الرئيس الإسرائيلي ونتانياهو مع أعضاء الحكومة الجديدة
الرئيس الإسرائيلي ونتانياهو مع أعضاء الحكومة الجديدة

أعرب خبراء ومحللون عن خشيتهم من تعريض الحكومة الإسرائيلية اليمينية، التي تم تشكيلها مؤخرا، اتفاقات إبراهيم للخطر والتصدع، خاصة بعد الزيارة التي اعتبرت استفزازية من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني، إيتمار بن غفير، الثلاثاء، للمسجد الأقصى.

وأدانت دول عربية ومنها السعودية والإمارات ومصر والأردن، "اقتحام بن غفير"، الثلاثاء، باحة المسجد الأقصى، معتبرة أنها خطوة استفزازية وتنذر بالتصعيد.

من جهته، قال متحدث باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، الثلاثاء، إن أي عمل أحادي يقوض الوضع القائم للأماكن المقدسة في القدس غير مقبول.

وتابع المتحدث "الولايات المتحدة تؤيد بقوة الحفاظ على الوضع القائم فيما يتعلق بالأماكن المقدسة في القدس. وأي عمل أحادي يقوض الوضع الراهن غير مقبول"، مضيفا أن "الولايات المتحدة تدعو رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو للحفاظ على التزامه تجاه الوضع القائم للمواقع المقدسة".

وفي إسرائيل، قال كبير حاخامات السفارديم، يتسحاق يوسف في رسالة لبن غفير، "باسم الحاخامية الكبرى أطلب منك ان تمتنع في المستقبل عن الذهاب إلى جبل الهيكل وكل منطقة فيه". وأضاف "من الواضح أنك كوزير لا يمكنك مخالفة تعليمات الحاخامية.. ماذا سيقول الناس عندما يرون وزيرًا يهوديًا ملتزمًا يستهزئ بموقف الحاخامية".

أما نتانياهو فقد قال، في بيان، إنه "مصمم بحزم على الحفاظ على الوضع الراهن"، مشيرًا إلى أن وزراء آخرين زاروا باحة الأقصى في الماضي. لكن زعيم المعارضة يائير لبيد قال في تغريدة "هذا ما يحدث عندما يضطر رئيس وزراء ضعيف لتسليم المسؤولية لأكثر شخص غير مسؤول في الشرق الأوسط وفي أكثر مكان متفجر في الشرق الأوسط".

وفي الوقت نفسه، تسري مخاوف من تصعيد للعنف في الضفة الغربية عقب تنصيب الحكومة الإسرائيلية الجديدة الأسبوع الماضي، والتي وصفت بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل برئاسة بنيامين نتانياهو.

وتعهد نتانياهو، الذي عاد لولاية سادسة كرئيس للوزراء الأسبوع الماضي، بتعزيز الاتفاقيات مع البحرين والمغرب والإمارات والسودان.

وبصفته مهندس هذه الاتفاقات، يأمل نتانياهو أيضا في توسيع دائرة هذه الدول، والتوصل لاتفاق مماثل مع السعودية، بحسب فرانس برس.

وفي أكثر من مناسبة، قال نتانياهو إنه يأمل في تحقيق انفراجة في إقامة علاقات دبلوماسية مع السعودية مثلما فعل في عام 2020 مع دول خليجية أخرى تشارك إسرائيل مخاوفها تجاه إيران.

مع ذلك يخشى خبراء من أن حكومته الجديدة، قد تعرض الاتفاقات للخطر، إذ تعهدت الحكومة الجديدة بتوسيع مستوطنات الضفة الغربية، وضم كامل المنطقة، وهي خطوة تم تعليقها كشرط للاتفاق المبدئي مع الإمارات.

وتقول الدكتورة موران زاغا، الخبيرة في شؤون دول الخليج بجامعة حيفا، لأسوشيتد برس: "لدينا سبب يدعو للقلق بشأن تدهور في العلاقات".

معضلة حقيقية

وفي تعليقه على تأثير حكومة نتانياهو الجديدة على العلاقات مع الدول العربية، يقول عبد الخالق عبد الله، المحلل السياسي الإماراتي، إنه "لا شك أن هذه الحكومة تضع الجميع أمام معضلة حقيقية في التعامل معها".

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن "هذه المعضلة لا تقتصر على الدول العربية المطبعة مع إسرائيل، بل على دول العالم التي تقيم علاقات مع إسرائيل".

وأوضح عبد الله أن "المعضلة تكمن في أن هذه الحكومة جاءت بانتخابات، وهذه في النهاية إرادة أغلبية الشعب في إسرائيل، وهي حكومة شرعية، ويجب على الجميع أن يحترم إرادة الشعب الإسرائيلي، بعيدا عن كل الاعتبارات والتحفظات".

وتابع "لكن هذه الحكومة هي الأسوأ في تاريخ إسرائيل". وأشار إلى أن هذه الحكومة التي تضم أعضاء متشددين مثل بن غفير سيكون "التعامل معها صعبا للغاية"، داعيا إلى "تجميد اتفاقيات إبراهيم مؤقتا".

وأكد الرئيس الأميركي، جو بايدن، الخميس الماضي، أنه سيتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي وصفه بـ"الصديق"، لكنه تعهد بمعارضة السياسات التي تشكل خطرا على حل الدولتين مع الفلسطينيين.

وقال بايدن، في بيان، "أتطلع للعمل مع رئيس الوزراء نتانياهو الذي كان صديقي على مدى عقود، للتعامل بشكل مشترك مع التحديات والفرص التي تواجه إسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك التهديدات الإيرانية".

وأضاف "كما فعلنا طوال عهدي، ستواصل الولايات المتحدة دعم حل الدولتين ومعارضة السياسات التي تشكل خطرا على قابلية تحقيقه أو تتناقض مع مصالحنا المتبادلة وقيمنا".

علاقات "قائمة على المصالح"

وردا على سؤال عن "كيفية الحفاظ على اتفاقيات إبراهيم وتطويرها"، يتوقع المحلل الإماراتي أن "نتانياهو يفضل البقاء في السلطة على حساب أي اتفاقات وقعها".

وقال "الواضح أن لا أميركا ولا أي دولة أخرى تستطيع الضغط على حكومة إسرائيلية مغرورة بذاتها، وهي سائرة في مسار استيطاني يضرب السلام بعرض الحائط".

ولمعرفة انعكاس سياسة حكومة نتانياهو الجديدة على اتفاق التطبيع مع الإمارات، يرى عبد الله أن "العلاقات مع إسرائيل من وجهة النظر الإماراتية قائمة على المصالح، بغض النظر عن شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي".

ويوضح أن "هذه العلاقة محكومة بمدى الاستفادة منها فيما يتعلق بمصالح الإمارات، وفي لحظة من اللحظات، إذا كانت هذه العلاقة لا تخدم مصالح الإمارات، فهي قادرة على إنهائها في أي لحظة، وهي تقرر إن كانت مفيدة لمصالحها أم تشكل عبئا عليها".

وفي وقت سابق، كتب عبد الله على (تويتر) مغردا "أتعجب من دعوة صهيوني فاشي واستيطاني إرهابي وسياسي متطرف لحفل اليوم الوطني للإمارات. لا مكان لهؤلاء على أرض الإمارات وفي سفاراتها".

 

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة "إيكونومست"، الأربعاء، أن "الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستختبر العلاقات مع الدول العربية"، وقالت إن "حكومة نتانياهو هي الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، ويخشى الكثير من الإسرائيليين مما يعنيه ذلك لديمقراطيتهم".

وأضافت أن حكومة نتانياهو تضم "إيتمار بن غفير، الذي مثل في عمله السابق كمحام، اليهود الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم كراهية ضد الفلسطينيين، وهو يرأس حزبا يروج للتفوق اليهودي (...) وتضم بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، الذي دعا ذات مرة إلى الفصل بين اليهود والعرب في أجنحة الولادة".

وأظهر استطلاع أجراه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وهو مؤسسة فكرية مؤيدة لإسرائيل في واشنطن العاصمة، أن 25٪ فقط من الإماراتيين و20٪ من البحرينيين يوافقون الآن على اتفاقيات إبراهيم، بانخفاض من 47٪ و45٪ في 2020. ونصف مليون إسرائيلي زاروا الإمارات خلال العامين الماضيين، بينما سافر 1600 إماراتي فقط إلى إسرائيل"، بحسب أسوشيتد برس.

إرجاء زيارة نتانياهو
بسبب "استعدادات لوجستية".. نتانياهو يرجئ زيارته للإمارات
نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، لم تسمه، القول إن زيارة رئيس الوزراء، بنيامين نتانياهو، إلى أبوظبي لن تتم الأسبوع المقبل، بسبب الحاجة "إلى استعدادات لوجستية أطول"، نافيا أن يكون السبب له علاقة بدخول وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، المسجد الأقصى، وفق مراسل قناة الحرة

وقد تؤثر مثل هذه المواقف (اقتحام بن غفير للأقصى وسياسة الاستيطان) على اتفاقات إبراهيم. وتم تأجيل زيارة نتانياهو المخطط لها إلى أبوظبي، ومكتبه يقول لأسباب لوجستية، لكن الأمر قد يتعلق بأفعال بن غفير، على حد تعبير الصحيفة.

الزيارة "تقليدية"

من جانبه، يستبعد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية في القدس، مئير مصري، إمكانية أن تعرض حكومة نتانياهو الجديدة اتفاقات إبراهيم للخطر.

وقال لموقع "الحرة": "لا أظن ذلك، حتى وإن كان دخول عناصر متطرفة على الخط من شأنه أن يعرقل تنامي تلك العلاقات. فالإشكالية لا تكمن في الزيارة بحد ذاتها، والتي تُعد تقليدية نوعاً ما، وإنما في الزائر".

وتابع: "هذا النمط الجديد من الساسة المشاغبين سوف يكون مصدراً للإزعاج والحرج لحكومة إسرائيل ولأصدقائها العرب على حدٍ سواء".

"أهمية الاتفاقيات للدول العربية"

وفيما يخص الموقف الإسرائيلي الداخلي من زيارة بن غفير للأقصى، قال مصري: "بشكل عام، الشعب الإسرائيلي في مجمله يعتبر الزيارة عابرة وتقليدية. لا يجب أن ننسى أن جبل الهيكل هو أقدس مكان للديانة اليهودية، فهو مكة اليهود وقبلتهم".

ويعتبر أن "الزيارة لا تتعارض مع الاتفاقيات المبرمة بين إسرائيل والأردن، صاحب الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس. كما أن الوزير لم ينتهك حرمة المسجد الأقصى لا من قريب ولا من بعيد. إلا أن شخصية بن غفير ومواقفه المتطرفة في السابق تعطي الانطباع بأن الزيارة جاءت لاستفزاز المسلمين وإثارة الجدل، الشيء الذي تسبب في استياء قوى المعارضة".

وعن ملف الاستيطان، وانعكاس الموقف الحكومي على العلاقات مع الحلفاء مثل الولايات المتحدة التي تتمسك بحل الدولتين، يقول مصري: "لا أظن قضية حل الدولتين على رأس أولويات الإدارة الأميركية الحالية. كما أن كل الحديث عن تكثيف البناء في المناطق المتنازع عليها مبالغٌ فيه كثيراً. القضية تتعلق بمطالبة اعتراف الدولة بتجمعات سكنية قامت بشكل غير شرعي، أي بدون موافقة الحكومات السابقة، وهي بعيدة عن مناطق الحكم الذاتي".

أما بخصوص الدعوات للتعليق المؤقت لاتفاقيات إبراهيم، قال مصري إن إسرائيل "لا تأخذها بمحمل الجد، نظراً لأهمية تلك الاتفاقيات للدول العربية المعنية. ولكن هذا لا يمنع من أن الحكومة مشغولة بتوضيح الموقف وبالتأكيد على استمرار إسرائيل في احترام الوضع القائم في البلدة القديمة، والذي يكرس الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية، وصيانة حرية العبادة بشكل قاطع ولا لبس فيه".

مواقف إسرائيلية

ولم تقتصر ردود الفعل على اقتحام بن غفير للأقصى، على دول عربية أو حليفة فقط، بل جاءت من داخل إسرائيل أيضا بعد الانتقادات اللاذعة من قبل جهات سياسية.

وانتقدت كتلة "يهدوت هتوراه" الشريكة في الائتلاف الحكومي، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، في أعقاب زيارته باحة المسجد الأقصى، الثلاثاء.

ووصفت صحيفة "ييتِد نئمان" الناطقة باسم حزب "ديغل هتوراه"، وهو أحد الحزبين اللذين يشكلان "يهدوت هتوراه"، خطوة بن غفير بأنها "استفزاز لا ضرورة له وخطير".

ورأت الصحيفة ما قام به بن غفير أنه "استعراض مرفوض يشكل خطرا على حياة اليهود، وأنه عمل لا فائدة منه".

وقالت هيئة البث الإسرائيلية، إن مصادر حكومية انتقدت تصرفات بن غفير، وإنه كان من الممكن أن يتخلى عن التصريحات التي أدلى بها عندما حضر إلى الحرم، فيخفف بذلك من حدة الانتقادات الموجهة حاليا إلى إسرائيل.

وقال رئيس لجنة الأمن والخارجية في الكنيست سابقا، رام بن براك، من حزب "يش عتيد"، إن "نتانياهو شكل حكومة سيئة وعليه أن يدفع الآن الثمن".

وأضاف بن براك، أن زيارة بن غفير ستضع عراقيل أمام توسيع دائرة الدول العربية التي تسعى إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

الأيغور في الصين

لا تعمل مضخة وقود في شينجيانغ، ما لم يقف الأويغوري، أمام كاميرات التعرف على الوجه في المحطة.

وإذا أراد الدخول إلى سوق، فليس أمامه إلا النفاذ عبر أجهزة الكشف عن المعادن، وأدوات التحقق من الهويات، وكاميرات التعرف على الوجه، كذلك، قبل أن يؤذن له بالدخل للتبضع.

"أن تكون إويغوريا يعني أن تعيش في كابوس دائم،" يقول مايكل سوبوليك، الباحث المتخصص في الشأن الصيني، لموقع "الحرة".

في شينجيانغ، موطن أقلية الأويغور المسلمة غربي الصين، تنتشر كاميرات المراقبة في كل مكان، بينما تتربص نقاط التفتيش الأمنية بالمارة عند كل منعطف: أين هاتفك الشخصي؟

وتقول منظمات حقوقية دولية إن بكين رسخت، على مدى عقد من الزمن أحد أكثر أنظمة المراقبة الرقمية شمولية في العالم، وحولت 13 مليون أويغوري إلى مختبر حي لإدوات المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي. 

والأخطر أن نموذج القمع الرقمي الصيني هذا، يمكن أن يُحتذى في أي مكان في العالم، بل أن دعوى قضائية، تجري فصولها في باريس حاليا، تشير إلى تطبيقات للنظام في دول عدة.

محكمة في باريس

في قاعة محكمة في باريس، يغلي على نار هادئة، منذ أسابيع، صراع قانوني قد يكون غير مسبوق، لمحاسبة شركات تكنولوجيا صينية على جرائم ضد الإنسانية.

يقود القضية، باسم "المؤتمر العالمي للإيغور"،  المحامي الفرنسي، الشهير في مجال حقوق الإنسان، ويليام بوردون. والمتهمون فيها فروع فرنسية لثلاث من عمالقة التكنولوجيا الصينية: هواوي، وهايكفيجن، وداهوا.

 التهمة: التواطؤ في إبادة جماعية.

تؤكد الدعوى على أن الشركات العملاقة تلك ساعدت في بناء دولة رقابة شاملة في إقليم شينجيانغ، حيث أن أنظمة التعرف على الوجوه وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تراقب فقط، إنها مدربة لاستهداف الأويغور على أساس عرقي.

ووفقا لـ"المؤتمر العالمي للإيغور"، لم تكن هذه الأنظمة مجرد أدوات مراقبة، بل وسائل للاعتقال والتعذيب والسيطرة، تغذي واحدة من أوسع شبكات القمع الرقمي في العالم.

ولا تقتصر الدعوى على استخدام القمع الرقمي داخل حدود الصين، بل تتضمن الإشارة إلى استخدام هذه الأنظمة في مناطق صراع أخرى مثل أوكرانيا، وفي مشاريع مراقبة في الإكوادور وصربيا.

ويقول ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، في حديث مع موقع "الحرة" إن أنظمة المراقبة هذه أصبحت متاحة على نطاق واسع لحكومات أجنبية ترغب في تقليد النموذج الصيني.

"يبدو أن هناك عددا من الدول في إفريقيا وآسيا، وربما بعض الدول الأوروبية، لكنها تتركز بشكل أساسي في إفريقيا وآسيا، وربما أميركا اللاتينية أيضا، تشتري هذه الأنظمة من الصين".

"لكن المشكلة،" يتابع ويتز، "أن الصينيين، على ما يبدو، يقومون بجمع هذه البيانات لأنفسهم أيضا".

خوارزمية الشرطة التنبؤية

منذ نحو عشرة أعوام يتعرض الشعب الأويغوري لرقابة مشددة، مصحوبة باعتقالات جماعية تعسفية، ومعسكرات تلقين أيدولوجي قسرية، وقيود على التنقل والعمل والطقوس الدينية.

فبعد إعلان بكين "حرب الشعب على الإرهاب" في 2014، وسعت السلطات الصينية بشكل كبير نطاق استخدام الشرطة للتكنولوجية المتقدمة في مناطق الأويغور.

وفي عهد سكرتير الحزب الشيوعي في تشينجيانغ، تشن كوانغو الذي يوصف بـ"المتشدد"، شهدت مناطق الأويغور فورة في إنشاء مراكز الشرطة، وبات لا يفصل بين مركز وآخر أكثر من 500 متر.

ارتفع الإنفاق الأمني، وزادت عمليات التوظيف في مجال الأمن العام بشكل هائل. ووجدت تقارير أن شينجيانغ توظف 40 ضعفا من رجال الشرطة لكل فرد مقارنة بمقاطعة غوانغدونغ الجنوبية المكتظة بالسكان.

في الوقت ذاته، أطلقت بكين منصات شرطة تعمل بالخوارزميات التنبؤية. ويقوم تطبيق يُسمى "منصة العمليات المشتركة المتكاملة (IJOP)" بتجميع البيانات الشخصية من مصادر متعددة: كاميرات المراقبة، وأجهزة تتبع شبكات الواي فاي والهواتف الشخصية، والسجلات المصرفية، وحتى سجلات الصحة والسفر، لتحديد الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات تهديدا محتملا.

ووفقا لهيومن رايتس ووتش، أوعز برنامج "الشرطة التنبؤية" هذا باعتقالات عشوائية للأويغور من دون أن يكون هناك أي مؤشر على وجود تصرف مخالف للقانون.

من شأن الحجاب وحده أن يُفعّل الخوارزمية لتصنيف شخص ما كـ"خطر أمني". وغالبا ما تعتقل السلطات الأشخاص الذين الذين يستهدفهم نظام البيانات هذا، وترسلهم إلى معسكرات التلقين من دون تهمة أو محاكمة.

"إذا كنت مواطنا صينيا وتعيش في الصين، فإن حياتك تُدار من خلال تطبيقات تسيطر عليها في النهاية الحكومة الصينية، وتحديدا الحزب الشيوعي الصيني،" يقول سوبوليك، وهو زميل أقدم في معهد هدسون.

"خذ مثلا تطبيق "وي تشات" (WeChat) الذي يُسمى بـ"تطبيق كل شيء"، سواء كان لطلب الطعام، أو لمراسلة العائلة، أو لاستخدام محرك بحث، أو للنشر على شبكات التواصل الاجتماعي. إنه تطبيق يتغلغل في كل شيء".

وهو أيضا تطبيق يستخدمه الحزب الشيوعي الصيني لتتبع ومراقبة اتصالات المواطنين، يضيف.

ويقول سكان أويغور إن السلطات الصينية تعاملهم دائما بريبة. "إذا بدا عليك أنك من أقلية عرقية، فسيخضونك للتفتيش. أشعر  بالإهانة"، تنقل هيومان رايتس ووتش حديث أحد مستخدمي الإنترنت الأويغور عن عمليات التفتيش الأمنية التي لا تنتهي.

ويعتقد ويتز أن حقوق الأويغور "تُنتهك بطرق عديدة" ونظام المراقبة باستخدام الذكاء الاصطناعي "واحدة منها".

شينجيانغ - رمضان الماضي 

بينما ينشغل العالم عن إقليم شينجيانغ بقضايا دولية أخرى، تواصل الصين حملتها لدمج الأويغور قسريا. 

في شهر رمضان، أجبرت السلطات الصينية الأويغور على تصوير أنفسهم وهم يتناولون الغداء وإرسال اللقطات إلى كوادر الحزب الحاكم، في مسعى لمنع ما تصفه السلطات بـ"التطرف الديني". 

و أُجبر كثيرون على العمل خلال ساعات النهار، واحتُجز الذين رفضوا العمل من 7 إلى 10 أيام، أو أرسلوا إلى "المعسكرات"، بحسب ما أفاد به شرطي محلي راديو "آسيا الحرة"، مارس الماضي.

أزمة أخلاقية

لا تزال قضية العمل القسري في السجون بمثابة أزمة أخلاقية كبيرة على المستوى الدولي، في حين تواصل واشنطن مساعيها للتخفيف من معاناة الأويغور بقوانين وإجراءات تستهدف شركات صينية متورطة في جرائم ضد الإنسانية.

ويصف ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، الجهود الأميركية ودول أخرى، في هذا الشأن، بأنها "أكثر نجاحا" مقارنة بالدور الأوروبي في مواجهة الانتهاكات الصينية لحقوق الإويغور. 

ويشير ويتز إلى إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وإدارة جو بايدن قبله شجعتا الحكومات الأوروبية وغيرها على عدم شراء التكنولوجيا الصينية، خاصة تلك التي يمكن أن تُستخدم لجمع بيانات عن الشركات المحلية أو السكان".

وفي أوائل مايو الحالي، أقر مجلس النواب الأميركي قانون "لا دولارات للعمل القسري للأويغور". 

يحظر القانون على وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) تمويل أي برامج تشمل بضائع مُنتجة في إقليم شينجيانغ الصيني أو من طرف كيانات مرتبطة بالعمل القسري المفروض على الأويغور. 

ويُلزم المشروع الجهات المتعاقدة بتقديم ضمانات خطية بعدم استخدام مثل تلك المنتجات. ويفرض أيضا تقديم تقارير سنوية حول الانتهاكات والتحديات في تنفيذ القانون. ويسمح باستثناءات مشروطة بإشعار الكونغرس بشكل مسبق.

ويعزز القانون الجهود الأميركية في التصدي لقمع الصين للإيغور عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي يناير الماضي، وسعت وزارة الأمن الداخلي الأميركية بشكل كبير "قائمة الكيانات" المشمولة بقانون منع العمل القسري للإيغور. واستهدفت الوزارة شركات صينية متورطة في العمل القسري في شينجيانغ.

وبين عامي 2024 و2025، قامت شركات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا بإدراج شركات صينية عديدة على القوائم السوداء، في قطاعات تشمل الزراعة، وألواح الطاقة الشمسية، والمنسوجات.

إضافة إلى ذلك، "ركزت واشنطن أحيانا على تطوير تكنولوجيا مضادة تتيح للإيغور وغيرهم التحايل على أنظمة المراقبة،" وفقا لويتز.

ويلفت سوبوليك إلى أن إنشاء دولة المراقبة داخل الصين يعود إلى ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، و"بمساعدة دول غربية".

لكنهم تمكنوا من تطوير هذه "التكنولوجيا الديستوبية (المرعبة) ، واستخدامها على شعبهم وعلى الأويغور بشكل خاص، يضيف.

براءات الاختراع

وراء الكواليس، تتعاون بكين مع شركات خاصة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد هوية الأشخاص استنادا إلى العرق. وتقول رويترز إن براءات الاختراع والوثائق التي كُشف عنها خلال السنوات الماضية، تُظهر أن شركات التكنولوجيا الصينية ابتكرت خوارزميات لتحديد وجوه الأويغور بين الحشود.

وتنقل الوكالة عن أحد الباحثين تحذيره من هناك خروقات جسيمة ترتكب ضد حقوق الإنسان. "تتيح هذه التقنيات للشرطة الاطلاع على قاعدة بيانات ضخمة من الوجوه، وتحديد الوجوه التي صنّفها الذكاء الاصطناعي على أنها أويغورية،" يقول.

أنشأت بكين قاعدة بيانات ضخمة من البيانات البيومترية الخاصة بسكان شينجيانغ. وتحت ستار الفحوصات الطبية المجانية، أُجبر السكان، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية، وخاصة الأقليات المسلمة، على تزويد الشرطة بعينات من الحمض النووي، ومسح قزحية العين، وبصمات الأصابع، وتسجيلات صوتية.

بهذا الكم الهائل من المعلومات البيومترية الشخصية، إلى جانب شبكات كاميرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات مراقبة الهواتف الذكية، أنشأت الصين نظام مراقبة، أورويلي الطابع. بل أن جورج أورويل نفسه ليصاب بالرعب إزاء دستوبيا حقيقية يعيش في أتونها بشر حقيقيون، وليس مجرد شخصيات خيالية.

يوصف نظام المراقبة في شينغيانع عموما بأنه "دولة بوليسية رقمية"، ويعد بمثابة برنامج تجريبي، تختبره بكين على الأويغور قبل توسيع نطاقه في أماكن أخرى حول العالم.

مثل شخصيات أورويل في روايته "1984"، يعيش حوالي 13 مليون  أويغوري وغيرهم من المسلمين الأتراك في شينجيانغ، حالة خوف مستمرة تحت شبكة أمنية عالية التقنية. 

يعلم الناس أن كل حركة تقريبا تخضع للمراقبة. ذهابك إلى المسجد، الأشخاص الذي تتواصل معهم، ما تقرأه، وحتى طريقة لباسك، يتم باستمرار تقييمها بواسطة الخوارزميات. 

يتجنب كثيرون في تشينجيانغ تبادل العبارات الدينية  أو ذات الصبغة الثقافية الخاصة. فتواصلك مع الأقارب في الخارج، أو امتلاكك سجادة صلاة، أو مشاركتك آية قرآنية على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تنتهي بك إلى السجن. 

يقول أويغور أنهم "يخافون من الصلاة أو حتى ارتداء الملابس التقليدية" في منازلهم، لأنهم يعلمون أن عيون الدولة وآذانها في كل مكان، والعواقب وخيمة.

منذ عام 2017، نفذت السلطات الصينية حملات اعتقال جماعي في شينجيانغ. واحتجزت  أكثر من مليون من الأويغور والأقليات المسلمة الأخرى في شبكة من معسكرات الاعتقال والسجون، وفقا لتقديرات نقلتها الأمم المتحدة، وفقا لرويترز. 

أُرسل كثيرون إلى المعسكرات ليس لارتكابهم أي جريمة، بل لأن أنظمة الرقابة الآلية وضعتهم على قائمة "غير موالين محتملين" بسبب بصمتهم الرقمية.

داخل معسكرات التلقين، التي تسميها بكين "مراكز التدريب المهني،" نقل معتقلون سابقون عن تعرضهم للتعذيب والتلقين السياسي والإجبار على التخلي عن دينهم. 

تمزقت أوصال عائلات: يختفي البالغون في معسكرات سرية بينما يُوضع الأطفال في مؤسسات حكومية، في سعي السلطات لمحو هوية الأويغور. حتى غير المعتقلين يعيشون تحت نوع من الإقامة الجبرية المؤقتة. 

يسرد تقرير للغاردينان قصة رجل أويغوري عاد إلى شينجيانغ من الدراسة في الخارج، فوصف على الفور بأنه "خطر" لمغادرته البلاد؛ اعتقلته الشرطة في المطار، وأجبرته على الخضوع لـ"فحص صحي" بيومتري، واقتادته إلى مركز احتجاز.

أُلقي القبض على آخرين لمجرد أن أحد أقاربهم في الخارج، أو لأن هواتفهم تحمل محتوى إسلاميا.

تقول منظمات حقوقية دولية إن المراقبة الشاملة تُغذي منظومة انتهاكات أوسع نطاقا. في تقرير صدر في أغسطس 2022، خلصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن ممارسات الصين الرقابية في شينجيانغ "قد تُشكل جرائم دولية، لا سيما جرائم ضد الإنسانية".

وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أدلة على الاعتقال الجماعي والتعذيب والاضطهاد الثقافي والعمل القسري في المنطقة، والتي تُسهّلها البنية التحتية المتطورة للمراقبة، مما يجعل من شبه المستحيل على الأويغور التهرب من سيطرة الدولة.

باختصار، أصبحت شينجيانغ سجنًا مفتوحًا حيث تُحاصر مجموعة عرقية بأكملها بالوسائل الرقمية. الخسائر البشرية فادحة: تدمير الخصوصية، وتجريم المعتقد والثقافة، وتعطيل أو تدمير حياة ملايين الأشخاص. 

"لقد بنت الصين في شينجيانغ ديستوبيا مدفوعة بالمراقبة، وهي نموذج للقمع يجب على العالم مواجهته على وجه السرعة"، قالت صوفي ريتشاردسون من هيومن رايتس ووتش: (هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٣). 

شركات القمع التكنولوجي

تؤكد تقارير أن اعتماد بكين على نخبة من الشركات الصينية العملاقة في مجال تكنولوجيا الأمن في توفير الأجهزة والبرمجيات التي تشغل دولة شينجيانغ البوليسية.

هيكفيجن وداهوا وهواوي وهي من أكبر شركات صناعة كاميرات المراقبة في العالم.

فازت هيكفيجن وداهوا بعقود ضخمة لتزويد شينجيانغ بكاميرات مراقبة وأنظمة تعرف على الوجه. 

وتُظهر أبحاث استندت إلى وثائق شرطة مسربة أن كاميرات هيكفيجن جزء أسياسي في برامج الشرطة في شينجيانغ لتتبع الأويغور واستهدافهم.

إذا كنت أويغوريا

إذا كنت أويغوريا تعيش في الصين، فمن المستحيل أن تعيش حياتك دون أن تكون خاضعا للرقابة المستمرة من الحزب الشيوعي الصيني، يقول سوبوليك.

"وما هو أكثر مأساوية،" يضيف، "أنه حتى لو كنت أويغوريا تعيش خارج الصين – في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أي دولة غربية أخرى – فإن قمع الحزب لا يزال يلاحقك".