الرئيس الإسرائيلي ونتانياهو مع أعضاء الحكومة الجديدة
الرئيس الإسرائيلي ونتانياهو مع أعضاء الحكومة الجديدة

أعرب خبراء ومحللون عن خشيتهم من تعريض الحكومة الإسرائيلية اليمينية، التي تم تشكيلها مؤخرا، اتفاقات إبراهيم للخطر والتصدع، خاصة بعد الزيارة التي اعتبرت استفزازية من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني، إيتمار بن غفير، الثلاثاء، للمسجد الأقصى.

وأدانت دول عربية ومنها السعودية والإمارات ومصر والأردن، "اقتحام بن غفير"، الثلاثاء، باحة المسجد الأقصى، معتبرة أنها خطوة استفزازية وتنذر بالتصعيد.

من جهته، قال متحدث باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، الثلاثاء، إن أي عمل أحادي يقوض الوضع القائم للأماكن المقدسة في القدس غير مقبول.

وتابع المتحدث "الولايات المتحدة تؤيد بقوة الحفاظ على الوضع القائم فيما يتعلق بالأماكن المقدسة في القدس. وأي عمل أحادي يقوض الوضع الراهن غير مقبول"، مضيفا أن "الولايات المتحدة تدعو رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو للحفاظ على التزامه تجاه الوضع القائم للمواقع المقدسة".

وفي إسرائيل، قال كبير حاخامات السفارديم، يتسحاق يوسف في رسالة لبن غفير، "باسم الحاخامية الكبرى أطلب منك ان تمتنع في المستقبل عن الذهاب إلى جبل الهيكل وكل منطقة فيه". وأضاف "من الواضح أنك كوزير لا يمكنك مخالفة تعليمات الحاخامية.. ماذا سيقول الناس عندما يرون وزيرًا يهوديًا ملتزمًا يستهزئ بموقف الحاخامية".

أما نتانياهو فقد قال، في بيان، إنه "مصمم بحزم على الحفاظ على الوضع الراهن"، مشيرًا إلى أن وزراء آخرين زاروا باحة الأقصى في الماضي. لكن زعيم المعارضة يائير لبيد قال في تغريدة "هذا ما يحدث عندما يضطر رئيس وزراء ضعيف لتسليم المسؤولية لأكثر شخص غير مسؤول في الشرق الأوسط وفي أكثر مكان متفجر في الشرق الأوسط".

وفي الوقت نفسه، تسري مخاوف من تصعيد للعنف في الضفة الغربية عقب تنصيب الحكومة الإسرائيلية الجديدة الأسبوع الماضي، والتي وصفت بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل برئاسة بنيامين نتانياهو.

وتعهد نتانياهو، الذي عاد لولاية سادسة كرئيس للوزراء الأسبوع الماضي، بتعزيز الاتفاقيات مع البحرين والمغرب والإمارات والسودان.

وبصفته مهندس هذه الاتفاقات، يأمل نتانياهو أيضا في توسيع دائرة هذه الدول، والتوصل لاتفاق مماثل مع السعودية، بحسب فرانس برس.

وفي أكثر من مناسبة، قال نتانياهو إنه يأمل في تحقيق انفراجة في إقامة علاقات دبلوماسية مع السعودية مثلما فعل في عام 2020 مع دول خليجية أخرى تشارك إسرائيل مخاوفها تجاه إيران.

مع ذلك يخشى خبراء من أن حكومته الجديدة، قد تعرض الاتفاقات للخطر، إذ تعهدت الحكومة الجديدة بتوسيع مستوطنات الضفة الغربية، وضم كامل المنطقة، وهي خطوة تم تعليقها كشرط للاتفاق المبدئي مع الإمارات.

وتقول الدكتورة موران زاغا، الخبيرة في شؤون دول الخليج بجامعة حيفا، لأسوشيتد برس: "لدينا سبب يدعو للقلق بشأن تدهور في العلاقات".

معضلة حقيقية

وفي تعليقه على تأثير حكومة نتانياهو الجديدة على العلاقات مع الدول العربية، يقول عبد الخالق عبد الله، المحلل السياسي الإماراتي، إنه "لا شك أن هذه الحكومة تضع الجميع أمام معضلة حقيقية في التعامل معها".

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن "هذه المعضلة لا تقتصر على الدول العربية المطبعة مع إسرائيل، بل على دول العالم التي تقيم علاقات مع إسرائيل".

وأوضح عبد الله أن "المعضلة تكمن في أن هذه الحكومة جاءت بانتخابات، وهذه في النهاية إرادة أغلبية الشعب في إسرائيل، وهي حكومة شرعية، ويجب على الجميع أن يحترم إرادة الشعب الإسرائيلي، بعيدا عن كل الاعتبارات والتحفظات".

وتابع "لكن هذه الحكومة هي الأسوأ في تاريخ إسرائيل". وأشار إلى أن هذه الحكومة التي تضم أعضاء متشددين مثل بن غفير سيكون "التعامل معها صعبا للغاية"، داعيا إلى "تجميد اتفاقيات إبراهيم مؤقتا".

وأكد الرئيس الأميركي، جو بايدن، الخميس الماضي، أنه سيتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي وصفه بـ"الصديق"، لكنه تعهد بمعارضة السياسات التي تشكل خطرا على حل الدولتين مع الفلسطينيين.

وقال بايدن، في بيان، "أتطلع للعمل مع رئيس الوزراء نتانياهو الذي كان صديقي على مدى عقود، للتعامل بشكل مشترك مع التحديات والفرص التي تواجه إسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك التهديدات الإيرانية".

وأضاف "كما فعلنا طوال عهدي، ستواصل الولايات المتحدة دعم حل الدولتين ومعارضة السياسات التي تشكل خطرا على قابلية تحقيقه أو تتناقض مع مصالحنا المتبادلة وقيمنا".

علاقات "قائمة على المصالح"

وردا على سؤال عن "كيفية الحفاظ على اتفاقيات إبراهيم وتطويرها"، يتوقع المحلل الإماراتي أن "نتانياهو يفضل البقاء في السلطة على حساب أي اتفاقات وقعها".

وقال "الواضح أن لا أميركا ولا أي دولة أخرى تستطيع الضغط على حكومة إسرائيلية مغرورة بذاتها، وهي سائرة في مسار استيطاني يضرب السلام بعرض الحائط".

ولمعرفة انعكاس سياسة حكومة نتانياهو الجديدة على اتفاق التطبيع مع الإمارات، يرى عبد الله أن "العلاقات مع إسرائيل من وجهة النظر الإماراتية قائمة على المصالح، بغض النظر عن شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي".

ويوضح أن "هذه العلاقة محكومة بمدى الاستفادة منها فيما يتعلق بمصالح الإمارات، وفي لحظة من اللحظات، إذا كانت هذه العلاقة لا تخدم مصالح الإمارات، فهي قادرة على إنهائها في أي لحظة، وهي تقرر إن كانت مفيدة لمصالحها أم تشكل عبئا عليها".

وفي وقت سابق، كتب عبد الله على (تويتر) مغردا "أتعجب من دعوة صهيوني فاشي واستيطاني إرهابي وسياسي متطرف لحفل اليوم الوطني للإمارات. لا مكان لهؤلاء على أرض الإمارات وفي سفاراتها".

 

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة "إيكونومست"، الأربعاء، أن "الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستختبر العلاقات مع الدول العربية"، وقالت إن "حكومة نتانياهو هي الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، ويخشى الكثير من الإسرائيليين مما يعنيه ذلك لديمقراطيتهم".

وأضافت أن حكومة نتانياهو تضم "إيتمار بن غفير، الذي مثل في عمله السابق كمحام، اليهود الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم كراهية ضد الفلسطينيين، وهو يرأس حزبا يروج للتفوق اليهودي (...) وتضم بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، الذي دعا ذات مرة إلى الفصل بين اليهود والعرب في أجنحة الولادة".

وأظهر استطلاع أجراه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وهو مؤسسة فكرية مؤيدة لإسرائيل في واشنطن العاصمة، أن 25٪ فقط من الإماراتيين و20٪ من البحرينيين يوافقون الآن على اتفاقيات إبراهيم، بانخفاض من 47٪ و45٪ في 2020. ونصف مليون إسرائيلي زاروا الإمارات خلال العامين الماضيين، بينما سافر 1600 إماراتي فقط إلى إسرائيل"، بحسب أسوشيتد برس.

إرجاء زيارة نتانياهو
بسبب "استعدادات لوجستية".. نتانياهو يرجئ زيارته للإمارات
نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، لم تسمه، القول إن زيارة رئيس الوزراء، بنيامين نتانياهو، إلى أبوظبي لن تتم الأسبوع المقبل، بسبب الحاجة "إلى استعدادات لوجستية أطول"، نافيا أن يكون السبب له علاقة بدخول وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، المسجد الأقصى، وفق مراسل قناة الحرة

وقد تؤثر مثل هذه المواقف (اقتحام بن غفير للأقصى وسياسة الاستيطان) على اتفاقات إبراهيم. وتم تأجيل زيارة نتانياهو المخطط لها إلى أبوظبي، ومكتبه يقول لأسباب لوجستية، لكن الأمر قد يتعلق بأفعال بن غفير، على حد تعبير الصحيفة.

الزيارة "تقليدية"

من جانبه، يستبعد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية في القدس، مئير مصري، إمكانية أن تعرض حكومة نتانياهو الجديدة اتفاقات إبراهيم للخطر.

وقال لموقع "الحرة": "لا أظن ذلك، حتى وإن كان دخول عناصر متطرفة على الخط من شأنه أن يعرقل تنامي تلك العلاقات. فالإشكالية لا تكمن في الزيارة بحد ذاتها، والتي تُعد تقليدية نوعاً ما، وإنما في الزائر".

وتابع: "هذا النمط الجديد من الساسة المشاغبين سوف يكون مصدراً للإزعاج والحرج لحكومة إسرائيل ولأصدقائها العرب على حدٍ سواء".

"أهمية الاتفاقيات للدول العربية"

وفيما يخص الموقف الإسرائيلي الداخلي من زيارة بن غفير للأقصى، قال مصري: "بشكل عام، الشعب الإسرائيلي في مجمله يعتبر الزيارة عابرة وتقليدية. لا يجب أن ننسى أن جبل الهيكل هو أقدس مكان للديانة اليهودية، فهو مكة اليهود وقبلتهم".

ويعتبر أن "الزيارة لا تتعارض مع الاتفاقيات المبرمة بين إسرائيل والأردن، صاحب الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس. كما أن الوزير لم ينتهك حرمة المسجد الأقصى لا من قريب ولا من بعيد. إلا أن شخصية بن غفير ومواقفه المتطرفة في السابق تعطي الانطباع بأن الزيارة جاءت لاستفزاز المسلمين وإثارة الجدل، الشيء الذي تسبب في استياء قوى المعارضة".

وعن ملف الاستيطان، وانعكاس الموقف الحكومي على العلاقات مع الحلفاء مثل الولايات المتحدة التي تتمسك بحل الدولتين، يقول مصري: "لا أظن قضية حل الدولتين على رأس أولويات الإدارة الأميركية الحالية. كما أن كل الحديث عن تكثيف البناء في المناطق المتنازع عليها مبالغٌ فيه كثيراً. القضية تتعلق بمطالبة اعتراف الدولة بتجمعات سكنية قامت بشكل غير شرعي، أي بدون موافقة الحكومات السابقة، وهي بعيدة عن مناطق الحكم الذاتي".

أما بخصوص الدعوات للتعليق المؤقت لاتفاقيات إبراهيم، قال مصري إن إسرائيل "لا تأخذها بمحمل الجد، نظراً لأهمية تلك الاتفاقيات للدول العربية المعنية. ولكن هذا لا يمنع من أن الحكومة مشغولة بتوضيح الموقف وبالتأكيد على استمرار إسرائيل في احترام الوضع القائم في البلدة القديمة، والذي يكرس الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية، وصيانة حرية العبادة بشكل قاطع ولا لبس فيه".

مواقف إسرائيلية

ولم تقتصر ردود الفعل على اقتحام بن غفير للأقصى، على دول عربية أو حليفة فقط، بل جاءت من داخل إسرائيل أيضا بعد الانتقادات اللاذعة من قبل جهات سياسية.

وانتقدت كتلة "يهدوت هتوراه" الشريكة في الائتلاف الحكومي، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، في أعقاب زيارته باحة المسجد الأقصى، الثلاثاء.

ووصفت صحيفة "ييتِد نئمان" الناطقة باسم حزب "ديغل هتوراه"، وهو أحد الحزبين اللذين يشكلان "يهدوت هتوراه"، خطوة بن غفير بأنها "استفزاز لا ضرورة له وخطير".

ورأت الصحيفة ما قام به بن غفير أنه "استعراض مرفوض يشكل خطرا على حياة اليهود، وأنه عمل لا فائدة منه".

وقالت هيئة البث الإسرائيلية، إن مصادر حكومية انتقدت تصرفات بن غفير، وإنه كان من الممكن أن يتخلى عن التصريحات التي أدلى بها عندما حضر إلى الحرم، فيخفف بذلك من حدة الانتقادات الموجهة حاليا إلى إسرائيل.

وقال رئيس لجنة الأمن والخارجية في الكنيست سابقا، رام بن براك، من حزب "يش عتيد"، إن "نتانياهو شكل حكومة سيئة وعليه أن يدفع الآن الثمن".

وأضاف بن براك، أن زيارة بن غفير ستضع عراقيل أمام توسيع دائرة الدول العربية التي تسعى إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".