تآكل مزايا الانضمام للجيش تدفع البعض للبحث عن وظائف أخرى. أرشيفية - تعبيرية
تآكل مزايا الانضمام للجيش تدفع البعض للبحث عن وظائف أخرى. أرشيفية - تعبيرية

"إن اعتمدت فقط على راتبي العسكري، أقسم انه لن يكفي لشراء شفرات لحلاقة ذقني فقط، سعر علبة الشفرات يصل إلى 10 دولارات، فيما راتبي الشهري بالليرة اللبنانية لا يتخطى 40 دولارا"، يقول "رائد" وهو عسكري في الجيش اللبناني يعمل اليوم سائق سيارة أجرة على أحد التطبيقات الخاصة في لبنان، إلى جانب خدمته العسكرية.

حاله حال معظم العسكريين ورجال الأمن في لبنان، أفرادا ورتباء وحتى ضباط، باتوا مضطرين اليوم للبحث عن عمل رديف لوظيفتهم الرسمية، التي ما عادت تؤمّن لهم أي مردود مادي يذكر، بعدما انهارت القيمة الشرائية للرواتب بالليرة اللبنانية بنسبة 95 في المئة، اثر الأزمة المالية المستمرة في البلاد منذ نحو 3 سنوات.

قبل الأزمة المالية، كان عمل رجال الأمن والعسكريين خارج نطاق خدمتهم، أمر مخالف للقانون يعرضهم للملاحقة القانونية وصولاً إلى حد الطرد من وظيفتهم، وهو حكم قانوني لا يزال قائما حتى اليوم، إلا أن "الضرورات تبيح المحظورات"، وفق ما يؤكد مصدر في الأمن اللبناني لموقع "الحرة".

ويضيف المسؤول الأمني الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن "الظروف الصعبة تفرض حكمها، فصحيح أن عمل رجال الأمن ممنوع بحسب القانون، لكن التسامح مفروض لضمان استمرارية العمل، بأبعاد إنسانية، أبرزها حماية عائلات هؤلاء من الوصول إلى الفقر المدقع بعدما بلغوا الفقر بالفعل خلال السنوات الماضية، هؤلاء العناصر عليهم مسؤوليات لتأمين استقرارهم الاجتماعي، وما زالوا رغم كل ما يجري من حولهم، صامدون في خدمتهم ويقومون بواجباتهم، وبالتالي هذا ما يجعل جميع الأجهزة الأمنية تتسامح مع الظاهرة في الوقت الحالي".

انعدام المحفزات

يأتي هذا الاستثناء في ظل اتجاه متزايد لدى العناصر الأمنية والعسكريين لترك وظائفهم والفرار من الخدمة، التي لم تعد مجدية بالنسبة لهم، لاسيما على الصعيد المادي، ما يهدد جهوزية الأجهزة الأمنية والعسكرية في لبنان واستمرارية قيامها بدورها، وسط تحديات أمامها تجاوزت العنصر البشري، ووصلت إلى حد العجز عن تأمين متطلبات العمل اللوجستية واللوازم الفنية، بعد انهيار قيمة الميزانيات المالية الحكومية المخصصة للأجهزة الأمنية والعسكرية في البلاد، على غرار كافة المؤسسات الحكومية.

وبعيدا عن البعد الوطني والواجب الذي تمثله الخدمة في الجيش أو الأجهزة الأمنية في لبنان، لطالما كان العمل في هذه المؤسسات يمثل وظيفة مرغوبة جدا في البلاد، كانت تؤمن مردودا ماليا مقبولا، بالإضافة إلى ضمان صحي شامل وتقديمات اجتماعية ومخصصات عائلية وتعليمية للمنتسب وعائلته، في بلد تعتبر الفاتورتان الصحية والتربوية من أعلى تكاليف الأسر السنوية. 

فضلا عن ذلك، كانت تمنح تلك الوظائف لأصحابها تسهيلات وأفضلية في الحصول على القروض المصرفية الشخصية وتخفيضات على أسعار المحروقات والسلع، وانتهاء بتعويض نهاية خدمة كبير نسبيا، ومعاش تقاعدي ثابت مدى الحياة، قد ينتقل بعدها للزوجة والأبناء، ما جعل الوظائف الأمنية والعسكرية ملجأ للكثير من اللبنانيين الذين ضاقت بهم سبل العيش لاسيما في المناطق الأقل إنماء، حيث ترتفع معدلات الفقر وتنخفض حظوظ العثور على وظائف. 

أما اليوم فقد تبخرت كل تلك المحفزات، وباتت بلا أي قيمة، لاسيما بعد تراجع قيمة التقديمات الصحية والتربوية، وانعدام القدرة على اللجوء إلى القروض المصرفية في ظل أزمة السيولة لدى المصارف اللبنانية، فضلاً عن تآكل الحقوق التقاعدية للموظفين والتي تظهر من خلال معاناة المتعاقدين الذين يتنقلون اليوم بين الاعتصامات والتظاهرات من أجل تحصين أبسط حقوقهم والاستحصال على رواتبهم.

اشتباكات بين جنود الجيش اللبناني وعسكريين متقاعدين أثناء محاولتهم اقتحام البرلمان في بيروت
للمرة الأولى.. متظاهرون يقتحمون ساحة مجلس النواب اللبناني
في سابقة هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في لبنان في العام 2019، تمكنت مجموعة من المتظاهرين ومعظمهم من العسكريين المتقاعدين، من اقتحام الساحات المحيطة بمجلس النواب اللبناني، وسط العاصمة اللبنانية بيروت.

ويقول محمد، (فضل استخدام اسمه الأول لتجنب أي ملاحقة)، وهو رقيب في قوى الأمن الداخلي، إن ما يبقيه في خدمته اليوم هو وضع والدته التي تعاني من مشاكل صحية، "الضمان الصحي لي ولوالدتي هو كل ما يعنيني اليوم، وإلا لكنت غادرت السلك الأمني منذ سنتين، لكني أخاف أن نقع في أي أزمة صحية تكلفني كل ما أملك من أموال فيما التطبب على حساب قوى الأمن لا يزال متاحاً اليوم رغم المشاكل الموجودة في هذا السياق لناحية تغطية الفروقات في التكاليف".

ومثل محمد، فإن كثيرا من العناصر والجنود المستمرين في خدمتهم حاليا، ممن تحدث إليهم موقع "الحرة"، يهدفون فقط للاستفادة من التأمين الصحي والتقديمات التربوية التي توفرها وظيفتهم، وذلك بدافع الحرص على عائلاتهم في ظل الأوضاع التي يعيشها لبنان، فيما لا تشكل رواتبهم أي حافز لهم، فبعضهم يعتمد على ما يتقنه من حرفة أو عمل، وبعضهم الآخر اتجه نحو الأعمال البسيطة لتأمين المال اللازم.

من الأمن إلى السوق السوداء

يعمل محمد اليوم كصراف للعملة في السوق السوداء، يبيع ويشتري الدولارات وفق حركة السوق ليحقق من تباين أسعار الصرف أرباحا مالية تؤمن له مردودا يفوق ما يحصل عليه في وظيفته بعشرات الأضعاف، وفق ما يروي لموقع "الحرة".

بدأ عمله منذ بداية الانهيار عام 2020، "انطلقت برأسمال صغير، حين ينخفض الدولار أشتريه، وأبيعه حين ترتفع قيمته أمام الليرة، ثم استخدم الأرباح لزيادة رأسمالي، انتقلت فيما بعد من المبالغ الصغيرة إلى صفقات تصريف أكبر، وتأمين طلبات مبالغ كبيرة من الدولار أو من الليرة للشركات والصرافين، حسب حاجة السوق".

تطور عمل محمد فيما بعد للعمل في تصريف الشيكات المصرفية للأموال العالقة في المصارف، "كونت رأسمالا آخر داخل المصرف عبر الشيكات المودعة، واستفدت منهم عبر السحوبات الشهرية المسموحة بالدولار، وهكذا أصبحت في مهنة أخرى جديدة كليا علي، جعلتني بغنى تماما عن راتبي الوظيفي في قوى الأمن".

ومع ذلك لا يزال مستمرا في خدمته التي انخفض عدد ساعاتها وباتت أكثر ليونة لتتناسب مع عمله الجديد، يقول: "حاليا بصراحة لا يتعبني العمل في قوى الأمن، ولا يأخذ من وقتي كثيرا ولا يعطل عملي الثاني، لذا استمر فيه، ولدي أمل أن الأوضاع قد تشهد تحسناً، كما أنني خدمت 21 عاماً في قوى الأمن، ولا يزال أمامي عامان فقط للتقاعد، لا أريد تفويت كل ذلك وخسارة سنين عمري التي استثمرتها".

يؤكد الرتيب في قوى الأمن الداخلي أن جميع زملائه في الخدمة اليوم يقومون بأعمال رديفة، "لم يعد هناك عسكري واحد أو رجل أمن يعتمد على راتبه، فذلك غير ممكن حسابياً في ظل انهيار قيمة الرواتب، من يستطيع العيش بأقل من ٥٠ دولاراً في الشهر في لبنان؟".

ويبلغ راتب محمد اليوم مليون و700 ألف ليرة، ويصل بالحد الأقصى إلى نحو مليونين ونصف مع المساعدات التي تقدم حاليا، وهو ما يساوي نحو 50 دولاراً في المحصلة، ومع ذلك فإن هذا المبلغ ليس ثابتا، بل يتغير حسب الأشهر وحسب صرف المساعدات من ناحية الحكومة، "حتى الزيادة التي انتظرناها لعام كامل لم يوقع عليها رئيس الجمهورية في نهاية الأمر، ولم يصلنا شيء منها، في حين أن بعض الزملاء استدانوا أموالاً على أساس أن هذه الزيادة ستصل ووقعوا في ضائقة مالية أكبر".

بلغ محمد مرحلة ينسى فيها سحب راتبه الشهري من قوى الأمن "آخر همي المعاش اليوم، أحيانا يمر كل الشهر واحيانا أتذكر في منتصف الشهر، حتى حين أسحب الأموال أسحبها وأتوجه إلى محطة المحروقات، أشتري بهم صفيحتين بنزين للسيارة واتابع جولات الصرافة".

"التوك توك" أربح

فضل (32 عاما)، عسكري في الجيش اللبناني، دفعه الفقر والعوز إلى اللجوء لأعمال رديفة أخرى، تهون عليه الضائقة التي نشأت عن الأزمة المالية في السنوات الماضية. يروي لموقع "الحرة" كيف بدأ العمل بأي شيء يؤمن له مبلغاً يومياً إضافياً، "مرة في الباطون والعمار، ومرة أخرى في العتالة والتحميل، عملت بمواسم الزرع في القطاف أيضاً، إلى أن نجحت في استدانة مبلغ مالي صغير اشتريت منه "توك توك" وبدأت العمل عليه".

حول فضل "التوك توك" إلى ما يشبه سيارة أجرة، ينقل عبره أبناء بلدته منها وإليها، ضمن نطاق القرى المحيطة، ويتقاضى لقاء ذلك مبالغ مالية أقل من تلك التي تتقاضاها سيارات الأجرة العاملة في المنطقة، وبات يشهد إقبالا متزايدا، في ظل ارتفاع تكاليف النقل بشكل هائل في لبنان، كما بدأ يعمل في تصليح الدراجات النارية والتجارة بها.

تابع فضل التوفيق بين خدمته العسكرية وعمله الجديد إلى أن وقعت الخسارة، "اضطررت للتفرغ للأعمال التي أقوم بها وترك الخدمة العسكرية نهائياً، فحتى الأيام التي أذهب بها إلى الخدمة أتكبد فيها خسائر كبيرة ثمن مواصلات ومصاريف، فضلاً عن عدم قدرتي على تأمين الأموال التي يؤمنها لي عملي الثاني، وبالتالي الأيام الأربعة التي أخدم بها، إن عملت في الخارج بدلاً منها أستطيع تأمين راتب شهر كامل".

ويضيف "لم تعد الأمور تسير وفق المقدور عليه، فلدي طفل حديث الولادة، ومتطلباته كثيرة فيما الأسعار ملتهبة، بات تفرغي لعمل مجد مالياً لا مفر منه لتأمين حاجات عائلتي. وصلت إلى مرحلة أعمل طيلة النهار ولا أؤمن ثمن علبة حليب واحدة، فما بالك عن الأكل والشرب، واليوم عدنا إلى التدفئة، العام الماضي سكنت لدى عائلة زوجتي حتى نتمكن من الاستمرار، قطعت اشتراكات الكهرباء عن منزلي لعجزي عن تسديد الفواتير، وصلت إلى مراحل فقر مخيفة، لم يعد أمامي أي حل، وصلت إلى مرحلة ينقسم فيها أسبوعي إلى ٤ أيام من الفقر والجوع والعوز، و٣ أيام من العمل التي أتمكن فيها من إحضار الحليب والحفاضات والطعام".

يعبر فضل عن خوف كبير يتملكه بسبب خسارته للضمان الصحي الذي تؤمنه الوظيفة العسكرية، "ولكن الواقع أوصلني إلى خيارين أحلاهما مر، فإما المخاطرة بالحاضر وبالموت جوعاً، أو المخاطرة بالمستقبل وما قد يحمله ويتطلب تأمينا صحياً، كنت بين السيئ والأسوأ، في حين كل الوعود التي تلقيناها طيلة الأعوام الماضية بتحسين الأوضاع وتأمين مساعدات وزيادة رواتب وتقديم محروقات للتدفئة، كان كله كلام في الهواء لم يصلنا أي شيء وبقينا ننتظر دون جدوى".

في ظل الأوضاع الحالية، لا يفكر فضل بالعودة إلى الجيش مرة أخرى، "لا أخفي أنني أتمنى ذلك، أن تتحسن الأوضاع والتقديمات بما يكفي لحياة كريمة، أما الآن فليس لدي هذا الخيار أصلا، ومن لا يزال في الخدمة حالياً إما انه لا يملك أي خيار للعمل في خارج السلك العسكري، أو أن وضعه الصحي لا يسمح له، هناك أيضاً كبار في السن وقدماء في الخدمة بقي لهم سنوات محدودة للتقاعد يفضلون الاستمرار كي لا يخسروا كل ما راكموه من سنين".

معلقون في الهواء

"رائد" الذي اختار اسما مستعارا بكونه لا يزال عسكريا في الجيش، يخشى الإقدام على خطوة الفرار من ناحيته، رغم إيمانه بعدم جدوى البقاء في الخدمة العسكرية كوظيفة آمنة، ويضيف "الآن يتيح لي وضعي العمل على سيارة أجرة، تعود لعديلي  الذي هاجر من البلاد قبل أن يتمكن من بيعها، فقررت أن أستثمرها، وأعمل أيضاً في خدمة توصيل الطلبات إلى المنازل مع إحدى الشركات، وقبل ذلك عملت ديلفري مأكولات، ولكن في حال هربت قد لا أتمكن من مزاولة هذه الأعمال بحكم أنني سأكون ملاحقا قانونيا، قد يتم توقيفي عند أي حاجز".

ويتابع "اليوم هناك العديد من الشركات والمؤسسات التي تسمح بتوظيف العسكريين لديها، من بينهم شركة التاكسي التي أعمل بها، لكن في حال الفرار قد يصبح وضعي القانوني عائقاً امام توظيفي في شركات من هذا النوع".

يذكر أن العمل في شركات التاكسي يشهد اقبالا كثيفا من فئة العسكريين، بكونه لا يتطلب معرفة محددة أو مهارات خاصة، بل يقتصر على القيادة ومعرفة الشوارع والطرقات، ومثلها أنواع عدة من الأعمال كخدمة التوصيل إلى المنازل، وأعمال التحميل والنقل، وتسويق البضائع والعلامات التجارية، فضلا عن الأعمال التجارية بشكل عام.

وفي هذا الإطار يقول رائد "هناك من بدأ خدمته العسكرية في عمر مبكر، أغلبهم من عمر 18 عاما، وبالتالي نشأوا وكبروا في المؤسسة العسكرية ولم يتعلموا أي مهنة أو مصلحة، اليوم ليس بيدهم أي خيار، لا يعرفون ماذا سيفعلون في الخارج، بعضهم خطط لكامل حياته على أساس راتبه وموعد تقاعده وسنين خدمته، رسمنا مستقبلا كاملاً انهارت كل أركانه بعد الأزمة وبتنا معلقين في الهواء لا نعلم ماذا سنفعل".

في رصيد رائد 10 سنوات من الخدمة، كان ينتظر مرور 8 سنوات إضافية لإتمام السنين اللازمة للتقاعد، "كل ذلك تبدد الآن أمام أعيني، فقدد مددت الدولة سنين التقاعد إلى 23 عاماً بدل 18، ومنعوا التسريح من الخدمة بسبب قرار منع التوظيف الجديد، للحفاظ على عديد العسكر، فيما يفرضون اليوم على الفارين الراغبين في الحصول على تسريحهم دفع مبلغ 600 دولار بدلاً من المصاريف اللوجستية التي صرفت عليهم من ملابس ومعدات، وفق ما يقولون".

ويتابع "العسكريون الذين فروا من الخدمة للحصول على 10 دولارات في اليوم، من أين سيؤمنون 600 دولار باتت اليوم بمثابة الحلم لهم؟ وهل سيفضلون تقديمها للسلطات بدلا من عائلاتهم الأكثر حاجة لهذه الأموال؟ هذه شروط تعجيزية وبدع جديدة تهدف إلى الحد من ظاهرة الفرار برأيي".

وتكاد تكون الوظائف الأمنية والعسكرية الأقل مردوداً بين كافة الأعمال والوظائف الحالية في البلاد، وصل الفقر والعوز بالعسكريين إلى بيع المساعدات الغذائية التي يحصلون عليها، والتجارة بالسلع التي يستفيدون من تخفيضات على ثمنها، حيث يتجهون بها إلى الأسواق لبيعها بسعر أعلى، فيما لم يوفر عدد كبير منهم عفش منازلهم ومقتنياتهم من البيع بعدما استنزفت الأزمة كل مدخراتهم وقدراتهم المالية.

ماذا عن الضوابط؟

يثير هذا الواقع مخاوف عدة يعبر عنها المراقبون في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، لاسيما لناحية ضرب "هيبة العسكر والدولة" بسبب عمل العسكريين ورجال الأمن لدى أرباب عمل بطريقة غير شرعية، فضلاً عن التأثير السلبي للأمر على معنويات العسكريين انفسهم، واندفاعهم في عملهم، حيث لن يجدوا في خدمتهم ما يستحق الدفاع عنه والتضحية في سبيله.

كذلك أثيرت تساؤلات حول ولاء العسكريين لمؤسساتهم الواقعة في العجز فيما شركات أخرى ومؤسسات خاصة تؤمن لهم تقديمات أكبر هم بأمس الحاجة إليها، مع ما يمثله ذلك من مخاطر قد لا تقتصر فقط على تضارب المصالح خلال تأدية الواجب. 

موقع الحرة حاول التواصل مع قيادة الجيش في هذا الشأن للوقوف على رأيها حول هذه الاستفهامات، والإجراءات الجديدة المتبعة لمواكبة تأثيرات الأزمة المعيشية على العسكريين، إلا أنها لم تقدم أي تعليق إلى حين إعداد هذا التقرير. 

وفي الإطار نفسه يؤكد المصدر الأمني أنه "لا مشكلة في المهن التي قد يلجأ إليها العناصر في هذه المرحلة، شرط أن لا يكون أي عمل ينطوي على مخالفة للقانون من جهة، أو تعارض مع وظيفته في قوى الأمن، كأن يعمل مثلاً في الحماية الأمنية لشخصيات أو مؤسسات أو أحزاب سياسية وما إلى ذلك، ما عدا ذلك لا مشكلة".

ويضيف "ما يجري حالياً هو نوع من التوزيع لوقت العناصر بين خدمته ومأذونيته التي يعمل خلالها، ويتم ذلك وفق الحاجة بالدرجة الأولى لضمان الجهوزية لدى الأجهزة الأمنية، وما بين دواعي العمل الثاني ومتطلباته، ويتم مراعاة الأوضاع الحالية في ذلك ومسايرة حاجات العناصر ومطالبهم".

ووفقا للمسؤول الأمني "هناك مساع دائمة ومتواصلة لتحسين أوضاع العناصر الأمنية، ويبذل المعنيون في هذا السبيل جهوداً كبيرة، وهناك اتصالات مستمرة من قيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية مع الجانب الحكومي من أجل تأمين الرواتب والتعويضات والمساعدات، كذلك تبذل جهود كبيرة مع الجهات المانحة في الخارج".

أما بالنسبة لنسب الفرار المسجلة والتي شهدت في السنوات الماضية ارتفاعا كبيرا، يؤكد المصدر الأمني أنها "لا تزال مقبولة نسبة للأوضاع الراهنة والتطورات الحاصلة في البلاد، ولم تصل إلى الخطورة التي يحكى عنها في الإعلام، حيث لا تزال كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية تمارس دورها وتحقق إنجازات أمنية نوعية واستباقية وتسهر على تطبيق القانون".

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".