داعش
يتخذ هذا التيار الجديد من مواقع التواصل الاجتماعي فضاء لتداول مواقفه واستقطاب مؤيديه والدخول في جدل محموم مع معارضيه

قد تبدو أفكار داعش أكثر النزعات التكفيرية تطرفا. لكنها في الواقع لا هي ولا حتى أفكار التيار الحازمي، وهو التيار الأكثر تشددا داخل داعش، يمكن أن تنافس أفكار تيار تكفيري جديد آخذ في التبلور، ويتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي فضاء لتداول مواقفه واستقطاب مؤيديه والدخول في جدل محموم مع معارضيه.

واعتبر هذا التيار سقوط "خلافة" داعش دليلا على فساد عقيدة التنظيم، والذي حسبه أخطأ في اعتبار المجتمعات الذي حكمها مسلمة، فأخذ البيعة من أفرادها وجبى الزكاة منها، وكان أفراده ومقاتلوه يصلون في مساجدها.

في المقابل، يعتبر هذا التيار الجديد المجتمعات الإسلامية مجتمعات كافرة لم تدخل في الإسلام بعد، ولا يجوز أخذ البيعة والزكاة منها إلا بعد دخولها في الإسلام!

وبعض رموز هذا التيار كانوا أعضاء سابقين في داعش وكثير منهم كانوا معتقلين في سجونه مثل محمد بن سعيد الأندلسي.

شعوب كافرة!

ثمة نقاط اختلاف كثيرة بين رموز هذا التيار لكنهم مجمعون على كفر كافة الشعوب في العالم العربي والإسلامي، ونشروا محاضرات صوتية ومقالات ودراسات في هذا الصدد. وذهبوا أبعد من ذلك عندما أصلوا الكفر في المجتمعات الإسلامية، بمعنى أنهم لا يعتبرون هذه الشعوب مرتدة عن الإسلام فقط، بل يرون أنها كافرة أصلا، أي لم تدخل في الإسلام بعد. ويلحق حكم الكفر حتى الأطفال في هذه المجتمعات أيضا، كما هو موضح في مقال بعنوان "التأصيل المبين في حكم أطفال المشركين".

جادل محمد بن سعيد الأندلسي وهو من أبرز المنظرين لهذا التيار في كثير من كتاباته وتسجيلاته الصوتية عن مسألة كفر الشعوب العربية. واعتبر في مقال له بعنوان "البراهين الجلية في كفر الشعوب العربية" أن "هذه الشعوب قد دخلت في دين الطواغيت أفواجا فصار الحكم عاما غير مقتصر على الطبقة الحاكمة وجنودهم وأوليائهم.. ويحكم عليهم بعموم الكفر على التعيين".

وحشد الأندلسي عشرات النصوص القرآنية التي رأى أنها تدعم موقفه، وخصص 15 صفحة من مقاله لسرد ما اعتبرها "أدلة" على كفر الشعوب الإسلامية، معتبرا أن انتشار ثقافة حقوق الإنسان والمظاهرات المطالبة بالديمقراطيات دليل على تفشي الشرك في كافة الفئات والطبقات!

وفي مقال آخر، بعنوان "فصل المقال في حكم قومنا، هل هم مرتدون أم كفار أصليون"، بحث مسألة تأصيل الكفر في المجتمعات الإسلامية وخلص فيه بعد جرد مختزل لنصوص من القرآن والسنة إلى أن الشعوب الإسلامية "نشأت على غير دين الإسلام الصحيح، لكنهم يتكلمون بالإسلام وينسبون أنفسهم إليه، لكن هذه النسبة غير معتبرة في الأسماء والأحكام.. ولا يصدق عليهم أنهم مرتدون لأنهم لم يدخلوا في دين الإسلام حتى يخرجوا منه".

وأضاف أن "التوصيف الصحيح لقومنا أنهم أحفاد المرتدين، فقد وقعت الردة في أجدادهم القدامى فنشأوا على هذا الكفر والردة عبر أجيال" وقد نحا أبو عمر الليبي منحى الأندلسي في تكفير الشعوب في مقاله "طاغوتية الشعوب العربية".

وجدت هذه القناعات، على غرابتها، مئات المؤيدين على مواقع التواصل الاجتماعي فأسسوا عشرات الصفحات والمجموعات لترويجها، واختصارها على شكل تصاميم (بوسترات) ومقاطع صوتية قصيرة ليسهل تداولها ووضعها على حالات الحسابات الشخصية في فيسبوك والواتساب وغيرهما.

والطريف أنهم يعتبرون حتى أنفسهم كفارا في السابق ودخلوا في الاسلام "عندما حققوا التوحيد"!

هذه القناعات، بهذا التطرف الشديد، لم يسبق أن عبرت عنها أي من جماعات التكفير (بما في ذلك جماعة التكفير والهجرة في سبعينات القرن الماضي)، التي ظهرت على مدار العقود الماضية أو شيوخها ومنظريها، ولم تكن جزءا من أي مذهب فقهي أو كلامي أو مدرسة إسلامية في تاريخ الإسلام، بل هي نزعة جديدة قامت على أنقاض الإسلام السياسي وفاقمها انهيار "خلافة" داعش.

وتكفر جماعة التكفير والهجرة "مرتكبي الكبائر" إذا لم يتوبوا، كما تكفر الحكومات والمنتخبين. وتعتبر المجتمعات مرتدة، أي أنها كانت مسلمة وارتكبت ناقضا من نواقض الإسلام فصارت مرتدة، حسب فهم الجماعة. وتبعا لذلك فهي لا تكفر الأطفال حتى وإن اعتبرت أباءهم مرتدين، بينما يعتبر هذا التيار المجتمعات كافرة لم تدخل الإسلام أصلا، بما في ذلك الأطفال.

 
علماء مضلون

يُنظر دائما إلى تراث ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وابن القيم الجوزية باعتباره رافدا مركزيا من روافد الفكر الجهادي، فقد ارتبطت نصوص الدعوة الوهابية بمعظم الجماعات المتشددة. ولا يزال كتابا "التوحيد" و"نواقض الإسلام" لمحمد بن عبد الوهاب وشروحهما المختلفة أساسا نظريا لتنظيم داعش، يعتمد عليه في تبرير عدوانيته وتطرفه، كما ينذر أن تجد صفحة واحدة من أدبيات القاعدة وشيوخها دون أن تحتوي على إحالة إلى كتاب من كتب ابن تيمية.

لكن هذا التيار التكفيري الجديد يرى في هؤلاء الدعاة والعلماء مجموعة من أهل "التجهم والإرجاء" ضللوا الأمة الإسلامية عبر التاريخ وأفسدوا عقيدتها. ونشر التيار سلسلة من المقالات حولهم من أجل تحطيم رمزيتهم ومكانتهم، من أهمها سلسلة مقالات بعنوان "كشف الستار عن شيوخ الضلال" وسلسلة أخرى بعنوان "فضح أئمة الشرك والضلال" نشرت على حلقات في صفحات ومجموعات يرتادها أنصار التيار على الإنترنت.

حوت هذه المقالات "تأصيلات" مقتضبة حول كفر علماء المسلمين وانحراف عقيدتهم بمن فيهم ابن تيمية نفسه والقرطبي وابن حزم وابن عبد الوهاب، وأبناؤه وأحفاده وغيرهم. وقد نال أبو حنيفة النعمان أحد الأئمة الأربعة المعتبرين عند المسلمين السنة النصيب الأكبر من النقد، فكُتبت عنه عشرات المقالات والمنشورات التي تقطع بكفره وخروجه من الإسلام.

مآخذ هذا التيار على هؤلاء الفقهاء أنهم لم يحكموا بكفر من ثبت كفرهم (حسب رأي التيار). ويراهم بالتالي امتدادا لأفكار "التجهم والإرجاء"، وهي نزعات كلامية ظهرت في التاريخ الإسلامي المبكر وتربط أحكام التكفير بمجموعة من الشروط والاعتبارات التي يصعب تحققها.

 اللافت أن عمر الحازمي الذي يعد أحد أقطاب التكفير في الوقت الراهن، وصاحب إحدى أكثر الآراء العقدية جموحا وتشددا، يعتبره شيوخ هذا التيار من "مرجئة الفقهاء" أي أنه ليس متشددا بما يكفي لينال رضاهم.

ونشر الأندلسي محاضرة صوتية بعنوان "الرد على الحازمي في أسلمته للمتلبس بالشعيرة في ديار الكفر" فحواها أن الحازمي أخطأ عندما اعتبر القيام بالشعائر الإسلامية الظاهرة مثل الصلاة دليلا على الإسلام، بينما بالنسبة لهم لا معنى لهذه الشعائر في مجتمع "أخل بأصل الدين وهو التوحيد ولم يدخل في الإسلام بعد"

الأرض مسطحة

من المواقف الغريبة التي روج لها أتباع هذا التيار في مجموعاتهم الرقمية، وحرروا دفاعا عنها عشرات المقالات والمنشورات المعززة أحيانا بالصور والخرائط أن الأرض مسطحة وليس كروية، وأن وكالة الفضاء الأميركية ناسا ضللت الناس، وأن صور نزول المركبات على سطح القمر مجرد مشاهد مفبركة صنعتها شركات إنتاج سينمائية.

وكتب أبو عبد الله الشمري وهو واحد من أنشط المروجين لهذه التوجهات مقالا بعنوان " رسالة موجزة.. هدم صنمي ناسا والأرض الكروية" خصصه لتأويل عشرات النصوص القرآنية التي قال بأنها أدلة إثبات قاطعة على كون الأرض مسطحة. واستنتج من خلال تفسيرها بأن "الفضاء عند ملاحدة ناسا هو فراغ لا متناه أي أنه لو أمكننا الصعود لأعلى فإنه لا يمكن أن نصل لنهاية الفضاء وهذا مخالف لكلام الله تعالى، فإن الله جعل السماء سقفا للأرض، ومخالف أيضا لما ورد عن الرسول في حديث المعراج، فقد أخبرنا بأن المسافة بين السماء والأرض مسيرة 500 عام وأنه لا يمكن عبور السماء بدون إذن من الله وأن لكل سماء خازن من الملائكة والمسافة بين كل سماء وسماء مسيرة 500 عام وأن عرش الرحمن فوق السماوات السبع وأنه لا شيء فوق العرش وأن الله فوق العرش استوى".

وبما أن النصوص القرآنية -حسب ظنه_ قطعت بكون الأرض مسطحة فإن من يعتقد خلاف ذلك فقد عارض القرآن وهو بذلك كافر! وأنهى الشمري مقاله بالقول "كفرنا بناسا وأخواتها وآمنا بالله وحده لا شريك له ولا معقب لأمره".

تسود في العالم اليوم جماعات عدة تروج لنظريات المؤامرة، وتعتقد أن العالم كان ضحية خداع بشأن كثير من القضايا ضمنها "كروية الأرض" لكن ما يميز تيار التكفير هذا أن "حججه" مبينة على نصوص دينية وقراءات لغوية لبعض المصطلحات والمفاهيم في القرآن، والأخطر من كل هذا أنها ترتب على ذلك أحكاما بالكفر والردة.

العراق وسوريا

لا تزال العلاقة الرسمية بين العراق وسوريا موضع حذر منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي. ويبدو الملف السوري محاطا بالإرباك، خصوصا على الجانب العراقي، ويدل على هذا الإرباك التعاطي الإعلامي مع أي تواصل رسمي بين البلدين، وكأن الطرفين في علاقة "محرّمة"، يحاول الإعلام الرسمي العراقي دائما مداراتها وإخفائها عن العيون ووسائل الإعلام.

حدث ذلك حينما زار حميد الشطري، رئيس جهاز الاستخبارات العراقية، سوريا في نهاية العام الماضي والتقى الشرع، ولم يُعلن عن الخبر في وسائل الإعلام العراقية الرسمية، ولم يكشف عن اللقاء إلا بعد ان تناولته وسائل الإعلام السورية. 

ومثل هذا الأمر حدث قبل أيام في لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني برعاية قطرية في الدوحة، واُخفي الخبر عن الإعلام ليومين قبل ان تظهر صور الرجلين في حضور أمير قطر.

ردّة الفعل في الشارع العراقي على اللقاء تفسّر إخفاء الخبر قبل الإفصاح عنه. فقد انقسم العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي حول المسألة، وهاجم كثيرون السوداني على قبوله الجلوس مع من يعتبرونه "متورطاً في الدم العراقي"، و"مطلوبا للقضاء العراقي".

الباحث القانوني العراقي علي التميمي يشرح الإطار القانوني الدولي المتعلق برؤساء الجمهوريات، في حال صحّت الأخبار عن أحكام قضائية ضد الشرع في العراق.

ويرى التميمي أن رؤساء الدول يتمتعون بـ"حصانة مطلقة تجاه القوانين الجنائية للدول الأخرى". ويشرح لموقع "الحرة" أن هذه الحصانة "ليست شخصية للرؤساء، بل هي امتياز للدول التي يمثلونها"، وهي تمنع إلقاء القبض عليهم عند دخولهم أراضي الدول الأخرى". 

ويشير التميمي إلى أن هناك استثناء واحداً لهذه القواعد، يكون في حال "كان الرئيس مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية وكانت الدولة المضيفة موقعة على اتفاقية روما ١٩٩٨ الخاصة بهذه المحكمة"، هنا، يتابع التميمي، تكون الدولة "ملزمة بتسليم هذا الرئيس الى المحكمة وفقاً لنظام روما الأساسي".

لكن هل حقا أحمد الشرع مطلوب للقضاء العراقي؟

ويشير الباحث العراقي عقيل عباس إلى "عدم وجود أي ملف قضائي ضد الشرع في المحاكم العراقية". 

ويستغرب كيف أن العراق الرسمي "لم يصدر بعد أي بيان رسمي يشرح ملابسات قضية الشرع وما يحكى عنه في وسائل التواصل الاجتماعي، والجهات الرسمية لديها السجلات والحقائق، لكنها تركت الأمر للفصائل المسلحة وجمهورها وللتهويل والتجييش وصناعة بعبع (وحش مخيف) طائفي جديد، وكأن العراق لم يعان ما عاناه من الطائفية والتحريض الطائفي".

وكانت انتشرت وثيقة على وسائل التواصل الاجتماعي، تداولها عراقيون، عبارة عن مذكرة قبض بحق أحمد الشرع. وقد سارع مجلس القضاء الأعلى في بيان نقلته وكالة الأنباء العراقية في 26 من فبراير الماضي، إلى نفي صحة الوثيقة ووصفها بأنها "مزورة وغير صحيحة".

عباس مقتنع أن الغضب الشعبي من لقاء السوداني والشرع "وراءه أسباب سياسية مبرمجة، وليس تلقائياً، وجرى تحشيد الجمهور الشيعي لأسباب كثيرة، تصب كلها في مصالح إيران، غير السعيدة بسقوط بشار الأسد وحلول الشرع مكانه".

وبحسب عباس، منذ سقوط الأسد، "بدأت حملة في العراق لصناعة "بعبع" من الجولاني (أحمد الشرع)". يشرح: "يريد هؤلاء أن يقولوا ان تنظيم القاعدة يحكم سوريا، وهذا غير صحيح".

ويقول عباس لموقع "الحرة"، إن لدى الناس اسباباً موضوعية كثيرة للقلق من الشرع، خصوصاً خلفيته الجهادية المتطرفة ووضعه على لوائح الإرهاب، والشرع يقول إنه تجاوز هذا الأمر، "لكننا نحتاج ان ننتظر ونرى"، بحسب تعبيره.

ما قام به السوداني "خطوة ذكية وحكيمة سياسياً وتشير إلى اختلاف جدي بينه وبين بقية الفرقاء الشيعة في الإطار التنسيقي"، يقول عباس.

ويضيف: "هناك اعتبارات براغماتية واقعية تحكم سلوك السوداني، فهو كرئيس وزراء عليه أن يتعاطى مع سوريا كجار لا يجب استعداءه".

ويضيء الباحث القانوني علي التميمي على صلاحيات رئيس الحكومة في الدستور العراقي، فهو "ممثل الشعب داخلياً وخارجياً في السياسة العامة وإدارة شؤون البلاد بالطول والعرض"، وفق تعبيره، ورئيس الوزراء في العراق هو "بمثابة رئيس الجمهورية في الدول التي تأخذ بالنظام الرئاسي".

أما من الجانب السياسي، فإن السوداني، برأي عباس، "يخشى -وعن حق- ان تختطف حكومته المقبلة أو رئاسته للوزراء باسم حرب وهمية تديرها إيران والفصائل المسلحة وتشنّ في داخل سوريا تحت عنوان التحرير الذي نادى به المرشد الإيراني علي خامنئي قائلا إن شباب سوريا سيحررون بلدهم". وهذا يعني، بحسب عباس، ابتعاد السوداني عن التأثير الإيراني، و"أنا أتصور أن إيران غير سعيدة بهذا"، كما يقول.