صورة أرشيفية لاحتجاج قرب البرلمان اللبناني
صورة أرشيفية لاحتجاج قرب البرلمان اللبناني

"كيف لم ينفجر حتى الآن؟" يسأل وزير الداخلية اللبناني السابق مروان شربل في معرض ابداء استغرابه من الوضع الأمني المتماسك حتى الآن في لبنان، ويضيف "يكاد الأمر لا يصدق، أي بلد في العالم يشهد اجتماعياً ومعيشيا وسياسياً ما يشهده لبنان، ولا ينفجر؟". 

ولكن الانفجار لا يبدو بعيداً إلى هذا الحد مؤخراً، إذ يتصدر هاجس الأمن الاجتماعي اهتمامات المراقبين للساحة اللبنانية المتداعية بفعل الأزمة المالية والسياسية التي تعيشها البلاد. لاسيما وأن المواطن اللبناني تحديداً يدفع الثمن الأكبر للتخبط الحاصل، ويتكبد ما ينتج عنه من صعوبات حياتية ومعيشية وأثمان مادية ومعنوية باهظة.

وبفعل الاحتقان والضغط السائد، والآخذ بالازدياد، بات الانفجار الاجتماعي، نتيجة تتوقعها أعلى المراجع الأمنية في البلاد، وتحذر منها التقارير الدولية التي ترصد أحوال لبنان وسكانه، خاصة وأنه ما من إجراءات حكومية أو سياسية تتخذ في سبيل كبح الانهيار، فيما كل متطلبات الانفجار باتت متوفرة على الساحة اللبنانية.

الضغط يرتفع

الدولار سجل بالأمس رقماً قياسيا جديداً أمام الليرة اللبنانية، بسعر صرف تخطى الـ 43 ألف ليرة، فيما التوقعات تشير إلى مزيد من التراجع للعملة المحلية التي تصرف عبرها رواتب الموظفين في القطاع العام، والنسبة الأكبر من موظفي القطاع الخاص، فضلاً عن الموازنات الإدارية والحكومية، التي تمول نشاط وعمل الإدارات والأجهزة الرسمية في البلاد.

في المقابل، أسواق البلاد تسير وفق سعر الدولار، كذلك كافة المتطلبات الحياتية، ما انعكس ارتفاعاً هائلاً في أسعار السلع والخدمات، وفاقم الأزمة المعيشية على المواطنين الذين يواجهون عجزاً تاماً عن تأمين احتياجاتهم، في ظل ارتفاع متزايد لنسب البطالة تقارب الـ 40 في المئة وفق التقديرات.

ومن المتوقع أن يزداد الضغط المعيشي على سكان البلاد، نتيجة حزمة ضرائب تستعد السلطات لإقرارها، بدأت من رفع تعرفة الاتصالات الخليوية، وستمتد على قطاع الكهرباء الذي لا يؤمن أكثر من تغذية ساعتين في اليوم، كما من المتوقع أن ترتفع أسعار السلع والمواد الغذائية والبضائع المستوردة ما بين 20 و50 في المئة خلال الأشهر المقبلة مع إقرار "الدولار الجمركي" الذي سيرفع نسبة الرسوم على واردات البلاد، التي تشكل 80 في المئة من حاجاتها.

وفي هذا السياق أعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش'' في تقرير نشرته مطلع الأسبوع أن "غالبية سكان لبنان عاجزون عن تأمين حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية وسط أزمة اقتصادية متفاقمة، حيث تتحمل الأسر ذات الدخل المحدود العبء الأكبر.

وحضت الحكومة اللبنانية والبنك الدولي على اتخاذ إجراءات عاجلة للاستثمار في نظام حماية اجتماعية قائم على الحقوق ويضمن مستوى معيشيا لائقا للجميع، مشيرة إلى أكثر من نصف اللبنانيين منذ ما قبل الأزمة المالية، لم يحصلوا على أي نوع من الحماية الاجتماعية، فيما النسبة اليوم أكبر بكثير.

 كل ذلك يضاف إليه إعلان عن إعادة جدولة لنسب الضرائب على موظفي القطاع الخاص، أثار في الأسابيع الماضية غضباً شعبياً عارما، وصل إلى حد إصدار دعوات لعودة التحركات الاحتجاجية في الشارع فيما لو فرضت الضرائب التي أقرتها وزارة المالية، والتي تقتطع نسب كبيرة من الرواتب دون أي مقابل.

أما على المقلب السياسي، فالأمور تراوح مكانها، حيث الفراغ الرئاسي سيد الموقف، ولا أمل في الأفق من وصول الأطراف السياسية الممثلة في المجلس النيابي إلى أي اتفاق على اسم رئيس جمهورية، فيما حكومة تصريف الأعمال التي يترأسها نجيب ميقاتي، تفتقد إلى الصلاحيات لممارسة أي مهمات إنقاذية من الواقع الحالي.

 ويزيد الانقسام، الجدل الدستوري والميثاقي الدائر حول ممارسة حكومة تصريف الأعمال لمهامها ومهام رئيس الجمهورية في غيابه، وهو ما ترك توترا طائفياً في البلاد، بين بعض الأحزاب السياسية المسيحية والإسلامية، يزيد من تأزيم الوضع ويهدد بصدامات غب الطلب السياسي.

الانفجار قادم.. عاجلا أم آجلا

هذا الواقع دفع بمدير عام جهاز الأمن العام في لبنان، اللواء عباس إبراهيم إلى التحذير من أن "المجد الموروث أستبيح وأوشك ان يتهدم" في إشارة إلى لبنان، وذلك نتيجة فقدان "اكتمال الإطار الدستوري والمؤسساتي وانتظامه تحت قبة القانون الذي يضمن العدالة والمساواة لجميع اللبنانيين."

تحذيرات إبراهيم جاءت خلال زيارة له للرابطة المارونية في لبنان، أكد فيها أن "الخطر الداهم يتهدد لبنان"، مضيفاً أن "لا استقرار على المستوى الأمني إلا بشرطين: الاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي، وإن سبب عدم الاستقرار السياسي مرده الى الخلافات المستشرية في الداخل اللبناني، والنكايات المتبادلة بين الأفرقاء السياسيين".

 ونبه إلى أن الأمور ستتجه نحو الأسوأ في حال لم يتم انتخاب رئيس للجمهورية، وأن القطاع الأمني هو من أكثر القطاعات تأثرا، وأن الأوضاع آخذة في التفاقم، مشدداً على أن الوضع الاجتماعي سينفجر آجلا أو عاجلا. ويجب تدارك الأمر بعمل مكثف وجاد في كل الاتجاهات". 

تحذيرات جاءت بمثابة جرس إنذار، مبني على معطيات، لاسيما وان القيادات الأمنية في البلاد دائما ما تنتهج التطمين في خطابها العام، ما يجعل التحذيرات من هذا النوع موضع قلق وارتياب مما قد تحمله الفترة المقبلة من توترات اجتماعية، بدأت تظهر على شكل جرائم وسرقات وأحداث فريدة، ما كانت تشهدها البلاد من قبل.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب والصحافي اللبناني غسان جواد أن جهاز "الأمن العام"، على تماس مباشر ويومي مع الناس، وبالتالي "يستطيع أن يقوم بتقدير الموقف اجتماعيا بكونه جهازا أمنيا ومدنيا وسياسيا، ولديه معلومات حول المجتمع، وحول الواقع الاجتماعي، ما يسمح له بتقدير الموقف انطلاقا من المعطيات والأرقام التي لديه."

وعليه، يضيف جواد، "إذا ما استمر استعصاء الحلول الداخلية، وتصعيبها من الخارج، فيما يتوسع خط الفقر ليشمل فئات اجتماعية جديدة، فمن المتوقع أن يصل البلد إلى مرحلة لا تستطيع الناس احتمالها".

حينها يمكن لأي شرارة، وفق ما يقول جواد لموقع "الحرة"، أن تؤدي إلى عودة الاحتجاجات والفوضى الاجتماعية، "ليبقى السؤال حول الحجم الذي قد تبلغه هذه الاحتجاجات وقدرة ما تبقى من مؤسسات حكومية لبنانية على التعامل معها".

الانفجار قائم بالفعل

إلا أن ما تشهده البلاد بشكل شبه يومي من أحداث وتوترات متنقلة بين المناطق، والتي تتخذ بمعظمها طابعاً فردياً، تدفع الكثيرين إلى اعتبار أن الفوضى الاجتماعية باتت أمرا واقعاً وقائما في البلاد.

آخر تلك الأحداث شهدها لبنان أمس الأربعاء، مع اعتداء مسلح سجلته الكاميرات لأحد المواطنين الذي أقدم على إطلاق النار من مسدسه الحربي على مواطن آخر في مدينة طرابلس، على خلفية أفضلية مرور في الشارع، فكان خير تجسيد للانفلات الذي تشهده الساحة اللبنانية، وحجم التوتر الذي يعيشه السكان.

عناصر من الشرطة اللبنانية -أرشيف
لبنان.. فيديو يوثق إطلاق رصاص على رأس سائق بسبب خلاف مروري
أثار مقطع مصور يظهر عملية قتل راكب دارجة نارية في لبنان لسائق سيارة بسبب خلاف بسيط على أفضلية المرور غضب الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، داعين إلى ضبط حالة انفلات السلاح الفردي المنتشر بين سكان البلاد بشكل كبير.

وفي ليل اليوم نفسه، شهد لبنان واقعة اعتداء مسلح آخر على دورية لليونيفل جنوب لبنان خلال قيامها بمهمتها متوجهة إلى العاصمة بيروت، الأمر الذي أدى إلى مقتل عنصر من الكتيبة الإيرلندية وجرح 3 عناصر آخرين، ما عزز من مخاوف الناس والقلق العام على اتجاه البلاد.

في هذا السياق يرى النائب اللبناني أشرف ريفي، الذي شغل سابقاً منصب المدير العام لقوى الأمن الداخلي، أن لبنان يعيش حاليا الانفجار الاجتماعي، وهو يترجم بأحداث أمنية متفرقة كالتي نشهدها حالياً."

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن مجموعة تلك الأحداث المتفرقة تعكس حالة اجتماعية بحد ذاتها غير مقبولة ولا يتحملها البلد." متوقعاً أن تشهد البلاد هذا النوع من الأحداث بوتيرة أكبر، كلما طال أمد الأزمة دون حلول.

تقدير يتوافق مع ما يراه جواد من ناحيته في حديثه لموقع "الحرة"، إذ يعتبر أن مشهد الفوضى الاجتماعية والانفجار في لبنان بدأ بالفعل، "حين نرى إشكالات وقتل على أتفه الأسباب، نكون دخلنا بالفعل بالفوضى الاجتماعية، فالناس بلغت مراحل توتر تؤدي بها إلى عدم تحمل أي موقف، دون اللجوء إلى العنف."

ويشير الكاتب السياسي اللبناني إلى إمكانية تجدد التظاهرات والاحتجاجات، "أو قد نشهد هجمات على أملاك عامة، ومؤسسات الدولة ووزارات من قبل محتجين، فضلاً عن ارتفاع نسب الجريمة والسرقات والخطف، وتبدل شكل الجرائم وأساليبها، وهذه من ملامح الفوضى الاجتماعية التي بدأنا نراها بالفعل."

لكن الأخطر بحسب جواد، إذا ما استمر الضغط على الناس ورواتبهم وما تبقى من طبقة وسطى في البلاد، حينها قد يصل لبنان إلى "الفوضى العارمة، وهذا ما يجري التحذير منه، حيث قد نشهد أشكالاً أخرى من الانفجار الاجتماعي كتقطيع الطرقات والاعتداء على الناس وأرزاقهم، وهناك كثير من السيناريوهات التي لا يتمناها أحد". 

وتسجل القوى الأمنية اللبنانية نسب مرتفعة لجرائم السرقة والسلب وسرقة السيارات واقتحام الممتلكات وغيرها من الجرائم المرتبطة بالأزمة والواقع المعيشي، مقابل تراجع لأنواع أخرى من الجرائم، كما سجل ارتفاع ملحوظ في نسب عمليات الخطف ولاسيما الخطف مقابل فدية، الذي تنتهجه عصابات منظمة من أجل تحصيل الأموال.

المشكلة تتفاقم.. والحل سياسي

ويتفق المراقبون على أن الحل الرئيسي في البلاد ينتج سياسياً، ويرى ريفي في هذا السياق أن التأثيرات الاجتماعية هي المحرك الأكبر لهذه الفوضى التي يشهدها لبنان. ولكنه يشدد على أن أصل المشكلة في البلاد سياسي، "فكل الأمور في لبنان تبدأ من السياسة وتنعكس على صعد أخرى، المنظومة التي تقود البلاد اليوم، هي السبب الرئيسي فيما وصلنا إليه من انهيار مالي ومعاناة معيشية واجتماعية التي بدورها تدفع نحو الفوضى والانفجار، والأهم أن هذه المنظومة الحاكمة التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه، لا يمكن أن نتأمل منها إيجاد حل لما أنتجته من مشاكل". 

ويضيف النائب اللبناني أن الإجراءات الحكومية المتخذة وطريقة إدارة الأزمة "تفاقم المشكلة بشكل أكبر"، حيث كانت وزارة الداخلية قد أطلقت خطة أمنية لمواجهة التفلت الأمني المسجل في مدينة طرابلس شمال البلاد، وهو ما اثار انتقادات من كون الحلول المنتظرة من قبل الناس هي حلول معيشية تنهي ظواهر الفوضى والتوتر الاجتماعي.

ويؤكد ريفي أن مشكلة طرابلس مثلاً ليست أمنية، وانما سياسية ومعيشية، ولا تعالج إلا بحلول سياسية ومعيشية اجتماعية قبل الحلول الأمنية، "وصحيح أن هناك بعض المشاكل التي تتطلب تدخلاً أمنياً، ولكن الحل النهائي لها ليس أمنياً."

بدوره يرى جواد أن "طبيعة النظام اللبناني ولّاد للمشاكل والأزمات، والأداء الحكومي لناحية زيادة الضرائب التي اقترحها وزير المال، ستؤدي إلى مزيد من الضغط على الشرائح الاجتماعية وتدفعها إلى التحرك."

ويجزم الكاتب السياسي أن الحلول المنتظرة ذات طابع سياسي قبل أي جانب آخر "تبدأ من انتخاب رئيس جمهورية. فهذه الخطوة من شأنها أولا أن تخرج البلاد من الانقسام الطائفي الحاد الذي وصلت إليه حالياً، والاستعصاء الذي تعيشه المؤسسات، ويؤدي إلى إعادة انتظام العمل العام والشأن العام السياسي، وبالتالي يفتح أفق إلى إمكانية الحل، وبالتالي لا يمكن الحديث عن حل جذري بدون إعادة تكوين السلطة في لبنان، بشكل متوازن يعكس تمثيل كافة الأطراف والمكونات، والشروع بحل الازمات الاجتماعية والاقتصادية."

ويشير جواد أيضاً إلى وجود عوامل خارجية، من شأنها أن تساهم في تخفيف الضغط عن لبنان، "هناك متنفسات مطلوبة لبقاء الدولة والنظام، فمثلاً لو يسمح للبنان بالحد الأدنى استجرار عشر ساعات كهرباء من الخارج، من مصر أو الأردن أو إيران أو روسيا أو الجزائر أو أي جهة مستعدة لذلك، سيغير ذلك من واقع البلاد كليا، ما من شأنه أن ينشط كامل الاقتصاد اللبناني، ويعيد خلق فرص عمل، ولكن لا يمكن إغلاق الأفق على البلاد بهذا الشكل، فيما يبدو الحل السياسي بعيد جداً".

الوضع الأمني.. ممسوك وليس متماسكا

إلا أن المشهد الاجتماعي القاتم، لا ينعكس تشاؤماً على الصعيد الأمني، حيث يتفق المراقبون على أن الأمن ممسوك بدرجة عالية حتى الآن في لبنان، ولا خوف من هذه الناحية.

الفضل في ذلك يعود بحسب وزير الداخلية السابق مروان شربل إلى الجهود الجبارة التي تبذلها الأجهزة الأمنية اللبنانية كافة، والتي لا زالت حتى الآن تضبط الوضع، ويوضح أن "هناك كشف للجرائم بحدود 90 في المئة، وهناك جرائم تكشف قبل وقوعها، ونسبتها عالية جداً، كل ذلك في حين أن العناصر الأمنية يعيشون ما يعيشه كافة المواطنين وأوضاعهم في أحيان كثيرة أسوأ من أحوال المواطنين."

أما بالنسبة إلى ما يحصل من أحداث متفرقة، يقول شربل إنها يمكن أن تحصل بغض النظر عن الوضع المعيشي والاجتماعي، والدليل أنها موجودة ونسبتها عالية منذ ما قبل الأزمة في لبنان، "ومن خبرتي كانت تحصل كل هذه الأمور، لكنها اختلفت في الشكل والأسلوب وباتت مرتبطة أكثر بالوضع المعيشي".

يشدد شربل في حديثه لموقع "الحرة" على أن "الأمن في لبنان ممسوك، ولكن غير متماسك، والسبب في ذلك هو الخلافات السياسية القائمة بين الأطراف اللبنانية، وهذا ما أوصلنا في الأساس إلى الوضع الذي نعيشه حالياً، والفراغ السياسي القائم اليوم، يجعل ما نعيشه بالأمس أفضل مما نعيشه اليوم وما سنعيشه غداً، ولكن لا أحد يعلم متى تتدحرج الأمور بعدم وجود رأس لهذه الدولة".

ويلفت إلى أن كافة مظاهر وجود الدولة منعدمة في لبنان، "إدارات الدولة متوقفة لا تعمل والموظفين مضربين، والأصعب من ذلك أن القضاء متوقف عن العمل وبالتالي لا محاسبة ولا رقابة ولا غيره، تنعدم كافة مظاهر وجود الدولة، ولا أعلم إلى أي حد يمكن للأجهزة الأمنية المحافظة على ضبطها للأمور، ولكنها الضمانة الوحيدة المتبقية لوجود الدولة، قبل أن تمسك الميليشيات بالوضع الأمني في المناطق".

من جهته يختم جواد مؤكداً أن القرار السياسي الداخلي والخارجي لا يوحيان باحتمال وقوع توتر أمني على خلفية سياسية في لبنان، "ولكن التوتر الاجتماعي المتوقع يأتي على خلفية العجز التي تعانيه الناس بغالبية الشرائح الاجتماعية، وهذا هو الفقر الحقيقي، العجز أمام الحاجات الرئيسية من فرص عمل وطبابة وكهرباء وكلفة الخدمات، الانفجار الاجتماعي لا يتعلق فقط بالجوع، وقد لا يكون لبنان وصل بعد إلى فقر الطعام بشكل عام، لكن كافة المواطنين وصلوا إلى مرحلة يشعرون فيها بالعجز عن الإيفاء بمتطلبات الحياة على كافة الجوانب، وفي العصر الحديث لم يعد الفقر هو الجوع فقط".

الأيغور في الصين

لا تعمل مضخة وقود في شينجيانغ، ما لم يقف الأويغوري، أمام كاميرات التعرف على الوجه في المحطة.

وإذا أراد الدخول إلى سوق، فليس أمامه إلا النفاذ عبر أجهزة الكشف عن المعادن، وأدوات التحقق من الهويات، وكاميرات التعرف على الوجه، كذلك، قبل أن يؤذن له بالدخل للتبضع.

"أن تكون إويغوريا يعني أن تعيش في كابوس دائم،" يقول مايكل سوبوليك، الباحث المتخصص في الشأن الصيني، لموقع "الحرة".

في شينجيانغ، موطن أقلية الأويغور المسلمة غربي الصين، تنتشر كاميرات المراقبة في كل مكان، بينما تتربص نقاط التفتيش الأمنية بالمارة عند كل منعطف: أين هاتفك الشخصي؟

وتقول منظمات حقوقية دولية إن بكين رسخت، على مدى عقد من الزمن أحد أكثر أنظمة المراقبة الرقمية شمولية في العالم، وحولت 13 مليون أويغوري إلى مختبر حي لإدوات المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي. 

والأخطر أن نموذج القمع الرقمي الصيني هذا، يمكن أن يُحتذى في أي مكان في العالم، بل أن دعوى قضائية، تجري فصولها في باريس حاليا، تشير إلى تطبيقات للنظام في دول عدة.

محكمة في باريس

في قاعة محكمة في باريس، يغلي على نار هادئة، منذ أسابيع، صراع قانوني قد يكون غير مسبوق، لمحاسبة شركات تكنولوجيا صينية على جرائم ضد الإنسانية.

يقود القضية، باسم "المؤتمر العالمي للإيغور"،  المحامي الفرنسي، الشهير في مجال حقوق الإنسان، ويليام بوردون. والمتهمون فيها فروع فرنسية لثلاث من عمالقة التكنولوجيا الصينية: هواوي، وهايكفيجن، وداهوا.

 التهمة: التواطؤ في إبادة جماعية.

تؤكد الدعوى على أن الشركات العملاقة تلك ساعدت في بناء دولة رقابة شاملة في إقليم شينجيانغ، حيث أن أنظمة التعرف على الوجوه وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تراقب فقط، إنها مدربة لاستهداف الأويغور على أساس عرقي.

ووفقا لـ"المؤتمر العالمي للإيغور"، لم تكن هذه الأنظمة مجرد أدوات مراقبة، بل وسائل للاعتقال والتعذيب والسيطرة، تغذي واحدة من أوسع شبكات القمع الرقمي في العالم.

ولا تقتصر الدعوى على استخدام القمع الرقمي داخل حدود الصين، بل تتضمن الإشارة إلى استخدام هذه الأنظمة في مناطق صراع أخرى مثل أوكرانيا، وفي مشاريع مراقبة في الإكوادور وصربيا.

ويقول ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، في حديث مع موقع "الحرة" إن أنظمة المراقبة هذه أصبحت متاحة على نطاق واسع لحكومات أجنبية ترغب في تقليد النموذج الصيني.

"يبدو أن هناك عددا من الدول في إفريقيا وآسيا، وربما بعض الدول الأوروبية، لكنها تتركز بشكل أساسي في إفريقيا وآسيا، وربما أميركا اللاتينية أيضا، تشتري هذه الأنظمة من الصين".

"لكن المشكلة،" يتابع ويتز، "أن الصينيين، على ما يبدو، يقومون بجمع هذه البيانات لأنفسهم أيضا".

خوارزمية الشرطة التنبؤية

منذ نحو عشرة أعوام يتعرض الشعب الأويغوري لرقابة مشددة، مصحوبة باعتقالات جماعية تعسفية، ومعسكرات تلقين أيدولوجي قسرية، وقيود على التنقل والعمل والطقوس الدينية.

فبعد إعلان بكين "حرب الشعب على الإرهاب" في 2014، وسعت السلطات الصينية بشكل كبير نطاق استخدام الشرطة للتكنولوجية المتقدمة في مناطق الأويغور.

وفي عهد سكرتير الحزب الشيوعي في تشينجيانغ، تشن كوانغو الذي يوصف بـ"المتشدد"، شهدت مناطق الأويغور فورة في إنشاء مراكز الشرطة، وبات لا يفصل بين مركز وآخر أكثر من 500 متر.

ارتفع الإنفاق الأمني، وزادت عمليات التوظيف في مجال الأمن العام بشكل هائل. ووجدت تقارير أن شينجيانغ توظف 40 ضعفا من رجال الشرطة لكل فرد مقارنة بمقاطعة غوانغدونغ الجنوبية المكتظة بالسكان.

في الوقت ذاته، أطلقت بكين منصات شرطة تعمل بالخوارزميات التنبؤية. ويقوم تطبيق يُسمى "منصة العمليات المشتركة المتكاملة (IJOP)" بتجميع البيانات الشخصية من مصادر متعددة: كاميرات المراقبة، وأجهزة تتبع شبكات الواي فاي والهواتف الشخصية، والسجلات المصرفية، وحتى سجلات الصحة والسفر، لتحديد الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات تهديدا محتملا.

ووفقا لهيومن رايتس ووتش، أوعز برنامج "الشرطة التنبؤية" هذا باعتقالات عشوائية للأويغور من دون أن يكون هناك أي مؤشر على وجود تصرف مخالف للقانون.

من شأن الحجاب وحده أن يُفعّل الخوارزمية لتصنيف شخص ما كـ"خطر أمني". وغالبا ما تعتقل السلطات الأشخاص الذين الذين يستهدفهم نظام البيانات هذا، وترسلهم إلى معسكرات التلقين من دون تهمة أو محاكمة.

"إذا كنت مواطنا صينيا وتعيش في الصين، فإن حياتك تُدار من خلال تطبيقات تسيطر عليها في النهاية الحكومة الصينية، وتحديدا الحزب الشيوعي الصيني،" يقول سوبوليك، وهو زميل أقدم في معهد هدسون.

"خذ مثلا تطبيق "وي تشات" (WeChat) الذي يُسمى بـ"تطبيق كل شيء"، سواء كان لطلب الطعام، أو لمراسلة العائلة، أو لاستخدام محرك بحث، أو للنشر على شبكات التواصل الاجتماعي. إنه تطبيق يتغلغل في كل شيء".

وهو أيضا تطبيق يستخدمه الحزب الشيوعي الصيني لتتبع ومراقبة اتصالات المواطنين، يضيف.

ويقول سكان أويغور إن السلطات الصينية تعاملهم دائما بريبة. "إذا بدا عليك أنك من أقلية عرقية، فسيخضونك للتفتيش. أشعر  بالإهانة"، تنقل هيومان رايتس ووتش حديث أحد مستخدمي الإنترنت الأويغور عن عمليات التفتيش الأمنية التي لا تنتهي.

ويعتقد ويتز أن حقوق الأويغور "تُنتهك بطرق عديدة" ونظام المراقبة باستخدام الذكاء الاصطناعي "واحدة منها".

شينجيانغ - رمضان الماضي 

بينما ينشغل العالم عن إقليم شينجيانغ بقضايا دولية أخرى، تواصل الصين حملتها لدمج الأويغور قسريا. 

في شهر رمضان، أجبرت السلطات الصينية الأويغور على تصوير أنفسهم وهم يتناولون الغداء وإرسال اللقطات إلى كوادر الحزب الحاكم، في مسعى لمنع ما تصفه السلطات بـ"التطرف الديني". 

و أُجبر كثيرون على العمل خلال ساعات النهار، واحتُجز الذين رفضوا العمل من 7 إلى 10 أيام، أو أرسلوا إلى "المعسكرات"، بحسب ما أفاد به شرطي محلي راديو "آسيا الحرة"، مارس الماضي.

أزمة أخلاقية

لا تزال قضية العمل القسري في السجون بمثابة أزمة أخلاقية كبيرة على المستوى الدولي، في حين تواصل واشنطن مساعيها للتخفيف من معاناة الأويغور بقوانين وإجراءات تستهدف شركات صينية متورطة في جرائم ضد الإنسانية.

ويصف ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، الجهود الأميركية ودول أخرى، في هذا الشأن، بأنها "أكثر نجاحا" مقارنة بالدور الأوروبي في مواجهة الانتهاكات الصينية لحقوق الإويغور. 

ويشير ويتز إلى إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وإدارة جو بايدن قبله شجعتا الحكومات الأوروبية وغيرها على عدم شراء التكنولوجيا الصينية، خاصة تلك التي يمكن أن تُستخدم لجمع بيانات عن الشركات المحلية أو السكان".

وفي أوائل مايو الحالي، أقر مجلس النواب الأميركي قانون "لا دولارات للعمل القسري للأويغور". 

يحظر القانون على وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) تمويل أي برامج تشمل بضائع مُنتجة في إقليم شينجيانغ الصيني أو من طرف كيانات مرتبطة بالعمل القسري المفروض على الأويغور. 

ويُلزم المشروع الجهات المتعاقدة بتقديم ضمانات خطية بعدم استخدام مثل تلك المنتجات. ويفرض أيضا تقديم تقارير سنوية حول الانتهاكات والتحديات في تنفيذ القانون. ويسمح باستثناءات مشروطة بإشعار الكونغرس بشكل مسبق.

ويعزز القانون الجهود الأميركية في التصدي لقمع الصين للإيغور عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي يناير الماضي، وسعت وزارة الأمن الداخلي الأميركية بشكل كبير "قائمة الكيانات" المشمولة بقانون منع العمل القسري للإيغور. واستهدفت الوزارة شركات صينية متورطة في العمل القسري في شينجيانغ.

وبين عامي 2024 و2025، قامت شركات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا بإدراج شركات صينية عديدة على القوائم السوداء، في قطاعات تشمل الزراعة، وألواح الطاقة الشمسية، والمنسوجات.

إضافة إلى ذلك، "ركزت واشنطن أحيانا على تطوير تكنولوجيا مضادة تتيح للإيغور وغيرهم التحايل على أنظمة المراقبة،" وفقا لويتز.

ويلفت سوبوليك إلى أن إنشاء دولة المراقبة داخل الصين يعود إلى ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، و"بمساعدة دول غربية".

لكنهم تمكنوا من تطوير هذه "التكنولوجيا الديستوبية (المرعبة) ، واستخدامها على شعبهم وعلى الأويغور بشكل خاص، يضيف.

براءات الاختراع

وراء الكواليس، تتعاون بكين مع شركات خاصة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد هوية الأشخاص استنادا إلى العرق. وتقول رويترز إن براءات الاختراع والوثائق التي كُشف عنها خلال السنوات الماضية، تُظهر أن شركات التكنولوجيا الصينية ابتكرت خوارزميات لتحديد وجوه الأويغور بين الحشود.

وتنقل الوكالة عن أحد الباحثين تحذيره من هناك خروقات جسيمة ترتكب ضد حقوق الإنسان. "تتيح هذه التقنيات للشرطة الاطلاع على قاعدة بيانات ضخمة من الوجوه، وتحديد الوجوه التي صنّفها الذكاء الاصطناعي على أنها أويغورية،" يقول.

أنشأت بكين قاعدة بيانات ضخمة من البيانات البيومترية الخاصة بسكان شينجيانغ. وتحت ستار الفحوصات الطبية المجانية، أُجبر السكان، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية، وخاصة الأقليات المسلمة، على تزويد الشرطة بعينات من الحمض النووي، ومسح قزحية العين، وبصمات الأصابع، وتسجيلات صوتية.

بهذا الكم الهائل من المعلومات البيومترية الشخصية، إلى جانب شبكات كاميرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات مراقبة الهواتف الذكية، أنشأت الصين نظام مراقبة، أورويلي الطابع. بل أن جورج أورويل نفسه ليصاب بالرعب إزاء دستوبيا حقيقية يعيش في أتونها بشر حقيقيون، وليس مجرد شخصيات خيالية.

يوصف نظام المراقبة في شينغيانع عموما بأنه "دولة بوليسية رقمية"، ويعد بمثابة برنامج تجريبي، تختبره بكين على الأويغور قبل توسيع نطاقه في أماكن أخرى حول العالم.

مثل شخصيات أورويل في روايته "1984"، يعيش حوالي 13 مليون  أويغوري وغيرهم من المسلمين الأتراك في شينجيانغ، حالة خوف مستمرة تحت شبكة أمنية عالية التقنية. 

يعلم الناس أن كل حركة تقريبا تخضع للمراقبة. ذهابك إلى المسجد، الأشخاص الذي تتواصل معهم، ما تقرأه، وحتى طريقة لباسك، يتم باستمرار تقييمها بواسطة الخوارزميات. 

يتجنب كثيرون في تشينجيانغ تبادل العبارات الدينية  أو ذات الصبغة الثقافية الخاصة. فتواصلك مع الأقارب في الخارج، أو امتلاكك سجادة صلاة، أو مشاركتك آية قرآنية على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تنتهي بك إلى السجن. 

يقول أويغور أنهم "يخافون من الصلاة أو حتى ارتداء الملابس التقليدية" في منازلهم، لأنهم يعلمون أن عيون الدولة وآذانها في كل مكان، والعواقب وخيمة.

منذ عام 2017، نفذت السلطات الصينية حملات اعتقال جماعي في شينجيانغ. واحتجزت  أكثر من مليون من الأويغور والأقليات المسلمة الأخرى في شبكة من معسكرات الاعتقال والسجون، وفقا لتقديرات نقلتها الأمم المتحدة، وفقا لرويترز. 

أُرسل كثيرون إلى المعسكرات ليس لارتكابهم أي جريمة، بل لأن أنظمة الرقابة الآلية وضعتهم على قائمة "غير موالين محتملين" بسبب بصمتهم الرقمية.

داخل معسكرات التلقين، التي تسميها بكين "مراكز التدريب المهني،" نقل معتقلون سابقون عن تعرضهم للتعذيب والتلقين السياسي والإجبار على التخلي عن دينهم. 

تمزقت أوصال عائلات: يختفي البالغون في معسكرات سرية بينما يُوضع الأطفال في مؤسسات حكومية، في سعي السلطات لمحو هوية الأويغور. حتى غير المعتقلين يعيشون تحت نوع من الإقامة الجبرية المؤقتة. 

يسرد تقرير للغاردينان قصة رجل أويغوري عاد إلى شينجيانغ من الدراسة في الخارج، فوصف على الفور بأنه "خطر" لمغادرته البلاد؛ اعتقلته الشرطة في المطار، وأجبرته على الخضوع لـ"فحص صحي" بيومتري، واقتادته إلى مركز احتجاز.

أُلقي القبض على آخرين لمجرد أن أحد أقاربهم في الخارج، أو لأن هواتفهم تحمل محتوى إسلاميا.

تقول منظمات حقوقية دولية إن المراقبة الشاملة تُغذي منظومة انتهاكات أوسع نطاقا. في تقرير صدر في أغسطس 2022، خلصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن ممارسات الصين الرقابية في شينجيانغ "قد تُشكل جرائم دولية، لا سيما جرائم ضد الإنسانية".

وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أدلة على الاعتقال الجماعي والتعذيب والاضطهاد الثقافي والعمل القسري في المنطقة، والتي تُسهّلها البنية التحتية المتطورة للمراقبة، مما يجعل من شبه المستحيل على الأويغور التهرب من سيطرة الدولة.

باختصار، أصبحت شينجيانغ سجنًا مفتوحًا حيث تُحاصر مجموعة عرقية بأكملها بالوسائل الرقمية. الخسائر البشرية فادحة: تدمير الخصوصية، وتجريم المعتقد والثقافة، وتعطيل أو تدمير حياة ملايين الأشخاص. 

"لقد بنت الصين في شينجيانغ ديستوبيا مدفوعة بالمراقبة، وهي نموذج للقمع يجب على العالم مواجهته على وجه السرعة"، قالت صوفي ريتشاردسون من هيومن رايتس ووتش: (هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٣). 

شركات القمع التكنولوجي

تؤكد تقارير أن اعتماد بكين على نخبة من الشركات الصينية العملاقة في مجال تكنولوجيا الأمن في توفير الأجهزة والبرمجيات التي تشغل دولة شينجيانغ البوليسية.

هيكفيجن وداهوا وهواوي وهي من أكبر شركات صناعة كاميرات المراقبة في العالم.

فازت هيكفيجن وداهوا بعقود ضخمة لتزويد شينجيانغ بكاميرات مراقبة وأنظمة تعرف على الوجه. 

وتُظهر أبحاث استندت إلى وثائق شرطة مسربة أن كاميرات هيكفيجن جزء أسياسي في برامج الشرطة في شينجيانغ لتتبع الأويغور واستهدافهم.

إذا كنت أويغوريا

إذا كنت أويغوريا تعيش في الصين، فمن المستحيل أن تعيش حياتك دون أن تكون خاضعا للرقابة المستمرة من الحزب الشيوعي الصيني، يقول سوبوليك.

"وما هو أكثر مأساوية،" يضيف، "أنه حتى لو كنت أويغوريا تعيش خارج الصين – في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أي دولة غربية أخرى – فإن قمع الحزب لا يزال يلاحقك".