السبيل الوحيد لإنقاذ أرواح الأطفال ومستقبلهم ومستقبل الكوكب".
ويشير التمسماني إلى "التقرير لمجموعة الخبراء في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الذي يقول إن اليابسة بكل مكوناتها والمحيطات يساهمان من امتصاص ثاني أوكسيد الكربون حولنا بنسبة 56 في المئة"، معتبرا أننا "نعيش في كون لا نحافظ عليه، إلا أننا نلوث اليابسة والمحيطات باستمرار، ولا نحافظ على الغابات. ويجب أن يكون هناك خط تمويلي للمحافظة على هذه المكونات".
وقال: "نحن اليوم في وضع طارئ، لأنه يجب مساعدة الدول المتضررة من التغييرات المناخية، فالوضع حساس جدا، واتوقع أن يكون هناك شجار في شرم الشيخ بشأن نقطة التمويل".
أرقام خطيرة
وبحسب أرقام "اليونيسف"، يقدّر تقرير المنظمة أنه بحلول عام 2050، من المتوقع أن يتعرض جميع أطفال العالم تقريبا الذين سيبلغ عددهم 2,02 مليار طفل لتواتر مرتفع لموجات الحر، بصرف النظر عما إذا كان العالم سيتبع "سيناريو الانبعاثات المنخفضة لغازات الدفيئة" إذ يرتفع معدل درجات الحرارة العالمية بمقدار 1,7 درجة مئوية بحلول عام 2050، أو يتبع "سيناريو الانبعاثات الكبيرة جدا لغازات الدفيئة" إذ يرتفع معدل درجات الحرارة العالمية بمقدار 2,4 درجة مئوية بحلول عام 2050.
وتوضح "اليونيسف" في تقريرها أن منع حدوث كارثة مناخية ممكن من خلال تحقيق تقليص كبير في انبعاثات غازات الدفيئة والحفاظ على خيار ارتفاع معدل درجات الحرارة بمقدار لا يتجاوز 1,5 درجة مئوية خيارا قابلا للتحقيق.
ويتوقع التقرير أن تزداد الانبعاثات بمقدار 14 في المئة في هذا العقد، "مما يضعنا على مسار كارثة احترار عالمي".
