البلدان الثلاثة فشلت في تنفيذ توصيات حرية الصحافة
البلدان الثلاثة فشلت في تنفيذ توصيات حرية الصحافة

شكل عام 2022 واحدا من أسوأ الأعوام على حرية الصحافة وسلامة الصحفيين حول العالم، وذلك بعدما سجل أرقاما قياسية لم ترصدها المؤشرات منذ نحو 30 عاما، وفق تقارير منظمات حقوقية ومهنية في هذا الشأن.

وسجلت انتهاكات بارزة هذا العام، اتخذت طابعا أكثر تطرفا، تمثلت في اغتيال صحفيين، واعتقال أعداد كبيرة منهم، فضلا عن الملاحقة والتهديد والترهيب التي باتت نهجا معتمدا أكثر من حالات متفرقة أو فردية، فيما كانت منطقة الشرق الأوسط، الساحة الأوسع لهذه الممارسات، ولاسيما الدول العربية التي احتلت مراتب متأخرة جداً في المؤشرات المتعلقة بحرية الصحافة. 

هذا الواقع المتردي دفع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، للقول إن الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام باتوا يواجهون "تسييسا متزايدا لعملهم" وتهديدات، تزداد يوما بعد يوم، تخص حريتهم في أداء وظائفهم بيسر، وذلك في اليوم العالمي لحرية الصحافة.  

في حين قالت المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، بالمناسبة ذاتها إن أكثر من خمسة أشخاص من أصل ستة في العالم يعيشون في بلد سجّل تراجعا على صعيد حرية الصحافة خلال السنوات الخمس الماضية. 

أحدث التقارير بهذا الشأن صدر، في منتصف ديسمبر الحالي، عن "لجنة حماية الصحفيين" (CPJ) وكشف أن عدد الصحفيين السجناء في العالم بلغ أعلى رقم على امتداد السنوات الثلاثين الماضية، ووصل إلى 363 صحفيا، بحلول الأول من ديسمبر عام 2022، مما يمثل رقما قياسيا ويشكل زيادة بنسبة 20 في المئة عن عام 2021. 

ونقل التقرير عن رئيسة لجنة حماية الصحفيين، جودي غينزبرغ، قولها إن "العدد القياسي من الصحفيين السجناء يمثل أزمة تعكس تراجع الديمقراطية في العالم. ويوضح إحصاء الصحفيين السجناء لهذا العام أفضل توضيح للمدى الذي تذهب إليه الحكومات لإسكات التغطية الصحفية الرامية إلى إخضاع السلطة للمساءلة".

وأشارت إلى أن تجريم الصحافة يترك "تأثيرات تتجاوز كثيرا الفرد الذي يُسجن: فهو يخنق التغطية الصحفية الحاسمة الأهمية التي تساعد في المحافظة على الجمهور سالما ومطلعا على ما يدور ومتمتعا بالتمكين".

وسجّلت الحصيلة السنوية للانتهاكات المرتكبة ضد الصحفيين عبر العالم، التي تنشرها "مراسلون بلا حدود"، رقما قياسيا أكبر، حيث بلغ عدد المحتجزين في أوساط الفاعلين الإعلاميين 533، خلال عام 2022، بينما قُتل 57 صحفيا في مختلف أنحاء العالم على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية. كما وثَّقت المنظمة ما لا يقل عن 65 رهينة و49 من الصحفيين في عداد المفقودين. 

وكشفت "مراسلون بلا حدود" رقماً قياسياً آخر في حصيلة 2022 يتعلّق باحتجاز الصحفيات على وجه الخصوص، حيث تقبع حاليا 78 صحفية خلف القضبان، وهو ارتفاع بنسبة غير مسبوقة بلغت نحو 30 في المئة خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، علما أن النساء أصبحن يشكلن 15 في المئة من إجمالي الصحفيين المحتجزين، بينما لم تكن هذه النسبة تصل إلى 7 في المئة قبل خمس سنوات. 

طهران تشن حملة قمع لتظاهرات مناهضة للحكومة

إيران.. الأسوأ  

ويؤكد تقرير لجنة حماية الصحفيين أن من بين الدوافع الرئيسية للجهود القمعية المتزايدة التي تبذلها الحكومات الاستبدادية لخنق الإعلام، هو سعيها لكبح غليان السخط في عالم شهد تعطيلات ناشئة عن جائحة كوفيد-19، والتبعات الاقتصادية للحرب الروسية ضد أوكرانيا. 

واحتلت المراتب الخمسة الأولى من حيث عدد الصحفيين السجناء في هذا العام كل من إيران والصين وميانمار وتركيا وبيلاروسيا على التوالي.  

وشهد وضع الصحفيين في إيران تدهورا شديدا إثر الانتفاضة الشعبية، التي اندلعت في سبتمبر الماضي، على خلفية مقتل مهسا أميني، لتحتل المرتبة الأولى بعدد الصحفيين المحتجزين في العالم، حيث كان يقبع في سجونها 62 صحفياً، بحلول الأول من ديسمبر الجاري، وفقا للتقرير. 

وكانت إيران قد بلغت المرتبة العاشرة عالميا، في عام 2021، مما يعكس قسوة القمع الحكومي للانتفاضة التي تقودها النساء، وهو ما يتضح في اعتقال النظام الإيراني عددا قياسيا من الصحفيات (22 صحفية من مجموع 49 صحفي اعُتقلوا منذ انطلاق التظاهرات) وهو ما وصفته لجنة الحماية الصحفيين بأنه "سعي لكبح التغطية الصحفية الصادقة بشأن التظاهرات".

انحدار تصنيف إيران على مؤشرات الحريات الاعلامية ينعكس أيضاً في التقرير السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، التي تصدر مؤشرها الخاص لحرية الصحافة حول العالم، واحتلت فيه الجمهورية المرتبة 178\180، حيث تليها دولتان فقط هما إريتريا وكوريا الشمالية.  

وفي هذا السياق يرى رئيس مكتب الشرق الأوسط بمنظمة "مراسلون بلا حدود"، جوناثان داغر،  أن إيران كانت من أكثر الدول اللافت تقييمها في دول الشرق الأوسط، "فكانت في واجهة الأحداث ومحط الأنظار، بسبب القمع الذي شهدته".

وأشار إلى أن منظمة "مراسلون بلا حدود" أقامت مركز مساعدة للصحفيين في إيران، "بسبب وجود عدد غير مسبوق من الصحفيين ولاسيما الصحفيات عرضة للتهديد، حيث كانت النساء في واجهة الأحداث الإيرانية، وفيما كانت حرية الصحافة شبه معدومة في السابق بإيران، باتت أسوأ بكثير بعد الانتفاضة". 

تراجع عالمي 

ويلفت داغر في حديثه لموقع "الحرة" إلى أن قمع الصحفيين في كل دول الشرق الأوسط والدول العربية "يحصل بشكل بنيوي، ويتجه نحو التزايد، عوضا عن التراجع، محققا أرقاما قياسية، وهذه حالة باتت تحصل على صعيد عالمي وليس فقط في المنطقة، ولكن في الشرق الأوسط الأرقام أكثر ارتفاعا والاعتداءات أكثر تطرفا، حيث عدنا نشهد اغتيالات للصحفيين، وهذا يدل على الاستبداد السائد في هذه الدول، في سبيل قمع الصحفيين ومنع وصول المعلومات".

وتعرّف منظمة "مراسلون بلا حدود" حرية الصحافة بأنها "الإمكانية الفعالة للصحفيين، بشكل فردي وجماعي، لاختيار وإنتاج ونشر المعلومات التي تصب في المصلحة العامة، وذلك في استقلال عن التدخل السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي، ودون أي تهديدات ضد سلامتهم الجسدية والعقلية".  

وتقوم المنهجية المُعتمَدة في تصنيف المنظمة للدول على خمسة مؤشرات جديدة يتمحور حولها الترتيب، بحيث تُصوِّر حرية الصحافة بكل تجلياتها وتعقيداتها في سياقات عدة هي: السياق السياسي، الإطار القانوني، السياق الاقتصادي ثم الاجتماعي والثقافي، والسلامة والأمن. 

وأظهر التصنيف العالمي لحرية الصحافة، ما وصفه بـ "الآثار الكارثية لفوضى المعلومات، في عام 2022، حيث أصبح الفضاء الرقمي معولما وغير منظم، إلى درجة بات يشكل معها أرضا خصبة لانتشار المعلومات الكاذبة والدعاية". 

شرح التقرير الذي ركز على ظاهرة الاستقطاب العالمي السائد، لاسيما بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، أن الديمقراطية تشهد تراجعا ملحوظا على الصعيد الدولي.

وأكد أنه "في ظل عدم التناسق بين المجتمعات المنفتحة من جهة، والأنظمة الاستبدادية التي تتحكم في وسائل الإعلام ومنصاتها بينما تشن حروبا دعائية، من جهة أخرى. وعلى كلا المستويين، يعُتبر هذا الاستقطاب المزدوج عاملا من عوامل إذكاء التوترات والنعرات". 

واعتبرت "مراسلون بلا حدود" أن غزو روسيا، المصنفة في المرتبة 155\180، لأوكرانيا المصنفة 106\180، مثالا صارخا على هذه الظاهرة، حيث تم تمهيد الطريق له بشن حرب دعائية.  

كما اعتبر التقرير أن الصين (المرتبة 175) من بين الأنظمة الاستبدادية الأكثر قمعا، حيث استخدمت ترسانتها التشريعية لفرض حجر على مواطنيها وعزلهم عن بقية العالم، وخاصة في هونغ كونغ (148)، التي تتراجع بشكل مهول في التصنيف.  

وفي هذا المناخ، يرى التقرير أنه "يتعزز منطق المواجهة بين "المعسكرات"، كما هو الحال بين الهند (150) وجارتها باكستان (157). فيما لا تزال منطقة الشرق الأوسط ترزح تحت مناخ انعدام حرية الصحافة، الذي يخيم على الصراع بين إسرائيل (86) وفلسطين (170) والدول العربية. 

ويرى داغر في هذا السياق أن أكثر ما يضر اليوم عالميا بحرية الصحافة، هو البروباغندا، كالتي تمارسها روسيا والتضليل الإعلامي الكبير والموجه في الحرب الجارية على أوكرانيا، ويضيف "كنا قد شهدنا على هذا الأمر منذ بدء الصراع في سوريا، حيث جرى بث حجم كبير من البروباغندا والمعلومات المضللة، وهو ما يعاد اليوم مع روسيا، ومن أبرز أهدافنا في 'مراسلون بلا حدود' هو محاربة البروباغندا وأدواتها وقنواتها، في سبيل تعزيز حرية الصحافة".

الشرق الأوسط: الأكثر انتهاكا 

وبينما تصدرت الدول الاسكندينافية المراتب الأولى عالميا فيما يتعلق باحترام وتوفير حرية الصحافة، جاءت معظم دول الشرق الأوسط، في ذيل الترتيب، لاسيما الدول العربية التي تلت إيران وكوريا الشمالية وإريتريا.  

في هذا السياق يشير المتحدث الإعلامي باسم منظمة "سكايز - عيون سمير قصير"، جاد شحرور، إلى وجود قاعدة في الشرق الأوسط تربط بين الاستقرار الأمني للبلاد بموضوع الحريات الصحفية وحرية التعبير. 

ويضيف "كل الأنظمة القمعية تضع هذه المعادلة، على قاعدة الإيحاء بأنها ليست أنظمة قمعية بل تدعم الحريات، ولكن هناك مواضيع معينة لا تريد التداول بها، فتحجبها بحجة إثارة نزاعات طائفية أو ضجة أمنية أو عدم استقرار معين".

وقال: "كل ذلك تستخدمه الأنظمة القمعية من أجل فرض معادلة الاستقرار مقابل الحريات، فيما عملنا يقوم على تفكيك هذه المعادلة، والقول بالعكس إنه حين تكون هناك حريات ينعكس ذلك استقرارا، حيث تكون المعلومة في أيدي المواطنين، وحينها تصبح هناك محاسبة للمنظومة الحاكمة، وبالتالي تتوافر معايير الديمقراطية وهي مقدمة للتطوير والتنمية والتقييم".  

يستنتج شحرور أن التراجع المسجل هذا العام في مؤشر حرية الصحافة هو "تراجع عملي في مؤشر الديمقراطية"، معتبرا أن التراجع السريع للدول على مؤشر الحريات يشير إلى أن المنظومة الحاكمة في هذه الدول ما زالت تسير بالذهنية ذاتها.

ويوضح "لا انتقال ديمقراطي في الحكم، ولا فهم لدور الإعلام كصناعة وليس أداة سياسية فقط، فيما ينظرون إلى الإعلام بنظرتين فقط، فإما إعلام ممول من سياسيين، وبالتالي ينقل صورتهم ويعبر عنهم، أو أنه إعلام رسمي للأنظمة والدول يقدم لغة بيضاء بعيدة عن الموضوعية والحيادية والمعلومات الحقيقية، إنما فقط تلميع للنظام الحاكم". 

ويشدد شحرور على أن النظام السياسي القائم "يمثل واحدا من أبرز التحديات التي تواجه الإعلام، فإما ان يكون ممولا وراعيا له، أو يخضعه لسلطته بقوانين رجعية، وهذا التوجه لا يختلف بين الشعوب والحضارات واللغات، كل الأنظمة في العالم تضع معادلة الاستقرار مقابل حرية التعبير وحرية الإعلام". 

هذه العلاقة بين حرية الصحافة والأزمات يعود، بحسب داغر، إلى كون الصحفيين دائما في الخطوط الأمامية خلال الصراعات والأزمات، "هم يغطونها ويوثقون ما يجري خلالها وينقلون المعلومة للناس، وعدا عن الضرر غير المباشر والمقصود الذي يلحق بهم خلال تأدية عملهم، يعانون من استهداف مقصود ومباشر بهدف إسكاتهم، من خلال قتلهم أو اعتقالهم أو تهديدهم، وغير ذلك الكثير من الأساليب المستخدمة في الاستهداف الممنهج للصحفيين". 

أبرز الانتهاكات في الدول العربية 

شكل مقتل مراسلة قناة الجزيرة، الصحفية الفلسطينية الأميركية، شيرين أبو عاقلة، خلال تغطيتها لاقتحام الجيش الاسرائيلي لمخيم جنين الفلسطيني، في شهر مايو الماضي، واحدا من أبرز الشواهد لهذا العام على المخاطر التي تتهدد الصحفيين خلال تأديتهم لعملهم.

لكن هذا الانتهاك لم يكن الوحيد الذي يسجل على الأراضي الفلسطينية هذا العام حيث رصدت مؤسسة "سكايز" أكثر من 250 انتهاكا أغلبها اعتداءات مباشرة على الصحفيين.  

شيرين قتلت خلال تغطيتها لمداهمة إسرائيلية لجنين

لبنان 

 كذلك وثقت "سكايز" في لبنان أكثر من 74 انتهاكا لحرية الصحافة لهذا العام، أغلب هذه الانتهاكات تتمثل باعتداءات مباشرة على الصحفيين، وتهديدات وترهيب.  

وبحسب شحرور، منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم مروراً بكل الصحفيين الذين اغتيلوا طيلة تلك الفترة في لبنان، لم يحصل أي تحقيق جدي في قضية ما لكشف الفاعلين أو محاسبتهم، والأمر ذاته ينطبق على معظم الدول العربية التي شهدت انتهاكات واغتيالات بحق الصحفيين. 

لبنان جاء في المرتبة 130 وفق تصنيف "مراسلون بلا حدود" للعام 2022، ويقول داغر إن أبرز الانتهاكات المسجلة هذا العام في لبنان هو نهج الإفلات من العقاب، الممتد على كل الأمور في لبنان، من ضمنها الاعتداء على الصحفيين حيث لا يعاقب أحد، والمثال الأبرز على ذلك قضية اغتيال الصحفي، لقمان سليم، التي لم تصل حتى الآن إلى أي تحقيق جدي يحدد المسؤولين، كخطوة أولى على طريق المحاسبة 

لقمان سليم

يشهد لبنان بدوره تضييقا على الصحفيين، إما من خلال التهديدات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو التهديدات المباشرة، بحسب رئيس مكتب الشرق الأوسط في "مراسلون بلا حدود"، الذي يرى أن الأبرز في المشهد اللبناني كان التهديدات التي طاولت الصحفيين، فضلاً عن استدعاءات أمنية بحقهم.

كما سجلت فترة الانتخابات النيابية، في مايو الماضي، العديد من الاعتداءات المباشرة والمقصودة بحق صحفيين خلال قيامهم بعملهم، وتعرض عدد منهم للملاحقة والمراقبة والتهديد بالقتل، على حد تعبيره. 

المثال الأقرب على واقع حرية الصحافة في لبنان، بحسب داغر، هو ما يحصل اليوم مع قناة الجديد اللبنانية من إطلاق نار عليها وزرع قنبلة يدوية قربها، وتهديدات وترهيب وتحريض، بسبب برنامج كوميدي بثته القناة، "وهذا  الأمر سببه الأساسي عدم وجود أي ملاحقة لمن يقوم بهذه الأمور التي تحصل بتغطية سياسية عالية المستوى، وبالتالي ليست أحداثا فردية". 

ويلفت داغر أيضاً إلى وجود ملاحقة تتم أيضاً بحق الصحفيات في لبنان، وحملات تستهدفهن على مواقع التواصل الاجتماعي فضلا عن التهديد المباشر، وهدر الدم والتخوين والتحريض المباشر. 

وفي هذا الإطار، كانت قد تطرقت المديرة العامة لليونسكو لموضوع مضايقة الصحفيات وتهديد الإعلاميين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقالت إن "تفاقم انتشار مظاهر التعبير عن الكراهية ضد الصحفيين، تتضرر منها الصحفيات بشكل خاص. فقد أظهرت نتائج البحث الذي أجريناه أن أكثر من سبع مراسلات من أصل عشر مراسلات إعلاميات شاركن في الدراسة الاستقصائية التي أجريناها، تعرّضن للعنف عبر الإنترنت". 

ودعت أزولاي إلى بذل المزيد من الجهود للتصدي للمخاطر التي ينطوي عليها العصر الرقمي، واغتنام الفرص التي يتيحها، وقالت: "لذا، أدعو الدول الأعضاء وشركات التكنولوجيا والأوساط الإعلامية وسائر فئات المجتمع المدني، إلى التكاتف من أجل رسم معالم جديدة للمشهد الرقمي، بما يضمن حماية الصحافة والصحفيين على حد سواء". 

سوريا 

وسجلت مؤسسة "سكايز" في سوريا (المرتبة 171) أكثر من 50 انتهاكا معظمها شكل اعتقالات، فيما وثقت، في البلاد التي تشهد حربا مدمرة منذ عام 2011، أكبر عدد من الصحفيين المقتولين، بحسب "مراسلون بلا حدود". 

وقتل ثلاثة صحفيين عام 2022، فيما لا يزال 27 صحفيا مسجونا في البلاد، و42 صحافيا مخطوفا، وتصنف من أكثر دول العالم التي يقتل فيها صحفيين إلى جانب اليمن، وفقا للمنظمة.  

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أصدرت تقريرها السنوي عن أبرز الانتهاكات بحق الإعلاميين في سوريا، وقالت إنها وثقت مقتل 711 صحفيا وعاملا في مجال الإعلام، منذ آذار من عام 2011، على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا، بينهم 52 بسبب التعذيب. 

كذلك أوردَ التقرير حصيلة لأبرز الانتهاكات بحق الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام، منذ مايو من عام 2021 حتى مايو عام 2022، وذكر أن واحدا من الكوادر الإعلامية قد قتل على يد القوات الروسية في هذه المدة. فيما سجل ما لا يقل عن 39 حالة اعتقال وخطف بحق صحفيين وعاملين في مجال الإعلام على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا في المدة ذاتها، 13 منهم على يد قوات النظام السوري بينهم ثلاث سيدات، و11 على يد هيئة تحرير الشام، وثلاثة على يد جميع فصائل المعارضة المسلحة/ الجيش الوطني، و12 على يد قوات سوريا الديمقراطية "قسد". 

اليمن 

اليمن بدوره احتل المرتبة 169، إذ سجل مقتل ثلاثة صحفيين هذا العام، فضلا عن اختطاف عشرة من قبل الحوثيين، بينهم أربعة صدرت بحقهم قرارات بالاعدام في المحاكم الحوثية، اثنان منهم على الأقل يتعرضون للتعذيب والتهديد، وسبق أن نقلوا إلى سجون انفرادية، ويحذر داغر في هذا السياق من أن أوضاع الصحفيين في اليمن تتجه من سيئ إلى أسوأ، ويتضح ذلك في العدد المتزايد للصحفيين الذين يطلبون الحماية ومغادرة البلاد.  

العراق 

أما العراق (172) الذي كان قد شهد في الأعوام السابقة عمليات اغتيال لصحفيين، لم يشهدها هذا العام، رغم تكرار حوادث إطلاق النار على الإعلاميين وحرق منازلهم، والتعرض لهم بالضرب والاعتقال والخطف، وهذه الانتهاكات باتت تسجل بشكل أسبوعي تقريباً، بحسب داغر، إضافة إلى الهجوم على مؤسسات إعلامية، وسط نهج مستمر من التحريض على الصحفيين وعدم تأمين الحماية اللازمة لقيامهم بعملهم. 

وبينما كان الواقع الصحفي في إقليم كردستان العراق من بين الأفضل في المنطقة نسبة لما حولها، تراجع وضعه هذا العام ، وفق "مراسلون بلا حدود"، حيث سجل اعتداءات جدية على حرية الصحافة، ويقبع في سجونه حاليا أربعة صحفيين.

ويضيف داغر "كذلك شهدنا هذا العام مقتل الصحفية ناجهان أكارسيل الشهر الماضي، كما شهدنا ملاحقات لصحفيين كانوا ضحية تجاذبات سياسية ضمن مناطق كردستان، لاسيما الحدودية التي تتأثر بالأوضاع السائدة في محيطها كإيران والعراق وسوريا وتركيا، وتضييق ومنع عمل وتصوير، فضلاً عن عمليات خطف". 

وفي نفس السياق، أصدرت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، تقريرها السنوي الخاص برصد الانتهاكات التي طاولت الصحفيين والصحفيات خلال العام الحالي 2022، مؤكدةً أنها رصدت تراجعاً واضحاً في حرية الصحافة بالبلاد. 

وبحسب التقرير فقد سُجلت 60 حالة اعتقال واحتجاز، وحالتا تهديد بالقتل، فضلا عن 12 حالة بين اقتحام ومداهمة وهجوم مسلح، كما رصدت 9 إصابات و254 حالة بين اعتداء بالضرب ومنع وعرقلة التغطية. 

وأضاف التقرير أن الجمعية سجّلت رفع تسع دعاوٍ قضائية وأحكاما صادرة ومذكرات إلقاء قبض بحق الصحفيين والصحفيات، بالإضافة إلى إغلاق قناة واحدة وتسريح العاملين، كما سجّلت 28 كتابا رسميا للتقييد. 

ولفتت الجمعية إلى أن "السلطات والجهات السياسية والمسلحة النافذة تواصل الخروقات الدستورية الفاضحة في العراق، إذ وثقنا 380 حالة انتهاك صريحة تنافي المادة 38 من الدستور". وأشارت إلى أن "عدم الاكتراث الحكومي" أدّى إلى ارتفاع حالات الانتهاكات قياسا بالعام الماضي.  

وبحسب التقرير، لم تخلُ جميع المحافظات من تسجيل الانتهاكات، وحلّت بغداد بالمرتبة الأولى بتسجيلها 80 حالة انتهاك، وأربيل ثانية (73 حالة)، ثم البصرة (35 حالة)، فيما حلّت كركوك رابعةً (33 حالة) والموصل (30)، وتشاركت السليمانية وكربلاء بتسجيل 27 حالة لكل منهما، فيما سُجّلت في النجف 17 حالة، ودهوك 18، وبابل 15، وذي قار تسع حالات، وميسان خمس حالات، والديوانية أربع حالات. كما شهدت ديالى والمثنى حالتي انتهاك، وسجلت حالة واحدة في كل من الأنبار وصلاح الدين وواسط. 

قطر 

قطر (119) التي استضافت فعاليات كأس العالم، كانت أيضا محط الأنظار في تعاملها مع الوسائل الإعلامية والصحفيين الذين وصلوا إليها من مختلف دول العالم لتغطية المونديال.  

وكان لمراسلون بلا حدود" بيان سابق استنكر "القيود المشددة" في منح السلطات القطرية تراخيص للصحفيين، حيث اعتبرت المنظمة أن هناك "نية واضحة في ثني الصحفيين عن القيام بعملهم خارج الملاعب خلال بطولة كأس العالم، حيث لا تزال عملية منح الاعتمادات الصحفية تنطوي على العديد من القيود وتخلق عقبات بيروقراطية شديدة الغموض". 

ويضيف داغر أن "هذه الترخيصات كانت معتمدة قبل استضافة كأس العالم، وكانت تنطوي على شروط معينة تحدد طريقة عمل الصحفيين في قطر، ولكن مع بداية المونديال تراجعوا عن بعض الشروط الصارمة، كتحديد مكان التصوير والهدف منه، فضلا عن البند المتعلق بمنع التعرض للقيم القطرية والقيم الإسلامية، والذي شطب من الترخيص خلال المونديال". 

"مراسلون بلا حدود" تواصلت مع السلطات القطرية، للاستفسار عما إذا سيعاد العمل بتلك الشروط بعد انتهاك كأس العالم، وكان الجواب وفق داغر أن "هذه الشروط كانت مخصصة فقط للمونديال، وعليه ننتظر اليوم إذا ما كان التحسن الذي رأيناه سيرتد سلبيا بعد انتهاء كأس العالم". 

ويشير داغر إلى معلومات تحمل اتهامات لقطر بالمشاركة في حملة قرصنة استهدفت صحفيين انتقدوا قطر والفيفا، بعضهم في فرنسا، كما وقعت أيضا بعض الاعتداءات على الصحفيين خلال أداء عملهم، لاسيما في أول أسبوعين من فعاليات المونديال، "عددها كان قليلا، ولكنها اعتداءات جدية، جرى التغطية عليها ولم تأخذ حجما كبيرا من التداول". 

منصة التتويج في ملعب لوسيل في قطر

ويخلص رئيس مكتب الشرق الأوسط في "مراسلون بلا حدود"، إلى أن قطر "حاولت توجيه الصحافة نحو الأمور التي أرادت تصويرها وإظهارها، مقابل إبعادهم عن الأمور المحرجة للسلطات القطرية، ومثال على ذلك أن التراخيص الصحفية كانت تمنع العمل في المناطق العمالية والصناعية، ومنع تصوير الإشكالات إن حصلت، ولكنها كانت محدودة بهذا السياق".

الأردن 

انعكست التوترات التي يشهدها الأردن (120) على الصعيد الشعبي والسياسي على واقع حرية الصحافة في البلاد بشكل واضح، حيث سجلت "سكايز" لعام 2022، حوالي 80 انتهاكاً، أغلبها الطرد التعسفي. إضافة إلى استدعاء صحفيين، ورفع دعاوى وإغلاق مواقع صحفية، وحجب وسائل تواصل اجتماعي كما جرى مع منصة تيك توك في الأردن بذريعة سوء الاستخدام، وهذا انتهاك للحريات بشكل عام، وفق شحرور. 

وعلى الرغم من عدم وجود سجناء صحفيين أو حوادث اغتيال، إلا أن كثيرا من الصحفيين باتوا يبلغون عن تهديدات وترهيب ومراقبة، بحسب داغر، "ويشعرون بخوف يمنعهم من الحديث عن أمور تحصل في الأردن كالمظاهرات الأخيرة، وقطع الطرقات الذي شهدته البلاد، وكانت الوسائل الإعلامية التي غطت هذه الأحداث قليلة جدا".  

ويضيف أن "هناك مخاوف جدية لدى الصحفيين في الأردن من تحول الدولة إلى دولة بوليسية تلاحق الصحفيين وتمنعهم من الكلام، ونحن بصدد إصدار بيان مفصل حول ذلك في الفترة المقبلة".

أحداث الشغب راح ضحيتها ضباط في الأمن العام الأردني

 

مصر 

مصر (168) تمثل اليوم رابع أسوأ دولة بين الدول العربية فيما يخص سجن الصحفيين، وفيما أطلق مؤخرا سراح ستة صحفيين في سياق الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، عادت واعتقلت ستة آخرين في فترة وجيزة، بحسب ما يؤكد داغر.

ويرى أن "هذه الوثيقة جاءت صورية صادرة عن وزارة الخارجية من أجل تبييض صورة مصر مع الدول الغربية، فكانت تركز على الواجهة دون أي تغييرات على المستوى البنيوي لتحسين وضع الصحفيين وحمايتهم في مصر". 

وكانت قضية علاء عبد الفتاح من أبرز القضايا لهذا العام في مصر، حيث ضج إضرابه عن الطعام والشراب بالتزامن مع انعقاد قمة المناخ في مصر، "ما أضاء بوضوح على مدى استبداد السلطات المصرية بحق الصحفيين، وافتقادهم للقناعة بضرورة حمايتهم، بل يتم التعاطي مع الإعلام كعدو، فضلا عن الاستدعاءات الأمنية للصحفيين وعادة ما يكون الهدف منها ترهيبهم والتضييق على عملهم"، وفق داغر.

وذكر أيضا سياسة حجب المواقع الصحفية عن الجمهور المصري، والذي اعتبره نوعا من أنواع القمع، "حتى أن هذا الحظر رفع عن بعض المواقع خلال قمة المناخ ليعود ويفرض بعد انتهائها". 

السعودية 

وتتساوى السعودية (166) مع مصر في تصنيفهما من أسوأ السجون في العالم بالنسبة للصحفيين، فيما لا تزال حرية الصحافة معدومة في السعودية، بحسب داغر، رغم كل ما يحكى عن تغييرات في السعودية وتقبل أكبر للحريات.

ويضيف "هناك نحو 25 صحفيا معتقلا في السجون، ورأينا أحكاما قضائية أقسى بحق الصحفيين وعقوبات سجن أطول، ولا يزال الإفلات من العقاب مستمرا في قضية اغتيال الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، حيث لم نشهد بعد على محاكمة جدية بطريقة عادلة لأي المتهمين". 

ويشير داغر إلى أن ملاحقة المملكة للصحفيين لا تقتصر على الأراضي السعودية، وإنما تمتد إلى خارج حدودها حول العالم، واستهدافهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالترهيب والتهديد والمراقبة. 

خاشقجي قتل في قنصلية بلاده بإسطنبول في الثاني من أكتوبر عام 2018

ويذكر داغر بأن "معظم دول الخليج تمارس عمليات تجسس على الصحفيين، وتحدد خطوطا حمراء تحكم عملهم، ما ينعكس رقابة ذاتية يفرضها الصحفيون على أنفسهم لتجنب الملاحقة والعواقب. فضلا عن التهديد الدائم بالترحيل للصحفيين الأجانب، والمشكلة أن هناك صعوبات كبيرة في التواصل مع الصحفيين في هذه الدول حيث يعانون من خوف حتى في التبليغ عما قد يتعرضون له".

البحرين 

وينطبق هذا الأمر على واقع الصحفيين في البحرين (167) التي تشهد، بحسب داغر، كثيرا من التضييق عليهم وتعتيما إعلاميا على مواضيع كثيرة بسبب الرقابة الذاتية وضغوطات السلطات الرسمية، "هناك منع سفر على الصحفيين لأسباب غير مفهومة وبدون شرح أو تبرير".

وذكر التقرير السنوي لـ "رابطة الصحافة البحرينية"، أن النصف الأول من عام 2022 شهد عددا من الانتهاكات طاولت مزاولي العمل الصحفي ومنتجي المحتوى الإعلامي على شبكة الإنترنت. وبلغ تعداد الحالات التي تمكنت رابطة الصحافة البحرينية من توثيقها نحو 15 حالة.  

وتتمثل التجاوزات المرصودة، بحسب التقرير، في خمس حالات استجواب واعتقال وثلاثة إجراءات قانونية وسبع حالات سوء معاملة تشمل المنع من العلاج أو اختراق هواتف أو الترهيب.

وأشار التقرير إلى أن أبرز التهم التي وجهت للمستجوبين والمعتقلين أو الذين أدينوا في المحاكم  تمثلت في "نشر أخبار كاذبة" و"السب والقذف" و"انتقاد مجلس النواب" و"الإساءة والتشهير بشخصيات في المجتمع". 

وبقيت الأرقام المذكورة وفق الرابطة، عند مستوى ما تمّ تسجيله من انتهاكات في مثل هذا الوقت من العام الماضي 2021 حيث بلغ مجموعها أيضا 15 حالة.  

ويقول التقرير إن "الأرقام المذكورة تمثل انخفاضا ملحوظا في تعداد الانتهاكات مقارنة مع الأعوام السابقة. لكن هذا لا يعني تخفيف السياسات الخانقة أو القبضة الأمنية التي بقيت ماثلة، بل تشير إلى اشتغال "الرقيب الداخلي" واستمرار انسحاب عديد المواطنين من خوض النقاشات العامة بأسمائهم الحقيقية وتخفيف لغة النقد ما أمكن أو تغليفها بعبارات عمومية".

الإمارات 

واقع الصحافة في الإمارات (138) ليس أفضل حالاً، فقد تراجعت سبعة مراكز للوراء نتيجة زيادة الانتهاكات ضد الصحافة، جاءت نتيجة سلسلة إجراءات وقوانين اتخذتها السلطات، بحسب "مراسلون بلا حدود" التي أكدت أن السلطات الإماراتية تعمل على تكميم الأصوات المعارضة، وتكبح جماح الصحافة المستقلة، محلية كانت أم أجنبية. 

فيما لم يسلم الصحفيون الإماراتيون خارج البلاد من المضايقات أو الاعتقالات، بل ويتم تسليمهم لسلطات بلدهم في بعض الأحيان، وفق المنظمة. 

وأشار تقرير "مراسلون بلا حدود" إلى أن معظم وسائل الإعلام الإماراتية في ملكية مؤسسات مقربة من الحكومة وتتبنى توجهاتها، كما أن الصحف الصادرة باللغة الإنكليزية، لها تأثير كبير في أوساط القراء كذلك.  

وأضافت المنظمة أن السلطات تستخدم عبارة "التماسك الاجتماعي" وغيرها من العبارات الغامضة كذريعة لإسكات أي صوت لا يتوافق مع خط الحكومة، "ولا تقتصر هذه الإجراءات على الصحافة المحلية، بل تشمل أيضا منشورات وسائل الإعلام الأجنبية، التي يُخضعها المجلس الوطني لنفس المعايير المطبقة على الصحف الوطنية، ولا يتردد في فرض عقوبات عليها هي الأخرى"، وفق التقرير. 

الكويت 

وتعتبر "مراسلون بلا حدود" أن الكويت (158) الدولة الأقل قمعاً في منطقة الخليج، ومع ذلك فإن سلطات الإمارة تمارس سيطرة كبيرة على الحقل الإعلامي. 

وتضيف المنظمة أن الكويت "ليست معروفة باغتيال أو احتجاز صحفييها، إلا أن بعضهم أُجبروا مؤخرا على العيش في المنفى لتجنب السجن. كما أن الاستدعاءات إلى مراكز الشرطة والاحتجازات لمدد قصيرة لها أثر رادع على حرية الإعلام، وهناك العديد من الموضوعات التي تعتبر من المحرمات في الكويت، حيث من الصعب على الصحفيين مناقشة حقوق العمال المهاجرين أو حقوق المرأة أو الفساد، وغيرها من القضايا الحساسة". 

تونس 

من جهتها تراجعت تونس في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي صدر شهر مايو، لتحتل المركز 94، بعدما كانت في المرتبة 73 العام الماضي، بمعدل بلغ 21 نقطة. 

وارتفعت وتيرة الاعتداءات على الصحفيين في تونس خلال العام الماضي، حيث وصل عددها إلى 244 بحلول نوفمبر الماضي، وفقاً تقرير صادر عن النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين. وبلغت ذروة هذه الاعتداءات خلال تغطية الاستفتاء على الدستور التونسي الجديد في 25 يوليو الماضي. 

ويشكل المرسوم الرئاسي رقم 54، الصادر في سبتمبر هذا العام، أبرز التحديات والمخاوف للصحفيين التونسيين، نظرا لما قد يتيحه من استنسابية ومفاهيم فضفاضة يمكن الاعتماد عليها لممارسة القمع ضد الصحفيين وسجنهم وتغريمهم، ما يشكل عامل ترهيب بحد ذاته ويرفع من مستوى الرقابة الذاتية، وفق العديد من المنظمات الحقوقية التي انتقدت المرسوم. 

أكثر من 46 منظمة مهنية وحقوقية تونسية اعتبرت أن المرسوم يشكل "خطرا داهما" على الحريات ومكتسبات الثورة التونسية، وينص المرسوم على عقوبة السجن مدة خمس سنوات وغرامة مالية تصل إلى أكثر من 15 ألف دولار، "لكلّ من يتعمّد استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتصال، لإنتاج، أو ترويج، أو نشر، أو إرسال، أو إعداد أخبار أو بيانات أو شائعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزوّرة أو منسوبة كذبا للغير، بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني. وتُضاعف العقوبة إذا كان المتضرر موظّفاً أو مسؤولاً في الدولة".

الجزائر  

وكان للجزائر أيضاً نصيبها من التراجع، حيث جاءت في المرتبة 134 على مؤشر حرية الصحافة، وذلك بعد سجنها للعديد من الصحفيين، وإغلاقها لعدد من المنصات الاعلامية.  

وقامت السلطات الجزائرية مؤخرا بإغلاق إذاعة "راديو إم" وموقع "مغرب إيميرجون" الإخباري واعتقال الصحافي احسان القاضي الذي يديرهما، كما سبق أن اعتقلت السلطات الجزائرية صحافيين وسحبت تراخيص وسائل إعلام أجنبية، وذلك لأسباب متعددة. 

إحسان القاضي

وأكد ممثل منظمة "مراسلون بلا حدود" في شمال أفريقيا، خالد درارني، في تصريحات صحفية، أن الدستور الجزائري ينص على أن "جريمة الصحافة لا يمكن أن تكون سالبة للحرية" مطالبا السلطات بـ"تطبيق الدستور". 

وتقول المنظمة إن حرية الصحافة في الجزائر تواجه العديد من الخطوط الحمراء، حيث أن "مجرد الإشارة إلى الفساد أو قمع المظاهرات" يمكن أن يؤدي لتلقي الصحفيين تهديدات أو حتى اعتقالهم. 

وأضافت أن "وسائل الإعلام المستقلة تتعرض للضغوط باستمرار"، وأن المواقع الإلكترونية تتعرض للحجب. وتضيف أن رئاسة الجمهورية والأحزاب والأجهزة الأمنية والسلطات المحلية تمارس الضغط على الصحافيين ووسائل الإعلام. 

المغرب  

وجاء المغرب في المرتبة الـ135 عالميًا في "حرية الصحافة"، بعدما صُنف بالمرتبة 136 قبل عام. إلا أن هذا التقدم لم يمنع تسجيل انتهاكات تخص اعتقال صحفيين وابتزازهم وطرد صحفيين أجانب.  

وسجل تقرير للجنة حماية الصحفيين تدهور حرية الصحافة بشكل كبير، في عام 2022، وازدياد الاعتقالات التعسفية للصحفيين، وطرد الصحفيين الأجانب، واستخدام أساليب الرقابة والمراقبة ضد الصحفيين بسبب عملهم. كما سلط الضوء على كيفية استخدام الحكومة المغربية لتهم "ملفقة" تتعلق بالجنس لمقاضاة وسجن الصحفيين بسبب عملهم.  

وأوصت لجنة حماية الصحفيين الحكومة المغربية بالإفراج عن جميع الصحفيين المسجونين ومنع تسليح قضايا المرأة وحقوقها في مقاضاة الصحفيين بسبب عملهم الاستقصائي. وتشمل التوصيات أيضا تجريم مراقبة ورصد الصحفيين عبر برامج التجسس. 

السودان 

وحقق السودان الذي جاء في المرتبة 151، تقدماً ملموساً على صعيد حرية الصحافة، وفق ترحيب أعلنته منظمة "مراسلون بلا حدود" على خلفية تأسيس أول نقابة مستقلة للصحفيين في البلاد، بعد 33 عاما على قرار الرئيس السابق، عمر البشير، حل النقابات، في عام 1989.   

إلا أن ذلك لم يمنع تسجيل عدد كبير من الانتهاكات، لاسيما بعد الانقلاب الذي حصل في السودان، حيث سجل المرصد الأوروبي للإعلام، استهداف 55 صحفيا ومؤسسة إعلامية، في الفترة الممتدة بين أكتوبر 2021 ومارس  2022.

كما شهدت البلاد "اعتقالات تعسفية ومضايقات وإغلاق مكاتب واعتداءات جسدية ونفسية"، وفق المرصد. وحجبت السلطات السودانية العديد من المحطات الإذاعية وخدمة الإنترنت. 

الصومال 

ورغم أن الصومال جاء بمرتبة متقدمة نسبياً بين الدول العربية (140) إلا أن منظمة "مراسلون بلا حدود" وصفت الدولة بأنها من الأخطر عالميا فيما يخص الصحفيين.

وقالت إنه في الصومال، "حيث يعلق الصحفيون بين مطرقة حركة الشباب التي تقتلهم دون عقاب، وسندان القوات الأمنية التي تحتجزهم تعسفيا دون تردد، فإن الرئيس الجديد عليه تصحيح ذلك". 

وطالبت المنظمة الرئيس الصومالي المنتخب حديثا، حسن شيخ محمود، أن يجعل سلامة الصحفيين أولوية في بلد طالما ساد العنف السياسي والفساد على حرية الصحافة. 

كما دعته إلى "عدم إضاعة الوقت في إصدار قرار بوقف اعتقال الصحفيين بشكل تعسفي، وإطلاق سراح الصحفيين المحتجزين، وإلغاء التشريعات التي تقيد حرية الصحافة، بما في ذلك قانون العقوبات لعام 1964، الذي يعوق سعي وسائل الإعلام وراء البحث عن الحقيقة". 

ولا يزال الصومال متربعا على قمة أخطر دول أفريقيا على الصحفيين، حيث سُجل 65 انتهاكا ضد الإعلاميين في عام 2021 وحده، وفقًا للاتحاد الوطني للصحفيين الصومالي. 

ليبيا 

أما ليبيا فقد جاءت في المرتبة 143، وتقول "مراسلون بلا حدود" إن ليبيا أصبحت بؤرة سوداء حقيقية على المستوى الإعلامي، حيث غادر معظم الصحفيين ووسائل الإعلام البلاد.  

أما من اختاروا البقاء، بحسب المنظمة، فإن شغلهم الشاغل بات الحفاظ على سلامتهم من خلال العمل تحت حماية أحد أطراف النزاع، بينما لم يعد بإمكان الصحفيين الأجانب تغطية الأحداث الجارية على الأرض. 

من جهتها، وثّقت المنظمة الليبية للإعلام المستقل، 14 انتهاكا ضد حرية الصحافة، خلال الفترة من مايو 2021 إلى مايو 2022، منها عشرة اعتداءات ضد الصحفيين في خمس مدن ليبية. 

وخلُصت المنظمة إلى أن وتيرة الانتهاكات ضد حرية الصحافة خلال العام الأخير ظلت في نفس المستوى والسياق للأعوام الماضية، وتنوعت بين "إخفاء قسري وقبض تعسفي واعتداء جسدي". 

وأفاد التقرير بأن مدينة سرت تصدرت هذه الانتهاكات بنسبة 40 في المئة، ثم مدينتي طرابلس وبنغازي بنسبة 20 في المئة، ثم صرمان وأجدابيا بنسبة 10 في المئة، مشيراً إلى أن المرأة الصحفية في ليبيا لا تزال تتعرض للاعتداء، فقد شكلت النساء الصحفيات المعتدى عليهن نسبة 10 في المئة من إجمالي الانتهاكات ضد الصحفيين. 

ماذا عن 2023؟  

هذا الواقع المتردي لحرية الصحافة في الدول العربية والعالم عموما، يدفع المراقبين للقلق حول ما قد يحمله العام 2023، لاسيما وأن المسار انحداري خلال السنوات الماضية، فيما المؤشرات السياسية والاقتصادية تشير إلى مزيد من الازمات على صعيد العالم.  

وفي هذا السياق يكشف داغر أن أبرز أهداف "مراسلون بلا حدود" الدائمة والمستمرة على مدى السنوات هو "حماية الصحفيين بالدرجة الأولى وهذا ما سيستمر في العام 2023، كذلك سيكون هناك عمل على ترسيخ مبدأ المحاسبة ومحاربة ظاهرة الافلات من العقاب، من أجل تحقيق العدالة لضحايا الاغتيالات، وهناك أيضاً حملات دولية سنطلقها بهدف العمل على اطلاق سراح صحفيين معتقلين في دول عدة حول العالم من بينها دول عربية". 

"كما سيكون هناك جهود خاصة موجهة لصالح الصحفيين الايرانيين في إيران وخارجها في إطار عمل مكتب المساعدة الذي خصصناه للصحفيين في إيران. وستستمر محاولات الدعم لكل الصحفيين الذين يحتاجون لذلك، خاصة في مناطق الصراع".  

من ناحيته، يلفت شحرور إلى أن دولا عدة ستكون مقبلة على انتخابات، في عام 2023، وهناك دول أخرى أتمّت انتخاباتها ودخلت في تجربة جديدة تحتاج مراقبة ليتم تقييمها، "حيث تكون الأنظار فيها موجهة على الإعلام لتبيان مدى قدرته على نقل الصورة بشكل حقيقي ويمارس دوره دون أن يكون إعلام بروباغندا، إضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي تمثل جزءا لا يتجزأ من اللعبة الإعلامية وبروباغندا الأنظمة ضد الحريات للالتفاف على القانون". 

المسؤول الاعلامي في "سكايز" يرى أن "حجم الانتهاكات بالأرقام لا يهم اليوم، بقدر ما يهم التركيز على المعركة لتغيير الذهنية السياسية تجاه الإعلام أولا، وفهم أن الإعلام صناعة ويحتاج حرية لإنتاج محتوى أقرب إلى المواطن، بدل اختصاره بأن يكون أداة سياسية". 

وأكد أن "المعارك في هذا السياق مختلفة بين دولة وأخرى، هناك دول يدفع في معاركها دماء، ودول أخرى تحتجز الحريات وتسود الاعتقالات وتحجب الأصوات، وأشكال القمع مختلفة".  

ويختم قائلا: "الواضح أنه في عام 2023 لن تكون معركة الحريات سهلة، وفق اتجاه الأمور". 

الأيغور في الصين

لا تعمل مضخة وقود في شينجيانغ، ما لم يقف الأويغوري، أمام كاميرات التعرف على الوجه في المحطة.

وإذا أراد الدخول إلى سوق، فليس أمامه إلا النفاذ عبر أجهزة الكشف عن المعادن، وأدوات التحقق من الهويات، وكاميرات التعرف على الوجه، كذلك، قبل أن يؤذن له بالدخل للتبضع.

"أن تكون إويغوريا يعني أن تعيش في كابوس دائم،" يقول مايكل سوبوليك، الباحث المتخصص في الشأن الصيني، لموقع "الحرة".

في شينجيانغ، موطن أقلية الأويغور المسلمة غربي الصين، تنتشر كاميرات المراقبة في كل مكان، بينما تتربص نقاط التفتيش الأمنية بالمارة عند كل منعطف: أين هاتفك الشخصي؟

وتقول منظمات حقوقية دولية إن بكين رسخت، على مدى عقد من الزمن أحد أكثر أنظمة المراقبة الرقمية شمولية في العالم، وحولت 13 مليون أويغوري إلى مختبر حي لإدوات المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي. 

والأخطر أن نموذج القمع الرقمي الصيني هذا، يمكن أن يُحتذى في أي مكان في العالم، بل أن دعوى قضائية، تجري فصولها في باريس حاليا، تشير إلى تطبيقات للنظام في دول عدة.

محكمة في باريس

في قاعة محكمة في باريس، يغلي على نار هادئة، منذ أسابيع، صراع قانوني قد يكون غير مسبوق، لمحاسبة شركات تكنولوجيا صينية على جرائم ضد الإنسانية.

يقود القضية، باسم "المؤتمر العالمي للإيغور"،  المحامي الفرنسي، الشهير في مجال حقوق الإنسان، ويليام بوردون. والمتهمون فيها فروع فرنسية لثلاث من عمالقة التكنولوجيا الصينية: هواوي، وهايكفيجن، وداهوا.

 التهمة: التواطؤ في إبادة جماعية.

تؤكد الدعوى على أن الشركات العملاقة تلك ساعدت في بناء دولة رقابة شاملة في إقليم شينجيانغ، حيث أن أنظمة التعرف على الوجوه وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تراقب فقط، إنها مدربة لاستهداف الأويغور على أساس عرقي.

ووفقا لـ"المؤتمر العالمي للإيغور"، لم تكن هذه الأنظمة مجرد أدوات مراقبة، بل وسائل للاعتقال والتعذيب والسيطرة، تغذي واحدة من أوسع شبكات القمع الرقمي في العالم.

ولا تقتصر الدعوى على استخدام القمع الرقمي داخل حدود الصين، بل تتضمن الإشارة إلى استخدام هذه الأنظمة في مناطق صراع أخرى مثل أوكرانيا، وفي مشاريع مراقبة في الإكوادور وصربيا.

ويقول ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، في حديث مع موقع "الحرة" إن أنظمة المراقبة هذه أصبحت متاحة على نطاق واسع لحكومات أجنبية ترغب في تقليد النموذج الصيني.

"يبدو أن هناك عددا من الدول في إفريقيا وآسيا، وربما بعض الدول الأوروبية، لكنها تتركز بشكل أساسي في إفريقيا وآسيا، وربما أميركا اللاتينية أيضا، تشتري هذه الأنظمة من الصين".

"لكن المشكلة،" يتابع ويتز، "أن الصينيين، على ما يبدو، يقومون بجمع هذه البيانات لأنفسهم أيضا".

خوارزمية الشرطة التنبؤية

منذ نحو عشرة أعوام يتعرض الشعب الأويغوري لرقابة مشددة، مصحوبة باعتقالات جماعية تعسفية، ومعسكرات تلقين أيدولوجي قسرية، وقيود على التنقل والعمل والطقوس الدينية.

فبعد إعلان بكين "حرب الشعب على الإرهاب" في 2014، وسعت السلطات الصينية بشكل كبير نطاق استخدام الشرطة للتكنولوجية المتقدمة في مناطق الأويغور.

وفي عهد سكرتير الحزب الشيوعي في تشينجيانغ، تشن كوانغو الذي يوصف بـ"المتشدد"، شهدت مناطق الأويغور فورة في إنشاء مراكز الشرطة، وبات لا يفصل بين مركز وآخر أكثر من 500 متر.

ارتفع الإنفاق الأمني، وزادت عمليات التوظيف في مجال الأمن العام بشكل هائل. ووجدت تقارير أن شينجيانغ توظف 40 ضعفا من رجال الشرطة لكل فرد مقارنة بمقاطعة غوانغدونغ الجنوبية المكتظة بالسكان.

في الوقت ذاته، أطلقت بكين منصات شرطة تعمل بالخوارزميات التنبؤية. ويقوم تطبيق يُسمى "منصة العمليات المشتركة المتكاملة (IJOP)" بتجميع البيانات الشخصية من مصادر متعددة: كاميرات المراقبة، وأجهزة تتبع شبكات الواي فاي والهواتف الشخصية، والسجلات المصرفية، وحتى سجلات الصحة والسفر، لتحديد الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات تهديدا محتملا.

ووفقا لهيومن رايتس ووتش، أوعز برنامج "الشرطة التنبؤية" هذا باعتقالات عشوائية للأويغور من دون أن يكون هناك أي مؤشر على وجود تصرف مخالف للقانون.

من شأن الحجاب وحده أن يُفعّل الخوارزمية لتصنيف شخص ما كـ"خطر أمني". وغالبا ما تعتقل السلطات الأشخاص الذين الذين يستهدفهم نظام البيانات هذا، وترسلهم إلى معسكرات التلقين من دون تهمة أو محاكمة.

"إذا كنت مواطنا صينيا وتعيش في الصين، فإن حياتك تُدار من خلال تطبيقات تسيطر عليها في النهاية الحكومة الصينية، وتحديدا الحزب الشيوعي الصيني،" يقول سوبوليك، وهو زميل أقدم في معهد هدسون.

"خذ مثلا تطبيق "وي تشات" (WeChat) الذي يُسمى بـ"تطبيق كل شيء"، سواء كان لطلب الطعام، أو لمراسلة العائلة، أو لاستخدام محرك بحث، أو للنشر على شبكات التواصل الاجتماعي. إنه تطبيق يتغلغل في كل شيء".

وهو أيضا تطبيق يستخدمه الحزب الشيوعي الصيني لتتبع ومراقبة اتصالات المواطنين، يضيف.

ويقول سكان أويغور إن السلطات الصينية تعاملهم دائما بريبة. "إذا بدا عليك أنك من أقلية عرقية، فسيخضونك للتفتيش. أشعر  بالإهانة"، تنقل هيومان رايتس ووتش حديث أحد مستخدمي الإنترنت الأويغور عن عمليات التفتيش الأمنية التي لا تنتهي.

ويعتقد ويتز أن حقوق الأويغور "تُنتهك بطرق عديدة" ونظام المراقبة باستخدام الذكاء الاصطناعي "واحدة منها".

شينجيانغ - رمضان الماضي 

بينما ينشغل العالم عن إقليم شينجيانغ بقضايا دولية أخرى، تواصل الصين حملتها لدمج الأويغور قسريا. 

في شهر رمضان، أجبرت السلطات الصينية الأويغور على تصوير أنفسهم وهم يتناولون الغداء وإرسال اللقطات إلى كوادر الحزب الحاكم، في مسعى لمنع ما تصفه السلطات بـ"التطرف الديني". 

و أُجبر كثيرون على العمل خلال ساعات النهار، واحتُجز الذين رفضوا العمل من 7 إلى 10 أيام، أو أرسلوا إلى "المعسكرات"، بحسب ما أفاد به شرطي محلي راديو "آسيا الحرة"، مارس الماضي.

أزمة أخلاقية

لا تزال قضية العمل القسري في السجون بمثابة أزمة أخلاقية كبيرة على المستوى الدولي، في حين تواصل واشنطن مساعيها للتخفيف من معاناة الأويغور بقوانين وإجراءات تستهدف شركات صينية متورطة في جرائم ضد الإنسانية.

ويصف ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، الجهود الأميركية ودول أخرى، في هذا الشأن، بأنها "أكثر نجاحا" مقارنة بالدور الأوروبي في مواجهة الانتهاكات الصينية لحقوق الإويغور. 

ويشير ويتز إلى إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وإدارة جو بايدن قبله شجعتا الحكومات الأوروبية وغيرها على عدم شراء التكنولوجيا الصينية، خاصة تلك التي يمكن أن تُستخدم لجمع بيانات عن الشركات المحلية أو السكان".

وفي أوائل مايو الحالي، أقر مجلس النواب الأميركي قانون "لا دولارات للعمل القسري للأويغور". 

يحظر القانون على وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) تمويل أي برامج تشمل بضائع مُنتجة في إقليم شينجيانغ الصيني أو من طرف كيانات مرتبطة بالعمل القسري المفروض على الأويغور. 

ويُلزم المشروع الجهات المتعاقدة بتقديم ضمانات خطية بعدم استخدام مثل تلك المنتجات. ويفرض أيضا تقديم تقارير سنوية حول الانتهاكات والتحديات في تنفيذ القانون. ويسمح باستثناءات مشروطة بإشعار الكونغرس بشكل مسبق.

ويعزز القانون الجهود الأميركية في التصدي لقمع الصين للإيغور عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي يناير الماضي، وسعت وزارة الأمن الداخلي الأميركية بشكل كبير "قائمة الكيانات" المشمولة بقانون منع العمل القسري للإيغور. واستهدفت الوزارة شركات صينية متورطة في العمل القسري في شينجيانغ.

وبين عامي 2024 و2025، قامت شركات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا بإدراج شركات صينية عديدة على القوائم السوداء، في قطاعات تشمل الزراعة، وألواح الطاقة الشمسية، والمنسوجات.

إضافة إلى ذلك، "ركزت واشنطن أحيانا على تطوير تكنولوجيا مضادة تتيح للإيغور وغيرهم التحايل على أنظمة المراقبة،" وفقا لويتز.

ويلفت سوبوليك إلى أن إنشاء دولة المراقبة داخل الصين يعود إلى ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، و"بمساعدة دول غربية".

لكنهم تمكنوا من تطوير هذه "التكنولوجيا الديستوبية (المرعبة) ، واستخدامها على شعبهم وعلى الأويغور بشكل خاص، يضيف.

براءات الاختراع

وراء الكواليس، تتعاون بكين مع شركات خاصة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد هوية الأشخاص استنادا إلى العرق. وتقول رويترز إن براءات الاختراع والوثائق التي كُشف عنها خلال السنوات الماضية، تُظهر أن شركات التكنولوجيا الصينية ابتكرت خوارزميات لتحديد وجوه الأويغور بين الحشود.

وتنقل الوكالة عن أحد الباحثين تحذيره من هناك خروقات جسيمة ترتكب ضد حقوق الإنسان. "تتيح هذه التقنيات للشرطة الاطلاع على قاعدة بيانات ضخمة من الوجوه، وتحديد الوجوه التي صنّفها الذكاء الاصطناعي على أنها أويغورية،" يقول.

أنشأت بكين قاعدة بيانات ضخمة من البيانات البيومترية الخاصة بسكان شينجيانغ. وتحت ستار الفحوصات الطبية المجانية، أُجبر السكان، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية، وخاصة الأقليات المسلمة، على تزويد الشرطة بعينات من الحمض النووي، ومسح قزحية العين، وبصمات الأصابع، وتسجيلات صوتية.

بهذا الكم الهائل من المعلومات البيومترية الشخصية، إلى جانب شبكات كاميرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات مراقبة الهواتف الذكية، أنشأت الصين نظام مراقبة، أورويلي الطابع. بل أن جورج أورويل نفسه ليصاب بالرعب إزاء دستوبيا حقيقية يعيش في أتونها بشر حقيقيون، وليس مجرد شخصيات خيالية.

يوصف نظام المراقبة في شينغيانع عموما بأنه "دولة بوليسية رقمية"، ويعد بمثابة برنامج تجريبي، تختبره بكين على الأويغور قبل توسيع نطاقه في أماكن أخرى حول العالم.

مثل شخصيات أورويل في روايته "1984"، يعيش حوالي 13 مليون  أويغوري وغيرهم من المسلمين الأتراك في شينجيانغ، حالة خوف مستمرة تحت شبكة أمنية عالية التقنية. 

يعلم الناس أن كل حركة تقريبا تخضع للمراقبة. ذهابك إلى المسجد، الأشخاص الذي تتواصل معهم، ما تقرأه، وحتى طريقة لباسك، يتم باستمرار تقييمها بواسطة الخوارزميات. 

يتجنب كثيرون في تشينجيانغ تبادل العبارات الدينية  أو ذات الصبغة الثقافية الخاصة. فتواصلك مع الأقارب في الخارج، أو امتلاكك سجادة صلاة، أو مشاركتك آية قرآنية على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تنتهي بك إلى السجن. 

يقول أويغور أنهم "يخافون من الصلاة أو حتى ارتداء الملابس التقليدية" في منازلهم، لأنهم يعلمون أن عيون الدولة وآذانها في كل مكان، والعواقب وخيمة.

منذ عام 2017، نفذت السلطات الصينية حملات اعتقال جماعي في شينجيانغ. واحتجزت  أكثر من مليون من الأويغور والأقليات المسلمة الأخرى في شبكة من معسكرات الاعتقال والسجون، وفقا لتقديرات نقلتها الأمم المتحدة، وفقا لرويترز. 

أُرسل كثيرون إلى المعسكرات ليس لارتكابهم أي جريمة، بل لأن أنظمة الرقابة الآلية وضعتهم على قائمة "غير موالين محتملين" بسبب بصمتهم الرقمية.

داخل معسكرات التلقين، التي تسميها بكين "مراكز التدريب المهني،" نقل معتقلون سابقون عن تعرضهم للتعذيب والتلقين السياسي والإجبار على التخلي عن دينهم. 

تمزقت أوصال عائلات: يختفي البالغون في معسكرات سرية بينما يُوضع الأطفال في مؤسسات حكومية، في سعي السلطات لمحو هوية الأويغور. حتى غير المعتقلين يعيشون تحت نوع من الإقامة الجبرية المؤقتة. 

يسرد تقرير للغاردينان قصة رجل أويغوري عاد إلى شينجيانغ من الدراسة في الخارج، فوصف على الفور بأنه "خطر" لمغادرته البلاد؛ اعتقلته الشرطة في المطار، وأجبرته على الخضوع لـ"فحص صحي" بيومتري، واقتادته إلى مركز احتجاز.

أُلقي القبض على آخرين لمجرد أن أحد أقاربهم في الخارج، أو لأن هواتفهم تحمل محتوى إسلاميا.

تقول منظمات حقوقية دولية إن المراقبة الشاملة تُغذي منظومة انتهاكات أوسع نطاقا. في تقرير صدر في أغسطس 2022، خلصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن ممارسات الصين الرقابية في شينجيانغ "قد تُشكل جرائم دولية، لا سيما جرائم ضد الإنسانية".

وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أدلة على الاعتقال الجماعي والتعذيب والاضطهاد الثقافي والعمل القسري في المنطقة، والتي تُسهّلها البنية التحتية المتطورة للمراقبة، مما يجعل من شبه المستحيل على الأويغور التهرب من سيطرة الدولة.

باختصار، أصبحت شينجيانغ سجنًا مفتوحًا حيث تُحاصر مجموعة عرقية بأكملها بالوسائل الرقمية. الخسائر البشرية فادحة: تدمير الخصوصية، وتجريم المعتقد والثقافة، وتعطيل أو تدمير حياة ملايين الأشخاص. 

"لقد بنت الصين في شينجيانغ ديستوبيا مدفوعة بالمراقبة، وهي نموذج للقمع يجب على العالم مواجهته على وجه السرعة"، قالت صوفي ريتشاردسون من هيومن رايتس ووتش: (هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٣). 

شركات القمع التكنولوجي

تؤكد تقارير أن اعتماد بكين على نخبة من الشركات الصينية العملاقة في مجال تكنولوجيا الأمن في توفير الأجهزة والبرمجيات التي تشغل دولة شينجيانغ البوليسية.

هيكفيجن وداهوا وهواوي وهي من أكبر شركات صناعة كاميرات المراقبة في العالم.

فازت هيكفيجن وداهوا بعقود ضخمة لتزويد شينجيانغ بكاميرات مراقبة وأنظمة تعرف على الوجه. 

وتُظهر أبحاث استندت إلى وثائق شرطة مسربة أن كاميرات هيكفيجن جزء أسياسي في برامج الشرطة في شينجيانغ لتتبع الأويغور واستهدافهم.

إذا كنت أويغوريا

إذا كنت أويغوريا تعيش في الصين، فمن المستحيل أن تعيش حياتك دون أن تكون خاضعا للرقابة المستمرة من الحزب الشيوعي الصيني، يقول سوبوليك.

"وما هو أكثر مأساوية،" يضيف، "أنه حتى لو كنت أويغوريا تعيش خارج الصين – في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أي دولة غربية أخرى – فإن قمع الحزب لا يزال يلاحقك".