فرار السجناء من لبنان ظاهرة متكررة
فرار السجناء من لبنان ظاهرة متكررة

سجل لبنان، فجر الاثنين، حالة فرار جماعي جديدة لنحو 26 سجينا من سجن جب جنين، في منطقة البقاع الغربي، في حادثة باتت تتكرر في سجون البلاد وتزداد وتيرتها مؤخرا لأسباب عدة.

وقد شهد لبنان الشهر الماضي عملية فرار مشابهة لـ 18 سجينا من سجن أميون شمال البلاد.  

ومعظم الذين فروا فجر الاثنين كانوا يقضون محكوميتهم بتهمة تجارة الممنوعات والأسلحة، بحسب ما أكدته الوكالة الوطنية للإعلام، وقد ألقي القبض على عدد منهم خلال وبعد عملية الفرار، في إطار حملة واسعة لقوى الأمن في محافظة البقاع، من أجل ملاحقة الفارين وإعادة توقيفهم. 

وفي هذا السياق، يؤكد الصحفي اللبناني المتابع للقضية، سامر الحسيني، أن عدد الذين كانوا موقوفين في الغرفة التي فروا منها يبلغ 31 سجينا، وعدد الفارين انخفض إلى 17 بعدما نجحت القوى الأمنية بتوقيف 10 منهم على مراحل مختلفة، 5 منهم ألقي القبض عليهم خلال هروبهم وداخل حرم السجن، ثم ألقي القبض على 5 آخرين على الطرقات وفي حقول محيطة. 

ويؤكد لموقع "الحرة" أن الدوريات الأمنية والمفارز كافة في منطقة البقاع التابعة لقوى الأمن الداخلي تعمل حاليا على التوقيفات، كذلك تم مداهمة عدد من منازل الموقوفين للبحث عنهم، فيما اتخذت إجراءات أمنية في محيط منازلهم وأماكن معينة يمكن أن يلجؤوا إليها.  

وحاول موقع "الحرة" التواصل مع قوى الأمن الداخلي من أجل الاطلاع على آخر المستجدات بشأن عدد التوقيفات والإجراءات المتخذة والرواية الرسمية لما حصل، دون تلقي أي إجابات.

وينقل الحسيني عن مصادره الأمنية في إدارة السجن إن عملية الفرار تمت من خلال فتحة للتهوية في الحائط جرى التخلص من الدفاعات الحديدية المثبتة عليها باستخدام نصل منشار حديدي أدخل إلى السجن بطريقة مجهولة حتى الآن، حيث تجري تحقيقات عسكرية في هذه الواقعة لتبيان طريقة دخولها، من ثم فروا عبرها إلى الخارج. 

وعملية الفرار تشير بوضوح إلى وجود تخطيط مسبق ومجهود بذل على مدى أيام لتنفيذ الفرار، لاسيما وأن عملية نشر القضبان الحديدية تتطلب وقتا وتغطية على الصوت الصادر عنها.

 وبحسب الحسيني، يبحث التحقيق الجاري حاليا بإشراف القضاء المختص، عن احتمالية وجود أي تواطؤ أو تسهيل لعملية الفرار من داخل السجن.  

ويوضح أن سجن منطقة جب جنين هو من السجون الهادئة عادة، وغير مكتظ كثيرا، ولا يعاني المساجين فيه من ظروف حياتية قاهرة، مثل التي تشهدها سجون لبنانية عدة، وبالتالي حتى الآن لاتزال الدوافع للفرار محصورة بالأحكام التي يقضيها السجناء فيما بعضهم الآخر انضم لعملية الفرار من أجل الفرار وليس هربا من أحكام طويلة. 

وتشهد السنوات الماضية ارتفاعا في عدد حالات الفرار من السجن، تزامنا مع أسوأ أزمة اقتصادية تضرب البلاد منذ العام 2019 حيث حدث انهيار للعملة المحلية (الليرة) انعكس على موازنات الإدارات الرسمية، ومن بينها منظومة إدارة السجون وباتت سجون لبنان تعاني من ظروف قاسية لا تلائم أبسط مقومات الحياة للمساجين.  

وكان موقع "الحرة" قد أعد تحقيقات عدة حول ظروف سجون لبنان، كشفت عن انقطاع في الأدوية واكتظاظ كبير وسط تأخر وبطء في المحاكمات، وشهدت بعض السجون تفش للعديد من الأمراض، وصولا إلى انعدام الطعام والمياه الصالحة للشرب، والاستخدام في بعض السجون، وقد قام السجناء على مراحل مختلفة بانتفاضات داخل السجون وحالات تمرد اعتراضا على ظروف سجنهم.  

شهد لبنان قبل أيام أكبر عملية فرار لسجناء في تاريخه
سجون لبنان.. "حظائر حيوانات" فكيف لا يهرب منها البشر؟
"عندما يكون الظلم قانونا، يصبح التمرد واجبا"، هذا القول للفيلسوفة الألمانية روزا لوكسمبورغ، وجد سبيله بطريقة ما إلى سجناء لبنان، فرفعوه شعارا لإعلانهم التمرد مع بداية انتشار جائحة كورونا في البلاد ووصولها إلى السجون منتصف العام الجاري، تناقلوه في تسجيلات وبيانات ونشروه عبر حسابات بعضهم على وسائل التواصل الاجتماعي، مطالبين بالعفو العام عنهم وبإنهاء معاناتهم داخل السجون في ظل الانهيار الشامل الذي يصيب الدولة.

وسجل حالات وفاة عدة في السجون اللبنانية خلال السنتين الماضيتين، مرتبطة بنتائج الأزمة وتأثيراتها على واقع السجون في البلاد. 

 "الموت البطيء".. سجناء لبنان في قلب الانهيار
"ستندهش بأي الطرق قد يراودك الموت هنا"، يقول "الشيخ" 49 عاماً، وهو لقب نزيل في سجن رومية اللبناني منذ 4 سنوات، يمضي سجناً غير محدد المدة بسبب عدم خضوعه للمحاكمة بعد. "في السجن ليس أمامك إلا أن تفكر كي تمرر الوقت، قبل مدة جلسنا نحتسب الأسباب المنطقية للموت هنا قبل أن نرى الخارج مرة أخرى".

ردود الفعل

وفي خضم ردود الفعل على حادثة الفرار، الاثنين، برزت تغريدة للمحامية اللبنانية، سندريلا مرهج، التي كشفت عن كون أحد المساجين الفارين هو موكلها، حيث تفاجأت باسمه ضمن لائحة الفارين.

وقالت في تغريدتها: "استيقظت باكرا وحضّرت نفسي لجلسة استجواب موكل لي موقوف في سجن جب جنين. بالصدفة قرأت اسمه أنه هرب باكرا مع 26 آخرين من طاقة هوائية. لم أدرِ أن أفرح أو أحزن له، ولكن حتما ضحكت وأضحك".

وتواصل موقع "الحرة" مع مرهج للوقوف على تفاصيل وضع موكلها في السجن، ومعرفة دوافعه التي جعلته يخاطر بالفرار، وتبين أنه موقوف في أكثر من قضية، وكان يفترض أن يحضر اليوم جلسة في المحكمة العسكرية، وسبق أن كان لديه جلسة أخرى بتاريخ 12 ديسمبر الماضي، لكنه لم يسق إلى جلساته بسبب نقص في آليات النقل التي تستخدم.  

وتواجه القوى الأمنية اللبنانية مشاكل لوجستية عدة ترتبط بالوضع المالي لمؤسسات الدولة اللبنانية، حيث تعاني من نقص في الآليات وصيانتها وتأمين محروقاتها، فضلا عن حاجات لوجستية كثيرة، يعرقل فقدانها قيام الأجهزة الأمنية بالأدوار المختلفة التي تؤديها ومن ضمنها سوق السجناء إلى المحاكم ونقلهم بين مراكز التوقيف والسجون.  

وكان يأمل الموقوف، وفق مرهج، أن يتم تقديمه إلى جلسة الاثنين، بعد مرور 9 أشهر على توقيفه دون محاكمة، خاصة أنه موقوف بجنح بسيطة وليس بجرائم كبرى، فيما لاتزال قضاياه عالقة أمام محاكم معتكفة عن العمل، "لكننا فوجئنا بأنه لم يتم سوقه اليوم أيضاً وكان اسمه من بين الفارين".

وتذكر مرهج أن هذا الفرار ليس الأول من نوعه مؤخرا في سجون لبنان. وتضيف: "لا شك ان الموقوفين والسجناء يعانون من ظروف صعبة داخل السجن نتيجة عوامل عدة أهمها الاكتظاظ وعدم سوقهم إلى المحاكم، لأسباب لوجستية كانت مرتبطة من قبل بكورونا، ثم اليوم باعتكاف القضاء، وبسبب وضع آليات السوق والنقل للسجناء وانعدام صيانتها وقلة عددها، فضلاً عن تأخيرات لوجستية أخرى، حيث تتأجل المحاكمات أشهراً طويلة لتحدد جلسة أخرى".

وتلفت مرهج كذلك إلى مشكلة ترتبط بآلية تبليغ المستدعين في القضايا، حيث "لازالت تتم عبر بالطرق البدائية عبر المباشرين، وهو ما يتسبب بتأخير كبير للقضايا ولوصول التبليغات والتزام المبلغين بالحضور من أجل إتمام المحاكمات، وهذا سبب رئيسي من أسباب تأخير البت بالقضايا للموقوفين".

وهذه المنظومة "التقليدية البدائية" التي لم تتطور طيلة الفترات الماضية، هي السبب في معاناة السجناء، وفق مرهج، إضافة إلى ما تعانيه إدارة السجون مع السياسة المالية للدولة اللبنانية، من ناحية تأمين الظروف الحياتية اللائقة للسجناء كالمأكل والمشرب والحقوق والطبابة وصحتهم النفسية وغيرها، وبالتالي إدارات السجون بدورها تعاني أيضاً كالسجناء".

وترى المحامية اللبنانية أن الوضع العام في البلاد هو الذي يؤدي إلى فرار السجناء، "خاصة وأن الإجراءات العقابية لم تعد تقتصر على السجين نفسه بل أيضا باتت تشمل عائلته، حيث تعاني عوائل السجناء أيضا في تأمين حاجات أبنائها في السجن، إضافة إلى اضطرارهم لقطع مسافات طويلة في ظل تنقلات باهظة التكلفة من أجل الاطمئنان على أولادهم وتقديم المساعدات لهم، الطعام لوجده بات يكلف ملايين الليرات كل أسبوع، وبالتالي كل هذه الظروف تشكل عوامل رئيسية ودوافع خلف فرار السجين في لبنان".

وقانونيا توضح مرهج أن السجناء سيكونون اليوم بالإضافة لما يواجهونه من أحكام أو تهم، أمام تهمة إضافية وهي الفرار من السجن، كذلك سيكون المسؤولون عن السجن أمام مشاكل قانونية ومحاسبة بسبب ما حصل، وبالتالي قد يكونون أيضاً هم ضحايا عدم تحديث البنى التحتية والظروف العامة للسجون.  

يذكر أنه وبالإضافة إلى سجن أميون، شهد شهر أغسطس أيضا حالة فرار 32 موقوفا من نظارة التوقيف في منطقة العدلية - المتحف، وتبع ذلك فرار 10 موقوفين من سجن حسبة صيدا، جنوب لبنان في 14 سبتمبر، وشهد السادس من أكتوبر فرار 6 موقوفين من سجن فصيلة إهدن، شمال البلاد.  

الأيغور في الصين

لا تعمل مضخة وقود في شينجيانغ، ما لم يقف الأويغوري، أمام كاميرات التعرف على الوجه في المحطة.

وإذا أراد الدخول إلى سوق، فليس أمامه إلا النفاذ عبر أجهزة الكشف عن المعادن، وأدوات التحقق من الهويات، وكاميرات التعرف على الوجه، كذلك، قبل أن يؤذن له بالدخل للتبضع.

"أن تكون إويغوريا يعني أن تعيش في كابوس دائم،" يقول مايكل سوبوليك، الباحث المتخصص في الشأن الصيني، لموقع "الحرة".

في شينجيانغ، موطن أقلية الأويغور المسلمة غربي الصين، تنتشر كاميرات المراقبة في كل مكان، بينما تتربص نقاط التفتيش الأمنية بالمارة عند كل منعطف: أين هاتفك الشخصي؟

وتقول منظمات حقوقية دولية إن بكين رسخت، على مدى عقد من الزمن أحد أكثر أنظمة المراقبة الرقمية شمولية في العالم، وحولت 13 مليون أويغوري إلى مختبر حي لإدوات المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي. 

والأخطر أن نموذج القمع الرقمي الصيني هذا، يمكن أن يُحتذى في أي مكان في العالم، بل أن دعوى قضائية، تجري فصولها في باريس حاليا، تشير إلى تطبيقات للنظام في دول عدة.

محكمة في باريس

في قاعة محكمة في باريس، يغلي على نار هادئة، منذ أسابيع، صراع قانوني قد يكون غير مسبوق، لمحاسبة شركات تكنولوجيا صينية على جرائم ضد الإنسانية.

يقود القضية، باسم "المؤتمر العالمي للإيغور"،  المحامي الفرنسي، الشهير في مجال حقوق الإنسان، ويليام بوردون. والمتهمون فيها فروع فرنسية لثلاث من عمالقة التكنولوجيا الصينية: هواوي، وهايكفيجن، وداهوا.

 التهمة: التواطؤ في إبادة جماعية.

تؤكد الدعوى على أن الشركات العملاقة تلك ساعدت في بناء دولة رقابة شاملة في إقليم شينجيانغ، حيث أن أنظمة التعرف على الوجوه وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تراقب فقط، إنها مدربة لاستهداف الأويغور على أساس عرقي.

ووفقا لـ"المؤتمر العالمي للإيغور"، لم تكن هذه الأنظمة مجرد أدوات مراقبة، بل وسائل للاعتقال والتعذيب والسيطرة، تغذي واحدة من أوسع شبكات القمع الرقمي في العالم.

ولا تقتصر الدعوى على استخدام القمع الرقمي داخل حدود الصين، بل تتضمن الإشارة إلى استخدام هذه الأنظمة في مناطق صراع أخرى مثل أوكرانيا، وفي مشاريع مراقبة في الإكوادور وصربيا.

ويقول ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، في حديث مع موقع "الحرة" إن أنظمة المراقبة هذه أصبحت متاحة على نطاق واسع لحكومات أجنبية ترغب في تقليد النموذج الصيني.

"يبدو أن هناك عددا من الدول في إفريقيا وآسيا، وربما بعض الدول الأوروبية، لكنها تتركز بشكل أساسي في إفريقيا وآسيا، وربما أميركا اللاتينية أيضا، تشتري هذه الأنظمة من الصين".

"لكن المشكلة،" يتابع ويتز، "أن الصينيين، على ما يبدو، يقومون بجمع هذه البيانات لأنفسهم أيضا".

خوارزمية الشرطة التنبؤية

منذ نحو عشرة أعوام يتعرض الشعب الأويغوري لرقابة مشددة، مصحوبة باعتقالات جماعية تعسفية، ومعسكرات تلقين أيدولوجي قسرية، وقيود على التنقل والعمل والطقوس الدينية.

فبعد إعلان بكين "حرب الشعب على الإرهاب" في 2014، وسعت السلطات الصينية بشكل كبير نطاق استخدام الشرطة للتكنولوجية المتقدمة في مناطق الأويغور.

وفي عهد سكرتير الحزب الشيوعي في تشينجيانغ، تشن كوانغو الذي يوصف بـ"المتشدد"، شهدت مناطق الأويغور فورة في إنشاء مراكز الشرطة، وبات لا يفصل بين مركز وآخر أكثر من 500 متر.

ارتفع الإنفاق الأمني، وزادت عمليات التوظيف في مجال الأمن العام بشكل هائل. ووجدت تقارير أن شينجيانغ توظف 40 ضعفا من رجال الشرطة لكل فرد مقارنة بمقاطعة غوانغدونغ الجنوبية المكتظة بالسكان.

في الوقت ذاته، أطلقت بكين منصات شرطة تعمل بالخوارزميات التنبؤية. ويقوم تطبيق يُسمى "منصة العمليات المشتركة المتكاملة (IJOP)" بتجميع البيانات الشخصية من مصادر متعددة: كاميرات المراقبة، وأجهزة تتبع شبكات الواي فاي والهواتف الشخصية، والسجلات المصرفية، وحتى سجلات الصحة والسفر، لتحديد الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات تهديدا محتملا.

ووفقا لهيومن رايتس ووتش، أوعز برنامج "الشرطة التنبؤية" هذا باعتقالات عشوائية للأويغور من دون أن يكون هناك أي مؤشر على وجود تصرف مخالف للقانون.

من شأن الحجاب وحده أن يُفعّل الخوارزمية لتصنيف شخص ما كـ"خطر أمني". وغالبا ما تعتقل السلطات الأشخاص الذين الذين يستهدفهم نظام البيانات هذا، وترسلهم إلى معسكرات التلقين من دون تهمة أو محاكمة.

"إذا كنت مواطنا صينيا وتعيش في الصين، فإن حياتك تُدار من خلال تطبيقات تسيطر عليها في النهاية الحكومة الصينية، وتحديدا الحزب الشيوعي الصيني،" يقول سوبوليك، وهو زميل أقدم في معهد هدسون.

"خذ مثلا تطبيق "وي تشات" (WeChat) الذي يُسمى بـ"تطبيق كل شيء"، سواء كان لطلب الطعام، أو لمراسلة العائلة، أو لاستخدام محرك بحث، أو للنشر على شبكات التواصل الاجتماعي. إنه تطبيق يتغلغل في كل شيء".

وهو أيضا تطبيق يستخدمه الحزب الشيوعي الصيني لتتبع ومراقبة اتصالات المواطنين، يضيف.

ويقول سكان أويغور إن السلطات الصينية تعاملهم دائما بريبة. "إذا بدا عليك أنك من أقلية عرقية، فسيخضونك للتفتيش. أشعر  بالإهانة"، تنقل هيومان رايتس ووتش حديث أحد مستخدمي الإنترنت الأويغور عن عمليات التفتيش الأمنية التي لا تنتهي.

ويعتقد ويتز أن حقوق الأويغور "تُنتهك بطرق عديدة" ونظام المراقبة باستخدام الذكاء الاصطناعي "واحدة منها".

شينجيانغ - رمضان الماضي 

بينما ينشغل العالم عن إقليم شينجيانغ بقضايا دولية أخرى، تواصل الصين حملتها لدمج الأويغور قسريا. 

في شهر رمضان، أجبرت السلطات الصينية الأويغور على تصوير أنفسهم وهم يتناولون الغداء وإرسال اللقطات إلى كوادر الحزب الحاكم، في مسعى لمنع ما تصفه السلطات بـ"التطرف الديني". 

و أُجبر كثيرون على العمل خلال ساعات النهار، واحتُجز الذين رفضوا العمل من 7 إلى 10 أيام، أو أرسلوا إلى "المعسكرات"، بحسب ما أفاد به شرطي محلي راديو "آسيا الحرة"، مارس الماضي.

أزمة أخلاقية

لا تزال قضية العمل القسري في السجون بمثابة أزمة أخلاقية كبيرة على المستوى الدولي، في حين تواصل واشنطن مساعيها للتخفيف من معاناة الأويغور بقوانين وإجراءات تستهدف شركات صينية متورطة في جرائم ضد الإنسانية.

ويصف ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، الجهود الأميركية ودول أخرى، في هذا الشأن، بأنها "أكثر نجاحا" مقارنة بالدور الأوروبي في مواجهة الانتهاكات الصينية لحقوق الإويغور. 

ويشير ويتز إلى إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وإدارة جو بايدن قبله شجعتا الحكومات الأوروبية وغيرها على عدم شراء التكنولوجيا الصينية، خاصة تلك التي يمكن أن تُستخدم لجمع بيانات عن الشركات المحلية أو السكان".

وفي أوائل مايو الحالي، أقر مجلس النواب الأميركي قانون "لا دولارات للعمل القسري للأويغور". 

يحظر القانون على وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) تمويل أي برامج تشمل بضائع مُنتجة في إقليم شينجيانغ الصيني أو من طرف كيانات مرتبطة بالعمل القسري المفروض على الأويغور. 

ويُلزم المشروع الجهات المتعاقدة بتقديم ضمانات خطية بعدم استخدام مثل تلك المنتجات. ويفرض أيضا تقديم تقارير سنوية حول الانتهاكات والتحديات في تنفيذ القانون. ويسمح باستثناءات مشروطة بإشعار الكونغرس بشكل مسبق.

ويعزز القانون الجهود الأميركية في التصدي لقمع الصين للإيغور عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي يناير الماضي، وسعت وزارة الأمن الداخلي الأميركية بشكل كبير "قائمة الكيانات" المشمولة بقانون منع العمل القسري للإيغور. واستهدفت الوزارة شركات صينية متورطة في العمل القسري في شينجيانغ.

وبين عامي 2024 و2025، قامت شركات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا بإدراج شركات صينية عديدة على القوائم السوداء، في قطاعات تشمل الزراعة، وألواح الطاقة الشمسية، والمنسوجات.

إضافة إلى ذلك، "ركزت واشنطن أحيانا على تطوير تكنولوجيا مضادة تتيح للإيغور وغيرهم التحايل على أنظمة المراقبة،" وفقا لويتز.

ويلفت سوبوليك إلى أن إنشاء دولة المراقبة داخل الصين يعود إلى ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، و"بمساعدة دول غربية".

لكنهم تمكنوا من تطوير هذه "التكنولوجيا الديستوبية (المرعبة) ، واستخدامها على شعبهم وعلى الأويغور بشكل خاص، يضيف.

براءات الاختراع

وراء الكواليس، تتعاون بكين مع شركات خاصة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد هوية الأشخاص استنادا إلى العرق. وتقول رويترز إن براءات الاختراع والوثائق التي كُشف عنها خلال السنوات الماضية، تُظهر أن شركات التكنولوجيا الصينية ابتكرت خوارزميات لتحديد وجوه الأويغور بين الحشود.

وتنقل الوكالة عن أحد الباحثين تحذيره من هناك خروقات جسيمة ترتكب ضد حقوق الإنسان. "تتيح هذه التقنيات للشرطة الاطلاع على قاعدة بيانات ضخمة من الوجوه، وتحديد الوجوه التي صنّفها الذكاء الاصطناعي على أنها أويغورية،" يقول.

أنشأت بكين قاعدة بيانات ضخمة من البيانات البيومترية الخاصة بسكان شينجيانغ. وتحت ستار الفحوصات الطبية المجانية، أُجبر السكان، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية، وخاصة الأقليات المسلمة، على تزويد الشرطة بعينات من الحمض النووي، ومسح قزحية العين، وبصمات الأصابع، وتسجيلات صوتية.

بهذا الكم الهائل من المعلومات البيومترية الشخصية، إلى جانب شبكات كاميرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات مراقبة الهواتف الذكية، أنشأت الصين نظام مراقبة، أورويلي الطابع. بل أن جورج أورويل نفسه ليصاب بالرعب إزاء دستوبيا حقيقية يعيش في أتونها بشر حقيقيون، وليس مجرد شخصيات خيالية.

يوصف نظام المراقبة في شينغيانع عموما بأنه "دولة بوليسية رقمية"، ويعد بمثابة برنامج تجريبي، تختبره بكين على الأويغور قبل توسيع نطاقه في أماكن أخرى حول العالم.

مثل شخصيات أورويل في روايته "1984"، يعيش حوالي 13 مليون  أويغوري وغيرهم من المسلمين الأتراك في شينجيانغ، حالة خوف مستمرة تحت شبكة أمنية عالية التقنية. 

يعلم الناس أن كل حركة تقريبا تخضع للمراقبة. ذهابك إلى المسجد، الأشخاص الذي تتواصل معهم، ما تقرأه، وحتى طريقة لباسك، يتم باستمرار تقييمها بواسطة الخوارزميات. 

يتجنب كثيرون في تشينجيانغ تبادل العبارات الدينية  أو ذات الصبغة الثقافية الخاصة. فتواصلك مع الأقارب في الخارج، أو امتلاكك سجادة صلاة، أو مشاركتك آية قرآنية على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تنتهي بك إلى السجن. 

يقول أويغور أنهم "يخافون من الصلاة أو حتى ارتداء الملابس التقليدية" في منازلهم، لأنهم يعلمون أن عيون الدولة وآذانها في كل مكان، والعواقب وخيمة.

منذ عام 2017، نفذت السلطات الصينية حملات اعتقال جماعي في شينجيانغ. واحتجزت  أكثر من مليون من الأويغور والأقليات المسلمة الأخرى في شبكة من معسكرات الاعتقال والسجون، وفقا لتقديرات نقلتها الأمم المتحدة، وفقا لرويترز. 

أُرسل كثيرون إلى المعسكرات ليس لارتكابهم أي جريمة، بل لأن أنظمة الرقابة الآلية وضعتهم على قائمة "غير موالين محتملين" بسبب بصمتهم الرقمية.

داخل معسكرات التلقين، التي تسميها بكين "مراكز التدريب المهني،" نقل معتقلون سابقون عن تعرضهم للتعذيب والتلقين السياسي والإجبار على التخلي عن دينهم. 

تمزقت أوصال عائلات: يختفي البالغون في معسكرات سرية بينما يُوضع الأطفال في مؤسسات حكومية، في سعي السلطات لمحو هوية الأويغور. حتى غير المعتقلين يعيشون تحت نوع من الإقامة الجبرية المؤقتة. 

يسرد تقرير للغاردينان قصة رجل أويغوري عاد إلى شينجيانغ من الدراسة في الخارج، فوصف على الفور بأنه "خطر" لمغادرته البلاد؛ اعتقلته الشرطة في المطار، وأجبرته على الخضوع لـ"فحص صحي" بيومتري، واقتادته إلى مركز احتجاز.

أُلقي القبض على آخرين لمجرد أن أحد أقاربهم في الخارج، أو لأن هواتفهم تحمل محتوى إسلاميا.

تقول منظمات حقوقية دولية إن المراقبة الشاملة تُغذي منظومة انتهاكات أوسع نطاقا. في تقرير صدر في أغسطس 2022، خلصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن ممارسات الصين الرقابية في شينجيانغ "قد تُشكل جرائم دولية، لا سيما جرائم ضد الإنسانية".

وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أدلة على الاعتقال الجماعي والتعذيب والاضطهاد الثقافي والعمل القسري في المنطقة، والتي تُسهّلها البنية التحتية المتطورة للمراقبة، مما يجعل من شبه المستحيل على الأويغور التهرب من سيطرة الدولة.

باختصار، أصبحت شينجيانغ سجنًا مفتوحًا حيث تُحاصر مجموعة عرقية بأكملها بالوسائل الرقمية. الخسائر البشرية فادحة: تدمير الخصوصية، وتجريم المعتقد والثقافة، وتعطيل أو تدمير حياة ملايين الأشخاص. 

"لقد بنت الصين في شينجيانغ ديستوبيا مدفوعة بالمراقبة، وهي نموذج للقمع يجب على العالم مواجهته على وجه السرعة"، قالت صوفي ريتشاردسون من هيومن رايتس ووتش: (هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٣). 

شركات القمع التكنولوجي

تؤكد تقارير أن اعتماد بكين على نخبة من الشركات الصينية العملاقة في مجال تكنولوجيا الأمن في توفير الأجهزة والبرمجيات التي تشغل دولة شينجيانغ البوليسية.

هيكفيجن وداهوا وهواوي وهي من أكبر شركات صناعة كاميرات المراقبة في العالم.

فازت هيكفيجن وداهوا بعقود ضخمة لتزويد شينجيانغ بكاميرات مراقبة وأنظمة تعرف على الوجه. 

وتُظهر أبحاث استندت إلى وثائق شرطة مسربة أن كاميرات هيكفيجن جزء أسياسي في برامج الشرطة في شينجيانغ لتتبع الأويغور واستهدافهم.

إذا كنت أويغوريا

إذا كنت أويغوريا تعيش في الصين، فمن المستحيل أن تعيش حياتك دون أن تكون خاضعا للرقابة المستمرة من الحزب الشيوعي الصيني، يقول سوبوليك.

"وما هو أكثر مأساوية،" يضيف، "أنه حتى لو كنت أويغوريا تعيش خارج الصين – في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أي دولة غربية أخرى – فإن قمع الحزب لا يزال يلاحقك".