فرار السجناء من لبنان ظاهرة متكررة
فرار السجناء من لبنان ظاهرة متكررة

سجل لبنان، فجر الاثنين، حالة فرار جماعي جديدة لنحو 26 سجينا من سجن جب جنين، في منطقة البقاع الغربي، في حادثة باتت تتكرر في سجون البلاد وتزداد وتيرتها مؤخرا لأسباب عدة.

وقد شهد لبنان الشهر الماضي عملية فرار مشابهة لـ 18 سجينا من سجن أميون شمال البلاد.  

ومعظم الذين فروا فجر الاثنين كانوا يقضون محكوميتهم بتهمة تجارة الممنوعات والأسلحة، بحسب ما أكدته الوكالة الوطنية للإعلام، وقد ألقي القبض على عدد منهم خلال وبعد عملية الفرار، في إطار حملة واسعة لقوى الأمن في محافظة البقاع، من أجل ملاحقة الفارين وإعادة توقيفهم. 

وفي هذا السياق، يؤكد الصحفي اللبناني المتابع للقضية، سامر الحسيني، أن عدد الذين كانوا موقوفين في الغرفة التي فروا منها يبلغ 31 سجينا، وعدد الفارين انخفض إلى 17 بعدما نجحت القوى الأمنية بتوقيف 10 منهم على مراحل مختلفة، 5 منهم ألقي القبض عليهم خلال هروبهم وداخل حرم السجن، ثم ألقي القبض على 5 آخرين على الطرقات وفي حقول محيطة. 

ويؤكد لموقع "الحرة" أن الدوريات الأمنية والمفارز كافة في منطقة البقاع التابعة لقوى الأمن الداخلي تعمل حاليا على التوقيفات، كذلك تم مداهمة عدد من منازل الموقوفين للبحث عنهم، فيما اتخذت إجراءات أمنية في محيط منازلهم وأماكن معينة يمكن أن يلجؤوا إليها.  

وحاول موقع "الحرة" التواصل مع قوى الأمن الداخلي من أجل الاطلاع على آخر المستجدات بشأن عدد التوقيفات والإجراءات المتخذة والرواية الرسمية لما حصل، دون تلقي أي إجابات.

وينقل الحسيني عن مصادره الأمنية في إدارة السجن إن عملية الفرار تمت من خلال فتحة للتهوية في الحائط جرى التخلص من الدفاعات الحديدية المثبتة عليها باستخدام نصل منشار حديدي أدخل إلى السجن بطريقة مجهولة حتى الآن، حيث تجري تحقيقات عسكرية في هذه الواقعة لتبيان طريقة دخولها، من ثم فروا عبرها إلى الخارج. 

وعملية الفرار تشير بوضوح إلى وجود تخطيط مسبق ومجهود بذل على مدى أيام لتنفيذ الفرار، لاسيما وأن عملية نشر القضبان الحديدية تتطلب وقتا وتغطية على الصوت الصادر عنها.

 وبحسب الحسيني، يبحث التحقيق الجاري حاليا بإشراف القضاء المختص، عن احتمالية وجود أي تواطؤ أو تسهيل لعملية الفرار من داخل السجن.  

ويوضح أن سجن منطقة جب جنين هو من السجون الهادئة عادة، وغير مكتظ كثيرا، ولا يعاني المساجين فيه من ظروف حياتية قاهرة، مثل التي تشهدها سجون لبنانية عدة، وبالتالي حتى الآن لاتزال الدوافع للفرار محصورة بالأحكام التي يقضيها السجناء فيما بعضهم الآخر انضم لعملية الفرار من أجل الفرار وليس هربا من أحكام طويلة. 

وتشهد السنوات الماضية ارتفاعا في عدد حالات الفرار من السجن، تزامنا مع أسوأ أزمة اقتصادية تضرب البلاد منذ العام 2019 حيث حدث انهيار للعملة المحلية (الليرة) انعكس على موازنات الإدارات الرسمية، ومن بينها منظومة إدارة السجون وباتت سجون لبنان تعاني من ظروف قاسية لا تلائم أبسط مقومات الحياة للمساجين.  

وكان موقع "الحرة" قد أعد تحقيقات عدة حول ظروف سجون لبنان، كشفت عن انقطاع في الأدوية واكتظاظ كبير وسط تأخر وبطء في المحاكمات، وشهدت بعض السجون تفش للعديد من الأمراض، وصولا إلى انعدام الطعام والمياه الصالحة للشرب، والاستخدام في بعض السجون، وقد قام السجناء على مراحل مختلفة بانتفاضات داخل السجون وحالات تمرد اعتراضا على ظروف سجنهم.  

شهد لبنان قبل أيام أكبر عملية فرار لسجناء في تاريخه
سجون لبنان.. "حظائر حيوانات" فكيف لا يهرب منها البشر؟
"عندما يكون الظلم قانونا، يصبح التمرد واجبا"، هذا القول للفيلسوفة الألمانية روزا لوكسمبورغ، وجد سبيله بطريقة ما إلى سجناء لبنان، فرفعوه شعارا لإعلانهم التمرد مع بداية انتشار جائحة كورونا في البلاد ووصولها إلى السجون منتصف العام الجاري، تناقلوه في تسجيلات وبيانات ونشروه عبر حسابات بعضهم على وسائل التواصل الاجتماعي، مطالبين بالعفو العام عنهم وبإنهاء معاناتهم داخل السجون في ظل الانهيار الشامل الذي يصيب الدولة.

وسجل حالات وفاة عدة في السجون اللبنانية خلال السنتين الماضيتين، مرتبطة بنتائج الأزمة وتأثيراتها على واقع السجون في البلاد. 

 "الموت البطيء".. سجناء لبنان في قلب الانهيار
"ستندهش بأي الطرق قد يراودك الموت هنا"، يقول "الشيخ" 49 عاماً، وهو لقب نزيل في سجن رومية اللبناني منذ 4 سنوات، يمضي سجناً غير محدد المدة بسبب عدم خضوعه للمحاكمة بعد. "في السجن ليس أمامك إلا أن تفكر كي تمرر الوقت، قبل مدة جلسنا نحتسب الأسباب المنطقية للموت هنا قبل أن نرى الخارج مرة أخرى".

ردود الفعل

وفي خضم ردود الفعل على حادثة الفرار، الاثنين، برزت تغريدة للمحامية اللبنانية، سندريلا مرهج، التي كشفت عن كون أحد المساجين الفارين هو موكلها، حيث تفاجأت باسمه ضمن لائحة الفارين.

وقالت في تغريدتها: "استيقظت باكرا وحضّرت نفسي لجلسة استجواب موكل لي موقوف في سجن جب جنين. بالصدفة قرأت اسمه أنه هرب باكرا مع 26 آخرين من طاقة هوائية. لم أدرِ أن أفرح أو أحزن له، ولكن حتما ضحكت وأضحك".

وتواصل موقع "الحرة" مع مرهج للوقوف على تفاصيل وضع موكلها في السجن، ومعرفة دوافعه التي جعلته يخاطر بالفرار، وتبين أنه موقوف في أكثر من قضية، وكان يفترض أن يحضر اليوم جلسة في المحكمة العسكرية، وسبق أن كان لديه جلسة أخرى بتاريخ 12 ديسمبر الماضي، لكنه لم يسق إلى جلساته بسبب نقص في آليات النقل التي تستخدم.  

وتواجه القوى الأمنية اللبنانية مشاكل لوجستية عدة ترتبط بالوضع المالي لمؤسسات الدولة اللبنانية، حيث تعاني من نقص في الآليات وصيانتها وتأمين محروقاتها، فضلا عن حاجات لوجستية كثيرة، يعرقل فقدانها قيام الأجهزة الأمنية بالأدوار المختلفة التي تؤديها ومن ضمنها سوق السجناء إلى المحاكم ونقلهم بين مراكز التوقيف والسجون.  

وكان يأمل الموقوف، وفق مرهج، أن يتم تقديمه إلى جلسة الاثنين، بعد مرور 9 أشهر على توقيفه دون محاكمة، خاصة أنه موقوف بجنح بسيطة وليس بجرائم كبرى، فيما لاتزال قضاياه عالقة أمام محاكم معتكفة عن العمل، "لكننا فوجئنا بأنه لم يتم سوقه اليوم أيضاً وكان اسمه من بين الفارين".

وتذكر مرهج أن هذا الفرار ليس الأول من نوعه مؤخرا في سجون لبنان. وتضيف: "لا شك ان الموقوفين والسجناء يعانون من ظروف صعبة داخل السجن نتيجة عوامل عدة أهمها الاكتظاظ وعدم سوقهم إلى المحاكم، لأسباب لوجستية كانت مرتبطة من قبل بكورونا، ثم اليوم باعتكاف القضاء، وبسبب وضع آليات السوق والنقل للسجناء وانعدام صيانتها وقلة عددها، فضلاً عن تأخيرات لوجستية أخرى، حيث تتأجل المحاكمات أشهراً طويلة لتحدد جلسة أخرى".

وتلفت مرهج كذلك إلى مشكلة ترتبط بآلية تبليغ المستدعين في القضايا، حيث "لازالت تتم عبر بالطرق البدائية عبر المباشرين، وهو ما يتسبب بتأخير كبير للقضايا ولوصول التبليغات والتزام المبلغين بالحضور من أجل إتمام المحاكمات، وهذا سبب رئيسي من أسباب تأخير البت بالقضايا للموقوفين".

وهذه المنظومة "التقليدية البدائية" التي لم تتطور طيلة الفترات الماضية، هي السبب في معاناة السجناء، وفق مرهج، إضافة إلى ما تعانيه إدارة السجون مع السياسة المالية للدولة اللبنانية، من ناحية تأمين الظروف الحياتية اللائقة للسجناء كالمأكل والمشرب والحقوق والطبابة وصحتهم النفسية وغيرها، وبالتالي إدارات السجون بدورها تعاني أيضاً كالسجناء".

وترى المحامية اللبنانية أن الوضع العام في البلاد هو الذي يؤدي إلى فرار السجناء، "خاصة وأن الإجراءات العقابية لم تعد تقتصر على السجين نفسه بل أيضا باتت تشمل عائلته، حيث تعاني عوائل السجناء أيضا في تأمين حاجات أبنائها في السجن، إضافة إلى اضطرارهم لقطع مسافات طويلة في ظل تنقلات باهظة التكلفة من أجل الاطمئنان على أولادهم وتقديم المساعدات لهم، الطعام لوجده بات يكلف ملايين الليرات كل أسبوع، وبالتالي كل هذه الظروف تشكل عوامل رئيسية ودوافع خلف فرار السجين في لبنان".

وقانونيا توضح مرهج أن السجناء سيكونون اليوم بالإضافة لما يواجهونه من أحكام أو تهم، أمام تهمة إضافية وهي الفرار من السجن، كذلك سيكون المسؤولون عن السجن أمام مشاكل قانونية ومحاسبة بسبب ما حصل، وبالتالي قد يكونون أيضاً هم ضحايا عدم تحديث البنى التحتية والظروف العامة للسجون.  

يذكر أنه وبالإضافة إلى سجن أميون، شهد شهر أغسطس أيضا حالة فرار 32 موقوفا من نظارة التوقيف في منطقة العدلية - المتحف، وتبع ذلك فرار 10 موقوفين من سجن حسبة صيدا، جنوب لبنان في 14 سبتمبر، وشهد السادس من أكتوبر فرار 6 موقوفين من سجن فصيلة إهدن، شمال البلاد.  

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".