صورة أرشيفية لاحتجاج قرب البرلمان اللبناني
صورة أرشيفية لاحتجاج قرب البرلمان اللبناني

"كيف لم ينفجر حتى الآن؟" يسأل وزير الداخلية اللبناني السابق مروان شربل في معرض ابداء استغرابه من الوضع الأمني المتماسك حتى الآن في لبنان، ويضيف "يكاد الأمر لا يصدق، أي بلد في العالم يشهد اجتماعياً ومعيشيا وسياسياً ما يشهده لبنان، ولا ينفجر؟". 

ولكن الانفجار لا يبدو بعيداً إلى هذا الحد مؤخراً، إذ يتصدر هاجس الأمن الاجتماعي اهتمامات المراقبين للساحة اللبنانية المتداعية بفعل الأزمة المالية والسياسية التي تعيشها البلاد. لاسيما وأن المواطن اللبناني تحديداً يدفع الثمن الأكبر للتخبط الحاصل، ويتكبد ما ينتج عنه من صعوبات حياتية ومعيشية وأثمان مادية ومعنوية باهظة.

وبفعل الاحتقان والضغط السائد، والآخذ بالازدياد، بات الانفجار الاجتماعي، نتيجة تتوقعها أعلى المراجع الأمنية في البلاد، وتحذر منها التقارير الدولية التي ترصد أحوال لبنان وسكانه، خاصة وأنه ما من إجراءات حكومية أو سياسية تتخذ في سبيل كبح الانهيار، فيما كل متطلبات الانفجار باتت متوفرة على الساحة اللبنانية.

الضغط يرتفع

الدولار سجل بالأمس رقماً قياسيا جديداً أمام الليرة اللبنانية، بسعر صرف تخطى الـ 43 ألف ليرة، فيما التوقعات تشير إلى مزيد من التراجع للعملة المحلية التي تصرف عبرها رواتب الموظفين في القطاع العام، والنسبة الأكبر من موظفي القطاع الخاص، فضلاً عن الموازنات الإدارية والحكومية، التي تمول نشاط وعمل الإدارات والأجهزة الرسمية في البلاد.

في المقابل، أسواق البلاد تسير وفق سعر الدولار، كذلك كافة المتطلبات الحياتية، ما انعكس ارتفاعاً هائلاً في أسعار السلع والخدمات، وفاقم الأزمة المعيشية على المواطنين الذين يواجهون عجزاً تاماً عن تأمين احتياجاتهم، في ظل ارتفاع متزايد لنسب البطالة تقارب الـ 40 في المئة وفق التقديرات.

ومن المتوقع أن يزداد الضغط المعيشي على سكان البلاد، نتيجة حزمة ضرائب تستعد السلطات لإقرارها، بدأت من رفع تعرفة الاتصالات الخليوية، وستمتد على قطاع الكهرباء الذي لا يؤمن أكثر من تغذية ساعتين في اليوم، كما من المتوقع أن ترتفع أسعار السلع والمواد الغذائية والبضائع المستوردة ما بين 20 و50 في المئة خلال الأشهر المقبلة مع إقرار "الدولار الجمركي" الذي سيرفع نسبة الرسوم على واردات البلاد، التي تشكل 80 في المئة من حاجاتها.

وفي هذا السياق أعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش'' في تقرير نشرته مطلع الأسبوع أن "غالبية سكان لبنان عاجزون عن تأمين حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية وسط أزمة اقتصادية متفاقمة، حيث تتحمل الأسر ذات الدخل المحدود العبء الأكبر.

وحضت الحكومة اللبنانية والبنك الدولي على اتخاذ إجراءات عاجلة للاستثمار في نظام حماية اجتماعية قائم على الحقوق ويضمن مستوى معيشيا لائقا للجميع، مشيرة إلى أكثر من نصف اللبنانيين منذ ما قبل الأزمة المالية، لم يحصلوا على أي نوع من الحماية الاجتماعية، فيما النسبة اليوم أكبر بكثير.

 كل ذلك يضاف إليه إعلان عن إعادة جدولة لنسب الضرائب على موظفي القطاع الخاص، أثار في الأسابيع الماضية غضباً شعبياً عارما، وصل إلى حد إصدار دعوات لعودة التحركات الاحتجاجية في الشارع فيما لو فرضت الضرائب التي أقرتها وزارة المالية، والتي تقتطع نسب كبيرة من الرواتب دون أي مقابل.

أما على المقلب السياسي، فالأمور تراوح مكانها، حيث الفراغ الرئاسي سيد الموقف، ولا أمل في الأفق من وصول الأطراف السياسية الممثلة في المجلس النيابي إلى أي اتفاق على اسم رئيس جمهورية، فيما حكومة تصريف الأعمال التي يترأسها نجيب ميقاتي، تفتقد إلى الصلاحيات لممارسة أي مهمات إنقاذية من الواقع الحالي.

 ويزيد الانقسام، الجدل الدستوري والميثاقي الدائر حول ممارسة حكومة تصريف الأعمال لمهامها ومهام رئيس الجمهورية في غيابه، وهو ما ترك توترا طائفياً في البلاد، بين بعض الأحزاب السياسية المسيحية والإسلامية، يزيد من تأزيم الوضع ويهدد بصدامات غب الطلب السياسي.

الانفجار قادم.. عاجلا أم آجلا

هذا الواقع دفع بمدير عام جهاز الأمن العام في لبنان، اللواء عباس إبراهيم إلى التحذير من أن "المجد الموروث أستبيح وأوشك ان يتهدم" في إشارة إلى لبنان، وذلك نتيجة فقدان "اكتمال الإطار الدستوري والمؤسساتي وانتظامه تحت قبة القانون الذي يضمن العدالة والمساواة لجميع اللبنانيين."

تحذيرات إبراهيم جاءت خلال زيارة له للرابطة المارونية في لبنان، أكد فيها أن "الخطر الداهم يتهدد لبنان"، مضيفاً أن "لا استقرار على المستوى الأمني إلا بشرطين: الاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي، وإن سبب عدم الاستقرار السياسي مرده الى الخلافات المستشرية في الداخل اللبناني، والنكايات المتبادلة بين الأفرقاء السياسيين".

 ونبه إلى أن الأمور ستتجه نحو الأسوأ في حال لم يتم انتخاب رئيس للجمهورية، وأن القطاع الأمني هو من أكثر القطاعات تأثرا، وأن الأوضاع آخذة في التفاقم، مشدداً على أن الوضع الاجتماعي سينفجر آجلا أو عاجلا. ويجب تدارك الأمر بعمل مكثف وجاد في كل الاتجاهات". 

تحذيرات جاءت بمثابة جرس إنذار، مبني على معطيات، لاسيما وان القيادات الأمنية في البلاد دائما ما تنتهج التطمين في خطابها العام، ما يجعل التحذيرات من هذا النوع موضع قلق وارتياب مما قد تحمله الفترة المقبلة من توترات اجتماعية، بدأت تظهر على شكل جرائم وسرقات وأحداث فريدة، ما كانت تشهدها البلاد من قبل.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب والصحافي اللبناني غسان جواد أن جهاز "الأمن العام"، على تماس مباشر ويومي مع الناس، وبالتالي "يستطيع أن يقوم بتقدير الموقف اجتماعيا بكونه جهازا أمنيا ومدنيا وسياسيا، ولديه معلومات حول المجتمع، وحول الواقع الاجتماعي، ما يسمح له بتقدير الموقف انطلاقا من المعطيات والأرقام التي لديه."

وعليه، يضيف جواد، "إذا ما استمر استعصاء الحلول الداخلية، وتصعيبها من الخارج، فيما يتوسع خط الفقر ليشمل فئات اجتماعية جديدة، فمن المتوقع أن يصل البلد إلى مرحلة لا تستطيع الناس احتمالها".

حينها يمكن لأي شرارة، وفق ما يقول جواد لموقع "الحرة"، أن تؤدي إلى عودة الاحتجاجات والفوضى الاجتماعية، "ليبقى السؤال حول الحجم الذي قد تبلغه هذه الاحتجاجات وقدرة ما تبقى من مؤسسات حكومية لبنانية على التعامل معها".

الانفجار قائم بالفعل

إلا أن ما تشهده البلاد بشكل شبه يومي من أحداث وتوترات متنقلة بين المناطق، والتي تتخذ بمعظمها طابعاً فردياً، تدفع الكثيرين إلى اعتبار أن الفوضى الاجتماعية باتت أمرا واقعاً وقائما في البلاد.

آخر تلك الأحداث شهدها لبنان أمس الأربعاء، مع اعتداء مسلح سجلته الكاميرات لأحد المواطنين الذي أقدم على إطلاق النار من مسدسه الحربي على مواطن آخر في مدينة طرابلس، على خلفية أفضلية مرور في الشارع، فكان خير تجسيد للانفلات الذي تشهده الساحة اللبنانية، وحجم التوتر الذي يعيشه السكان.

عناصر من الشرطة اللبنانية -أرشيف
لبنان.. فيديو يوثق إطلاق رصاص على رأس سائق بسبب خلاف مروري
أثار مقطع مصور يظهر عملية قتل راكب دارجة نارية في لبنان لسائق سيارة بسبب خلاف بسيط على أفضلية المرور غضب الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، داعين إلى ضبط حالة انفلات السلاح الفردي المنتشر بين سكان البلاد بشكل كبير.

وفي ليل اليوم نفسه، شهد لبنان واقعة اعتداء مسلح آخر على دورية لليونيفل جنوب لبنان خلال قيامها بمهمتها متوجهة إلى العاصمة بيروت، الأمر الذي أدى إلى مقتل عنصر من الكتيبة الإيرلندية وجرح 3 عناصر آخرين، ما عزز من مخاوف الناس والقلق العام على اتجاه البلاد.

في هذا السياق يرى النائب اللبناني أشرف ريفي، الذي شغل سابقاً منصب المدير العام لقوى الأمن الداخلي، أن لبنان يعيش حاليا الانفجار الاجتماعي، وهو يترجم بأحداث أمنية متفرقة كالتي نشهدها حالياً."

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن مجموعة تلك الأحداث المتفرقة تعكس حالة اجتماعية بحد ذاتها غير مقبولة ولا يتحملها البلد." متوقعاً أن تشهد البلاد هذا النوع من الأحداث بوتيرة أكبر، كلما طال أمد الأزمة دون حلول.

تقدير يتوافق مع ما يراه جواد من ناحيته في حديثه لموقع "الحرة"، إذ يعتبر أن مشهد الفوضى الاجتماعية والانفجار في لبنان بدأ بالفعل، "حين نرى إشكالات وقتل على أتفه الأسباب، نكون دخلنا بالفعل بالفوضى الاجتماعية، فالناس بلغت مراحل توتر تؤدي بها إلى عدم تحمل أي موقف، دون اللجوء إلى العنف."

ويشير الكاتب السياسي اللبناني إلى إمكانية تجدد التظاهرات والاحتجاجات، "أو قد نشهد هجمات على أملاك عامة، ومؤسسات الدولة ووزارات من قبل محتجين، فضلاً عن ارتفاع نسب الجريمة والسرقات والخطف، وتبدل شكل الجرائم وأساليبها، وهذه من ملامح الفوضى الاجتماعية التي بدأنا نراها بالفعل."

لكن الأخطر بحسب جواد، إذا ما استمر الضغط على الناس ورواتبهم وما تبقى من طبقة وسطى في البلاد، حينها قد يصل لبنان إلى "الفوضى العارمة، وهذا ما يجري التحذير منه، حيث قد نشهد أشكالاً أخرى من الانفجار الاجتماعي كتقطيع الطرقات والاعتداء على الناس وأرزاقهم، وهناك كثير من السيناريوهات التي لا يتمناها أحد". 

وتسجل القوى الأمنية اللبنانية نسب مرتفعة لجرائم السرقة والسلب وسرقة السيارات واقتحام الممتلكات وغيرها من الجرائم المرتبطة بالأزمة والواقع المعيشي، مقابل تراجع لأنواع أخرى من الجرائم، كما سجل ارتفاع ملحوظ في نسب عمليات الخطف ولاسيما الخطف مقابل فدية، الذي تنتهجه عصابات منظمة من أجل تحصيل الأموال.

المشكلة تتفاقم.. والحل سياسي

ويتفق المراقبون على أن الحل الرئيسي في البلاد ينتج سياسياً، ويرى ريفي في هذا السياق أن التأثيرات الاجتماعية هي المحرك الأكبر لهذه الفوضى التي يشهدها لبنان. ولكنه يشدد على أن أصل المشكلة في البلاد سياسي، "فكل الأمور في لبنان تبدأ من السياسة وتنعكس على صعد أخرى، المنظومة التي تقود البلاد اليوم، هي السبب الرئيسي فيما وصلنا إليه من انهيار مالي ومعاناة معيشية واجتماعية التي بدورها تدفع نحو الفوضى والانفجار، والأهم أن هذه المنظومة الحاكمة التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه، لا يمكن أن نتأمل منها إيجاد حل لما أنتجته من مشاكل". 

ويضيف النائب اللبناني أن الإجراءات الحكومية المتخذة وطريقة إدارة الأزمة "تفاقم المشكلة بشكل أكبر"، حيث كانت وزارة الداخلية قد أطلقت خطة أمنية لمواجهة التفلت الأمني المسجل في مدينة طرابلس شمال البلاد، وهو ما اثار انتقادات من كون الحلول المنتظرة من قبل الناس هي حلول معيشية تنهي ظواهر الفوضى والتوتر الاجتماعي.

ويؤكد ريفي أن مشكلة طرابلس مثلاً ليست أمنية، وانما سياسية ومعيشية، ولا تعالج إلا بحلول سياسية ومعيشية اجتماعية قبل الحلول الأمنية، "وصحيح أن هناك بعض المشاكل التي تتطلب تدخلاً أمنياً، ولكن الحل النهائي لها ليس أمنياً."

بدوره يرى جواد أن "طبيعة النظام اللبناني ولّاد للمشاكل والأزمات، والأداء الحكومي لناحية زيادة الضرائب التي اقترحها وزير المال، ستؤدي إلى مزيد من الضغط على الشرائح الاجتماعية وتدفعها إلى التحرك."

ويجزم الكاتب السياسي أن الحلول المنتظرة ذات طابع سياسي قبل أي جانب آخر "تبدأ من انتخاب رئيس جمهورية. فهذه الخطوة من شأنها أولا أن تخرج البلاد من الانقسام الطائفي الحاد الذي وصلت إليه حالياً، والاستعصاء الذي تعيشه المؤسسات، ويؤدي إلى إعادة انتظام العمل العام والشأن العام السياسي، وبالتالي يفتح أفق إلى إمكانية الحل، وبالتالي لا يمكن الحديث عن حل جذري بدون إعادة تكوين السلطة في لبنان، بشكل متوازن يعكس تمثيل كافة الأطراف والمكونات، والشروع بحل الازمات الاجتماعية والاقتصادية."

ويشير جواد أيضاً إلى وجود عوامل خارجية، من شأنها أن تساهم في تخفيف الضغط عن لبنان، "هناك متنفسات مطلوبة لبقاء الدولة والنظام، فمثلاً لو يسمح للبنان بالحد الأدنى استجرار عشر ساعات كهرباء من الخارج، من مصر أو الأردن أو إيران أو روسيا أو الجزائر أو أي جهة مستعدة لذلك، سيغير ذلك من واقع البلاد كليا، ما من شأنه أن ينشط كامل الاقتصاد اللبناني، ويعيد خلق فرص عمل، ولكن لا يمكن إغلاق الأفق على البلاد بهذا الشكل، فيما يبدو الحل السياسي بعيد جداً".

الوضع الأمني.. ممسوك وليس متماسكا

إلا أن المشهد الاجتماعي القاتم، لا ينعكس تشاؤماً على الصعيد الأمني، حيث يتفق المراقبون على أن الأمن ممسوك بدرجة عالية حتى الآن في لبنان، ولا خوف من هذه الناحية.

الفضل في ذلك يعود بحسب وزير الداخلية السابق مروان شربل إلى الجهود الجبارة التي تبذلها الأجهزة الأمنية اللبنانية كافة، والتي لا زالت حتى الآن تضبط الوضع، ويوضح أن "هناك كشف للجرائم بحدود 90 في المئة، وهناك جرائم تكشف قبل وقوعها، ونسبتها عالية جداً، كل ذلك في حين أن العناصر الأمنية يعيشون ما يعيشه كافة المواطنين وأوضاعهم في أحيان كثيرة أسوأ من أحوال المواطنين."

أما بالنسبة إلى ما يحصل من أحداث متفرقة، يقول شربل إنها يمكن أن تحصل بغض النظر عن الوضع المعيشي والاجتماعي، والدليل أنها موجودة ونسبتها عالية منذ ما قبل الأزمة في لبنان، "ومن خبرتي كانت تحصل كل هذه الأمور، لكنها اختلفت في الشكل والأسلوب وباتت مرتبطة أكثر بالوضع المعيشي".

يشدد شربل في حديثه لموقع "الحرة" على أن "الأمن في لبنان ممسوك، ولكن غير متماسك، والسبب في ذلك هو الخلافات السياسية القائمة بين الأطراف اللبنانية، وهذا ما أوصلنا في الأساس إلى الوضع الذي نعيشه حالياً، والفراغ السياسي القائم اليوم، يجعل ما نعيشه بالأمس أفضل مما نعيشه اليوم وما سنعيشه غداً، ولكن لا أحد يعلم متى تتدحرج الأمور بعدم وجود رأس لهذه الدولة".

ويلفت إلى أن كافة مظاهر وجود الدولة منعدمة في لبنان، "إدارات الدولة متوقفة لا تعمل والموظفين مضربين، والأصعب من ذلك أن القضاء متوقف عن العمل وبالتالي لا محاسبة ولا رقابة ولا غيره، تنعدم كافة مظاهر وجود الدولة، ولا أعلم إلى أي حد يمكن للأجهزة الأمنية المحافظة على ضبطها للأمور، ولكنها الضمانة الوحيدة المتبقية لوجود الدولة، قبل أن تمسك الميليشيات بالوضع الأمني في المناطق".

من جهته يختم جواد مؤكداً أن القرار السياسي الداخلي والخارجي لا يوحيان باحتمال وقوع توتر أمني على خلفية سياسية في لبنان، "ولكن التوتر الاجتماعي المتوقع يأتي على خلفية العجز التي تعانيه الناس بغالبية الشرائح الاجتماعية، وهذا هو الفقر الحقيقي، العجز أمام الحاجات الرئيسية من فرص عمل وطبابة وكهرباء وكلفة الخدمات، الانفجار الاجتماعي لا يتعلق فقط بالجوع، وقد لا يكون لبنان وصل بعد إلى فقر الطعام بشكل عام، لكن كافة المواطنين وصلوا إلى مرحلة يشعرون فيها بالعجز عن الإيفاء بمتطلبات الحياة على كافة الجوانب، وفي العصر الحديث لم يعد الفقر هو الجوع فقط".

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".