تآكل مزايا الانضمام للجيش تدفع البعض للبحث عن وظائف أخرى. أرشيفية - تعبيرية
تآكل مزايا الانضمام للجيش تدفع البعض للبحث عن وظائف أخرى. أرشيفية - تعبيرية

"إن اعتمدت فقط على راتبي العسكري، أقسم انه لن يكفي لشراء شفرات لحلاقة ذقني فقط، سعر علبة الشفرات يصل إلى 10 دولارات، فيما راتبي الشهري بالليرة اللبنانية لا يتخطى 40 دولارا"، يقول "رائد" وهو عسكري في الجيش اللبناني يعمل اليوم سائق سيارة أجرة على أحد التطبيقات الخاصة في لبنان، إلى جانب خدمته العسكرية.

حاله حال معظم العسكريين ورجال الأمن في لبنان، أفرادا ورتباء وحتى ضباط، باتوا مضطرين اليوم للبحث عن عمل رديف لوظيفتهم الرسمية، التي ما عادت تؤمّن لهم أي مردود مادي يذكر، بعدما انهارت القيمة الشرائية للرواتب بالليرة اللبنانية بنسبة 95 في المئة، اثر الأزمة المالية المستمرة في البلاد منذ نحو 3 سنوات.

قبل الأزمة المالية، كان عمل رجال الأمن والعسكريين خارج نطاق خدمتهم، أمر مخالف للقانون يعرضهم للملاحقة القانونية وصولاً إلى حد الطرد من وظيفتهم، وهو حكم قانوني لا يزال قائما حتى اليوم، إلا أن "الضرورات تبيح المحظورات"، وفق ما يؤكد مصدر في الأمن اللبناني لموقع "الحرة".

ويضيف المسؤول الأمني الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن "الظروف الصعبة تفرض حكمها، فصحيح أن عمل رجال الأمن ممنوع بحسب القانون، لكن التسامح مفروض لضمان استمرارية العمل، بأبعاد إنسانية، أبرزها حماية عائلات هؤلاء من الوصول إلى الفقر المدقع بعدما بلغوا الفقر بالفعل خلال السنوات الماضية، هؤلاء العناصر عليهم مسؤوليات لتأمين استقرارهم الاجتماعي، وما زالوا رغم كل ما يجري من حولهم، صامدون في خدمتهم ويقومون بواجباتهم، وبالتالي هذا ما يجعل جميع الأجهزة الأمنية تتسامح مع الظاهرة في الوقت الحالي".

انعدام المحفزات

يأتي هذا الاستثناء في ظل اتجاه متزايد لدى العناصر الأمنية والعسكريين لترك وظائفهم والفرار من الخدمة، التي لم تعد مجدية بالنسبة لهم، لاسيما على الصعيد المادي، ما يهدد جهوزية الأجهزة الأمنية والعسكرية في لبنان واستمرارية قيامها بدورها، وسط تحديات أمامها تجاوزت العنصر البشري، ووصلت إلى حد العجز عن تأمين متطلبات العمل اللوجستية واللوازم الفنية، بعد انهيار قيمة الميزانيات المالية الحكومية المخصصة للأجهزة الأمنية والعسكرية في البلاد، على غرار كافة المؤسسات الحكومية.

وبعيدا عن البعد الوطني والواجب الذي تمثله الخدمة في الجيش أو الأجهزة الأمنية في لبنان، لطالما كان العمل في هذه المؤسسات يمثل وظيفة مرغوبة جدا في البلاد، كانت تؤمن مردودا ماليا مقبولا، بالإضافة إلى ضمان صحي شامل وتقديمات اجتماعية ومخصصات عائلية وتعليمية للمنتسب وعائلته، في بلد تعتبر الفاتورتان الصحية والتربوية من أعلى تكاليف الأسر السنوية. 

فضلا عن ذلك، كانت تمنح تلك الوظائف لأصحابها تسهيلات وأفضلية في الحصول على القروض المصرفية الشخصية وتخفيضات على أسعار المحروقات والسلع، وانتهاء بتعويض نهاية خدمة كبير نسبيا، ومعاش تقاعدي ثابت مدى الحياة، قد ينتقل بعدها للزوجة والأبناء، ما جعل الوظائف الأمنية والعسكرية ملجأ للكثير من اللبنانيين الذين ضاقت بهم سبل العيش لاسيما في المناطق الأقل إنماء، حيث ترتفع معدلات الفقر وتنخفض حظوظ العثور على وظائف. 

أما اليوم فقد تبخرت كل تلك المحفزات، وباتت بلا أي قيمة، لاسيما بعد تراجع قيمة التقديمات الصحية والتربوية، وانعدام القدرة على اللجوء إلى القروض المصرفية في ظل أزمة السيولة لدى المصارف اللبنانية، فضلاً عن تآكل الحقوق التقاعدية للموظفين والتي تظهر من خلال معاناة المتعاقدين الذين يتنقلون اليوم بين الاعتصامات والتظاهرات من أجل تحصين أبسط حقوقهم والاستحصال على رواتبهم.

اشتباكات بين جنود الجيش اللبناني وعسكريين متقاعدين أثناء محاولتهم اقتحام البرلمان في بيروت
للمرة الأولى.. متظاهرون يقتحمون ساحة مجلس النواب اللبناني
في سابقة هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في لبنان في العام 2019، تمكنت مجموعة من المتظاهرين ومعظمهم من العسكريين المتقاعدين، من اقتحام الساحات المحيطة بمجلس النواب اللبناني، وسط العاصمة اللبنانية بيروت.

ويقول محمد، (فضل استخدام اسمه الأول لتجنب أي ملاحقة)، وهو رقيب في قوى الأمن الداخلي، إن ما يبقيه في خدمته اليوم هو وضع والدته التي تعاني من مشاكل صحية، "الضمان الصحي لي ولوالدتي هو كل ما يعنيني اليوم، وإلا لكنت غادرت السلك الأمني منذ سنتين، لكني أخاف أن نقع في أي أزمة صحية تكلفني كل ما أملك من أموال فيما التطبب على حساب قوى الأمن لا يزال متاحاً اليوم رغم المشاكل الموجودة في هذا السياق لناحية تغطية الفروقات في التكاليف".

ومثل محمد، فإن كثيرا من العناصر والجنود المستمرين في خدمتهم حاليا، ممن تحدث إليهم موقع "الحرة"، يهدفون فقط للاستفادة من التأمين الصحي والتقديمات التربوية التي توفرها وظيفتهم، وذلك بدافع الحرص على عائلاتهم في ظل الأوضاع التي يعيشها لبنان، فيما لا تشكل رواتبهم أي حافز لهم، فبعضهم يعتمد على ما يتقنه من حرفة أو عمل، وبعضهم الآخر اتجه نحو الأعمال البسيطة لتأمين المال اللازم.

من الأمن إلى السوق السوداء

يعمل محمد اليوم كصراف للعملة في السوق السوداء، يبيع ويشتري الدولارات وفق حركة السوق ليحقق من تباين أسعار الصرف أرباحا مالية تؤمن له مردودا يفوق ما يحصل عليه في وظيفته بعشرات الأضعاف، وفق ما يروي لموقع "الحرة".

بدأ عمله منذ بداية الانهيار عام 2020، "انطلقت برأسمال صغير، حين ينخفض الدولار أشتريه، وأبيعه حين ترتفع قيمته أمام الليرة، ثم استخدم الأرباح لزيادة رأسمالي، انتقلت فيما بعد من المبالغ الصغيرة إلى صفقات تصريف أكبر، وتأمين طلبات مبالغ كبيرة من الدولار أو من الليرة للشركات والصرافين، حسب حاجة السوق".

تطور عمل محمد فيما بعد للعمل في تصريف الشيكات المصرفية للأموال العالقة في المصارف، "كونت رأسمالا آخر داخل المصرف عبر الشيكات المودعة، واستفدت منهم عبر السحوبات الشهرية المسموحة بالدولار، وهكذا أصبحت في مهنة أخرى جديدة كليا علي، جعلتني بغنى تماما عن راتبي الوظيفي في قوى الأمن".

ومع ذلك لا يزال مستمرا في خدمته التي انخفض عدد ساعاتها وباتت أكثر ليونة لتتناسب مع عمله الجديد، يقول: "حاليا بصراحة لا يتعبني العمل في قوى الأمن، ولا يأخذ من وقتي كثيرا ولا يعطل عملي الثاني، لذا استمر فيه، ولدي أمل أن الأوضاع قد تشهد تحسناً، كما أنني خدمت 21 عاماً في قوى الأمن، ولا يزال أمامي عامان فقط للتقاعد، لا أريد تفويت كل ذلك وخسارة سنين عمري التي استثمرتها".

يؤكد الرتيب في قوى الأمن الداخلي أن جميع زملائه في الخدمة اليوم يقومون بأعمال رديفة، "لم يعد هناك عسكري واحد أو رجل أمن يعتمد على راتبه، فذلك غير ممكن حسابياً في ظل انهيار قيمة الرواتب، من يستطيع العيش بأقل من ٥٠ دولاراً في الشهر في لبنان؟".

ويبلغ راتب محمد اليوم مليون و700 ألف ليرة، ويصل بالحد الأقصى إلى نحو مليونين ونصف مع المساعدات التي تقدم حاليا، وهو ما يساوي نحو 50 دولاراً في المحصلة، ومع ذلك فإن هذا المبلغ ليس ثابتا، بل يتغير حسب الأشهر وحسب صرف المساعدات من ناحية الحكومة، "حتى الزيادة التي انتظرناها لعام كامل لم يوقع عليها رئيس الجمهورية في نهاية الأمر، ولم يصلنا شيء منها، في حين أن بعض الزملاء استدانوا أموالاً على أساس أن هذه الزيادة ستصل ووقعوا في ضائقة مالية أكبر".

بلغ محمد مرحلة ينسى فيها سحب راتبه الشهري من قوى الأمن "آخر همي المعاش اليوم، أحيانا يمر كل الشهر واحيانا أتذكر في منتصف الشهر، حتى حين أسحب الأموال أسحبها وأتوجه إلى محطة المحروقات، أشتري بهم صفيحتين بنزين للسيارة واتابع جولات الصرافة".

"التوك توك" أربح

فضل (32 عاما)، عسكري في الجيش اللبناني، دفعه الفقر والعوز إلى اللجوء لأعمال رديفة أخرى، تهون عليه الضائقة التي نشأت عن الأزمة المالية في السنوات الماضية. يروي لموقع "الحرة" كيف بدأ العمل بأي شيء يؤمن له مبلغاً يومياً إضافياً، "مرة في الباطون والعمار، ومرة أخرى في العتالة والتحميل، عملت بمواسم الزرع في القطاف أيضاً، إلى أن نجحت في استدانة مبلغ مالي صغير اشتريت منه "توك توك" وبدأت العمل عليه".

حول فضل "التوك توك" إلى ما يشبه سيارة أجرة، ينقل عبره أبناء بلدته منها وإليها، ضمن نطاق القرى المحيطة، ويتقاضى لقاء ذلك مبالغ مالية أقل من تلك التي تتقاضاها سيارات الأجرة العاملة في المنطقة، وبات يشهد إقبالا متزايدا، في ظل ارتفاع تكاليف النقل بشكل هائل في لبنان، كما بدأ يعمل في تصليح الدراجات النارية والتجارة بها.

تابع فضل التوفيق بين خدمته العسكرية وعمله الجديد إلى أن وقعت الخسارة، "اضطررت للتفرغ للأعمال التي أقوم بها وترك الخدمة العسكرية نهائياً، فحتى الأيام التي أذهب بها إلى الخدمة أتكبد فيها خسائر كبيرة ثمن مواصلات ومصاريف، فضلاً عن عدم قدرتي على تأمين الأموال التي يؤمنها لي عملي الثاني، وبالتالي الأيام الأربعة التي أخدم بها، إن عملت في الخارج بدلاً منها أستطيع تأمين راتب شهر كامل".

ويضيف "لم تعد الأمور تسير وفق المقدور عليه، فلدي طفل حديث الولادة، ومتطلباته كثيرة فيما الأسعار ملتهبة، بات تفرغي لعمل مجد مالياً لا مفر منه لتأمين حاجات عائلتي. وصلت إلى مرحلة أعمل طيلة النهار ولا أؤمن ثمن علبة حليب واحدة، فما بالك عن الأكل والشرب، واليوم عدنا إلى التدفئة، العام الماضي سكنت لدى عائلة زوجتي حتى نتمكن من الاستمرار، قطعت اشتراكات الكهرباء عن منزلي لعجزي عن تسديد الفواتير، وصلت إلى مراحل فقر مخيفة، لم يعد أمامي أي حل، وصلت إلى مرحلة ينقسم فيها أسبوعي إلى ٤ أيام من الفقر والجوع والعوز، و٣ أيام من العمل التي أتمكن فيها من إحضار الحليب والحفاضات والطعام".

يعبر فضل عن خوف كبير يتملكه بسبب خسارته للضمان الصحي الذي تؤمنه الوظيفة العسكرية، "ولكن الواقع أوصلني إلى خيارين أحلاهما مر، فإما المخاطرة بالحاضر وبالموت جوعاً، أو المخاطرة بالمستقبل وما قد يحمله ويتطلب تأمينا صحياً، كنت بين السيئ والأسوأ، في حين كل الوعود التي تلقيناها طيلة الأعوام الماضية بتحسين الأوضاع وتأمين مساعدات وزيادة رواتب وتقديم محروقات للتدفئة، كان كله كلام في الهواء لم يصلنا أي شيء وبقينا ننتظر دون جدوى".

في ظل الأوضاع الحالية، لا يفكر فضل بالعودة إلى الجيش مرة أخرى، "لا أخفي أنني أتمنى ذلك، أن تتحسن الأوضاع والتقديمات بما يكفي لحياة كريمة، أما الآن فليس لدي هذا الخيار أصلا، ومن لا يزال في الخدمة حالياً إما انه لا يملك أي خيار للعمل في خارج السلك العسكري، أو أن وضعه الصحي لا يسمح له، هناك أيضاً كبار في السن وقدماء في الخدمة بقي لهم سنوات محدودة للتقاعد يفضلون الاستمرار كي لا يخسروا كل ما راكموه من سنين".

معلقون في الهواء

"رائد" الذي اختار اسما مستعارا بكونه لا يزال عسكريا في الجيش، يخشى الإقدام على خطوة الفرار من ناحيته، رغم إيمانه بعدم جدوى البقاء في الخدمة العسكرية كوظيفة آمنة، ويضيف "الآن يتيح لي وضعي العمل على سيارة أجرة، تعود لعديلي  الذي هاجر من البلاد قبل أن يتمكن من بيعها، فقررت أن أستثمرها، وأعمل أيضاً في خدمة توصيل الطلبات إلى المنازل مع إحدى الشركات، وقبل ذلك عملت ديلفري مأكولات، ولكن في حال هربت قد لا أتمكن من مزاولة هذه الأعمال بحكم أنني سأكون ملاحقا قانونيا، قد يتم توقيفي عند أي حاجز".

ويتابع "اليوم هناك العديد من الشركات والمؤسسات التي تسمح بتوظيف العسكريين لديها، من بينهم شركة التاكسي التي أعمل بها، لكن في حال الفرار قد يصبح وضعي القانوني عائقاً امام توظيفي في شركات من هذا النوع".

يذكر أن العمل في شركات التاكسي يشهد اقبالا كثيفا من فئة العسكريين، بكونه لا يتطلب معرفة محددة أو مهارات خاصة، بل يقتصر على القيادة ومعرفة الشوارع والطرقات، ومثلها أنواع عدة من الأعمال كخدمة التوصيل إلى المنازل، وأعمال التحميل والنقل، وتسويق البضائع والعلامات التجارية، فضلا عن الأعمال التجارية بشكل عام.

وفي هذا الإطار يقول رائد "هناك من بدأ خدمته العسكرية في عمر مبكر، أغلبهم من عمر 18 عاما، وبالتالي نشأوا وكبروا في المؤسسة العسكرية ولم يتعلموا أي مهنة أو مصلحة، اليوم ليس بيدهم أي خيار، لا يعرفون ماذا سيفعلون في الخارج، بعضهم خطط لكامل حياته على أساس راتبه وموعد تقاعده وسنين خدمته، رسمنا مستقبلا كاملاً انهارت كل أركانه بعد الأزمة وبتنا معلقين في الهواء لا نعلم ماذا سنفعل".

في رصيد رائد 10 سنوات من الخدمة، كان ينتظر مرور 8 سنوات إضافية لإتمام السنين اللازمة للتقاعد، "كل ذلك تبدد الآن أمام أعيني، فقدد مددت الدولة سنين التقاعد إلى 23 عاماً بدل 18، ومنعوا التسريح من الخدمة بسبب قرار منع التوظيف الجديد، للحفاظ على عديد العسكر، فيما يفرضون اليوم على الفارين الراغبين في الحصول على تسريحهم دفع مبلغ 600 دولار بدلاً من المصاريف اللوجستية التي صرفت عليهم من ملابس ومعدات، وفق ما يقولون".

ويتابع "العسكريون الذين فروا من الخدمة للحصول على 10 دولارات في اليوم، من أين سيؤمنون 600 دولار باتت اليوم بمثابة الحلم لهم؟ وهل سيفضلون تقديمها للسلطات بدلا من عائلاتهم الأكثر حاجة لهذه الأموال؟ هذه شروط تعجيزية وبدع جديدة تهدف إلى الحد من ظاهرة الفرار برأيي".

وتكاد تكون الوظائف الأمنية والعسكرية الأقل مردوداً بين كافة الأعمال والوظائف الحالية في البلاد، وصل الفقر والعوز بالعسكريين إلى بيع المساعدات الغذائية التي يحصلون عليها، والتجارة بالسلع التي يستفيدون من تخفيضات على ثمنها، حيث يتجهون بها إلى الأسواق لبيعها بسعر أعلى، فيما لم يوفر عدد كبير منهم عفش منازلهم ومقتنياتهم من البيع بعدما استنزفت الأزمة كل مدخراتهم وقدراتهم المالية.

ماذا عن الضوابط؟

يثير هذا الواقع مخاوف عدة يعبر عنها المراقبون في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، لاسيما لناحية ضرب "هيبة العسكر والدولة" بسبب عمل العسكريين ورجال الأمن لدى أرباب عمل بطريقة غير شرعية، فضلاً عن التأثير السلبي للأمر على معنويات العسكريين انفسهم، واندفاعهم في عملهم، حيث لن يجدوا في خدمتهم ما يستحق الدفاع عنه والتضحية في سبيله.

كذلك أثيرت تساؤلات حول ولاء العسكريين لمؤسساتهم الواقعة في العجز فيما شركات أخرى ومؤسسات خاصة تؤمن لهم تقديمات أكبر هم بأمس الحاجة إليها، مع ما يمثله ذلك من مخاطر قد لا تقتصر فقط على تضارب المصالح خلال تأدية الواجب. 

موقع الحرة حاول التواصل مع قيادة الجيش في هذا الشأن للوقوف على رأيها حول هذه الاستفهامات، والإجراءات الجديدة المتبعة لمواكبة تأثيرات الأزمة المعيشية على العسكريين، إلا أنها لم تقدم أي تعليق إلى حين إعداد هذا التقرير. 

وفي الإطار نفسه يؤكد المصدر الأمني أنه "لا مشكلة في المهن التي قد يلجأ إليها العناصر في هذه المرحلة، شرط أن لا يكون أي عمل ينطوي على مخالفة للقانون من جهة، أو تعارض مع وظيفته في قوى الأمن، كأن يعمل مثلاً في الحماية الأمنية لشخصيات أو مؤسسات أو أحزاب سياسية وما إلى ذلك، ما عدا ذلك لا مشكلة".

ويضيف "ما يجري حالياً هو نوع من التوزيع لوقت العناصر بين خدمته ومأذونيته التي يعمل خلالها، ويتم ذلك وفق الحاجة بالدرجة الأولى لضمان الجهوزية لدى الأجهزة الأمنية، وما بين دواعي العمل الثاني ومتطلباته، ويتم مراعاة الأوضاع الحالية في ذلك ومسايرة حاجات العناصر ومطالبهم".

ووفقا للمسؤول الأمني "هناك مساع دائمة ومتواصلة لتحسين أوضاع العناصر الأمنية، ويبذل المعنيون في هذا السبيل جهوداً كبيرة، وهناك اتصالات مستمرة من قيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية مع الجانب الحكومي من أجل تأمين الرواتب والتعويضات والمساعدات، كذلك تبذل جهود كبيرة مع الجهات المانحة في الخارج".

أما بالنسبة لنسب الفرار المسجلة والتي شهدت في السنوات الماضية ارتفاعا كبيرا، يؤكد المصدر الأمني أنها "لا تزال مقبولة نسبة للأوضاع الراهنة والتطورات الحاصلة في البلاد، ولم تصل إلى الخطورة التي يحكى عنها في الإعلام، حيث لا تزال كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية تمارس دورها وتحقق إنجازات أمنية نوعية واستباقية وتسهر على تطبيق القانون".

حرب السودان

لعقود طويلة، كانت حروب الوكالة ـ ولا تزال ـ حيزا غامضا تتحرك فيه الدول لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من دون الانخراط المباشر في أعمال عسكرية واسعة النطاق.

لكن هذا الحيز الرمادي ـ ثمة احتمالات ولو ضعيفة ـ قد يتقلّص، إذ تعيد دعوى قضائية جديدة النقاش حول إمكانية تجريم المشاركة ـ ولو عن بُعد ـ في جرائم الحرب. 

السودان ضد الإمارات

يقاضي السودان دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة تأجيج نزاع داخلي، من دون أن تنشر الدولة الخليجية قواتها على الأراضي السودانية.

يزعم السودان أن الإمارات متواطئة ـ بتقديم دعم مالي وسياسي وعسكري ـ في "إبادة جماعية" ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع بحق قبيلة المساليت في غرب دارفور، نوفمبر 2023.

القضية "غير مسبوقة في نطاق القانون الدولي"، يقول لموقع "الحرة" عبدالخالق الشايب، وهو مستشار قانوني وباحث في جامعة هارفارد. 

وإذا قضت المحكمة لصالح السودان، فيسكون الحكم ـ بدوره ـ "سابقة قانونية" تُحمّل فيها دولة المسؤولية القانونية عن حرب بالوكالة، خاضتها عن بُعد. 

وسيوفر الحكم أساسا لمساءلة الدول عن حروب الوكالة، وإعادة تقييم مبدأ عدم التدخل في سياق الحروب غير المباشرة. 

يقول خبراء قانون لموقع "الحرة"، إن قضية السودان ـ إذا نجحت ـ ستؤدي إلى إعادة النظر في أدق التحفظات المتعلقة بالمادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، خصوصا عندما تكون هناك ادعاءات بارتكاب إبادة جماعية. 

وقد تفقد الدول ـ نتيجة لذلك ـ القدرة على حماية نفسها من اختصاص المحكمة في مثل هذه القضايا. 

ومن تداعيات القضية ـ إذا قررت محكمة العدل الدولية البت فيها ـ إعادة تفسير اتفاقية الإبادة الجماعية لتشمل حالات التورط غير المباشر أو التواطؤ في جرائم الحرب.

حروب الوكالة

في حديث مع موقع "الحرة"، تقول ريبيكا هاملتون، أستاذة القانون الدولي في الجامعة الأميركية في واشنطن، إن مفهوم الحرب بالوكالة يتبدى عندما تتصرف دولة كراع وتدعم طرفا آخر في ارتكاب أفعال خاطئة.

ورغم أن حروب الوكالة تبدو ظاهرة حديثة، فلها تاريخ طويل ومعقّد.

تُعرّف بأنها صراعات تقوم فيها قوة كبرى ـ عالمية أو إقليمية ـ بتحريض طرف معين أو دعمه أو توجيهه، بينما تظل هي بعيدة، أو منخرطة بشكل محدود في القتال على الأرض.

تختلف حروب الوكالة عن الحروب التقليدية في أن الأخيرة تتحمل فيها الدول العبء الأكبر في القتال الفعلي، وعن التحالفات التي تساهم فيها القوى الكبرى والصغرى حسب قدراتها.

وتُعرف حروب الوكالة أيضا بأنها تدخّل طرف ثالث في حرب قائمة. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الأطراف الثالثة لا تشارك في القتال المباشر بشكل كبير، ما يتيح لها المنافسة على النفوذ والموارد باستخدام المساعدات العسكرية والتدريب والدعم الاقتصادي والعمليات العسكرية المحدودة من خلال وكلاء.

من الإمبراطورية البيزنطية إلى سوريا

يعود تاريخ الحروب بالوكالة إلى عصور قديمة، فقد استخدمت الإمبراطورية البيزنطية استراتيجيات لإشعال النزاعات بين الجماعات المتنافسة في الدول المجاورة، ودعمت الأقوى بينها.

وخلال الحرب العالمية الأولى، دعمت بريطانيا وفرنسا الثورة العربية ضد الدولة العثمانية بطريقة مشابهة. وكانت الحرب الأهلية الإسبانية ساحة صراع بالوكالة بين الجمهوريين المدعومين من الاتحاد السوفيتي والقوميين المدعومين من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وخلال الحرب الباردة، أصبحت الحروب بالوكالة وسيلة مقبولة للتنافس على النفوذ العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تجنبا لاحتمال نشوب حرب نووية كارثية.

ومن أبرز الأمثلة: الحرب الكورية، حرب فيتنام، الغزو السوفيتي لأفغانستان، والحرب الأهلية في أنغولا. استمرت هذه الحروب حتى القرن الحادي والعشرين. وتُعد الحرب في اليمن مثالا واضحا لحروب الوكالة، حيث تدعم إيران الحوثيين بينما تدعم السعودية وحلفاؤها الحكومة اليمنية.

وأظهر الصراع في سورية قبل سقوط نظام بشار الأسد مثالا صارخا لحروب الوكالة في عصرنا، من خلال تدخل روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا دعما لفصائل مختلفة.

قضية السودان ضد الإمارات قد تدفع دولا أخرى إلى التفكير باللجوء  إلى محكمة العدل الدولية في دعاوى مماثلة، ولكن!

الإبادة الجماعية؟ 

لا تتعلق دعوى السودان بحروب الوكالة تحديدا، يؤكد الخبراء، بل تستند إلى اتفاقية "منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة المتورطين فيها".

تدّعي الخرطوم أن ميليشيات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بينها القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري للسكان غير العرب، وتزعم أن تلك الجرائم ما كانت لتحدث لولا الدعم الإماراتي، بما في ذلك شحنات الأسلحة عبر مطار أمجاراس في تشاد.

"يحاول السودان أن يثبت دور دولة أخرى غير المباشر في ارتكاب قوات عسكرية أو ميلشيا تحارب في السودان إبادة جماعية"، يقول الخبيرة عبدالخالق الشايب.

"أساس القضية،" يضيف، "المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".

رغم أن كلّا من الخرطوم وأبوظبي من الموقعين على الاتفاقية، تعتقد هاملتون أن من غير المحتمل أن يتم البت في هذه القضية، إذ إن "محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها".

"عند توقيعها على اتفاقية الإبادة الجماعية،" تتابع هاميلتون، "أكدت الإمارات أنها لم تمنح محكمة العدل الدولية السلطة للفصل في النزاعات التي قد تنشأ بينها وبين دول أخرى بشأن هذه الاتفاقية".

ويلفت ناصر أمين، وهو محام مختص بالقضايا الدولية، إلى أن النزاع القائم في السودان يُعتبر وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني نزاعا مسلحا داخليا، إلى أن تثبت الخرطوم بأن هناك تدخلا من إحدى الدول لصالح أحد أطراف النزاع داخليا".

"وهذا يحكمه بروتوكول ملحق باتفاقيات جنيف أو بالقانون الدولي الإنساني المذكور في المادة 3 من البروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف المنعقدة عام 1929،" يضيف.

تنص المادة الثالثة على أن أحكام هذه الاتفاقية لا تسمح لأي دولة أن تتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة أخرى أو أن تمارس أي أعمال داعمة لأي فصيل متنازع أو متصارع. 

"على السودان أن يثبت أمام محكمة العدل الدولية أن هناك خرقا حدث للمادة 3 من البروتوكول"، يوضح.

لم يرد المركز الإعلامي، لسفارة الإمارات في واشنطن، على طلب للتعليق بعثه موقع "الحرة" عبر البريد الإلكتروني.

نقاط القوة والضعف

وتقول ربيكا هاملتون "من المؤسف" أنه من غير المحتمل أن تُرفع هذه القضية، حيث إن محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها.

ويشير الباحث القانوني، عبدالخالق الشايب، إلى أن قضية السودان ضد الإمارات "يبقى التعامل معها متعلقا بوكالات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن تحديدا".

لكن هاملتون تقول إن هناك مجموعة من القوانين الدولية التي تحظر حروب الوكالة، لكن "التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إنفاذ هذه القوانين".

"سابقة".. حتى لو تعثرت؟

أن تتعثر قضية السودان ضد الإمارات ـ بسبب الاختصاص القضائي ـ أمر وارد، لكنها تبقى، وفق خبراء في القانون، "ذات دلالة رمزية كبيرة".

"بغض النظر عن نتيجتها،" تقول أستاذة القانون الدولي ربيكا هاملتون، لموقع "الحرة"،  "تمثل القضية محاولة جريئة من دولة ممزقة بالصراعات لتوسيع مفهوم المساءلة عن ممارسات الحرب الحديثة".

وحتى إن رفضت محكمة العدل الدولية النظر في الدعوى، فإن القضية تضيّق الحيز الرمادي الفاصل بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية غير المباشرة عن جرائم الحرب.

في تصريحات لموقع "JUST SECURITY"، يشير خبراء قانون إلى أن صدور حكم لصالح السودان ـ حتى وإن كان ذلك غير مرجح ـ قد يؤدي إلى إعادة تقييم شاملة للمعايير القانونية الدولية المتعلقة بتواطؤ الدول وتدخلها. 

قبول الدعوى قد يدفع القانون الدولي إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لحروب الوكالة الحديثة — سواء خيضت بجنود على الأرض، أو من خلال دعم مالي وعسكري عن بُعد.