الرئيس الإسرائيلي ونتانياهو مع أعضاء الحكومة الجديدة
الرئيس الإسرائيلي ونتانياهو مع أعضاء الحكومة الجديدة

أعرب خبراء ومحللون عن خشيتهم من تعريض الحكومة الإسرائيلية اليمينية، التي تم تشكيلها مؤخرا، اتفاقات إبراهيم للخطر والتصدع، خاصة بعد الزيارة التي اعتبرت استفزازية من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني، إيتمار بن غفير، الثلاثاء، للمسجد الأقصى.

وأدانت دول عربية ومنها السعودية والإمارات ومصر والأردن، "اقتحام بن غفير"، الثلاثاء، باحة المسجد الأقصى، معتبرة أنها خطوة استفزازية وتنذر بالتصعيد.

من جهته، قال متحدث باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، الثلاثاء، إن أي عمل أحادي يقوض الوضع القائم للأماكن المقدسة في القدس غير مقبول.

وتابع المتحدث "الولايات المتحدة تؤيد بقوة الحفاظ على الوضع القائم فيما يتعلق بالأماكن المقدسة في القدس. وأي عمل أحادي يقوض الوضع الراهن غير مقبول"، مضيفا أن "الولايات المتحدة تدعو رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو للحفاظ على التزامه تجاه الوضع القائم للمواقع المقدسة".

وفي إسرائيل، قال كبير حاخامات السفارديم، يتسحاق يوسف في رسالة لبن غفير، "باسم الحاخامية الكبرى أطلب منك ان تمتنع في المستقبل عن الذهاب إلى جبل الهيكل وكل منطقة فيه". وأضاف "من الواضح أنك كوزير لا يمكنك مخالفة تعليمات الحاخامية.. ماذا سيقول الناس عندما يرون وزيرًا يهوديًا ملتزمًا يستهزئ بموقف الحاخامية".

أما نتانياهو فقد قال، في بيان، إنه "مصمم بحزم على الحفاظ على الوضع الراهن"، مشيرًا إلى أن وزراء آخرين زاروا باحة الأقصى في الماضي. لكن زعيم المعارضة يائير لبيد قال في تغريدة "هذا ما يحدث عندما يضطر رئيس وزراء ضعيف لتسليم المسؤولية لأكثر شخص غير مسؤول في الشرق الأوسط وفي أكثر مكان متفجر في الشرق الأوسط".

وفي الوقت نفسه، تسري مخاوف من تصعيد للعنف في الضفة الغربية عقب تنصيب الحكومة الإسرائيلية الجديدة الأسبوع الماضي، والتي وصفت بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل برئاسة بنيامين نتانياهو.

وتعهد نتانياهو، الذي عاد لولاية سادسة كرئيس للوزراء الأسبوع الماضي، بتعزيز الاتفاقيات مع البحرين والمغرب والإمارات والسودان.

وبصفته مهندس هذه الاتفاقات، يأمل نتانياهو أيضا في توسيع دائرة هذه الدول، والتوصل لاتفاق مماثل مع السعودية، بحسب فرانس برس.

وفي أكثر من مناسبة، قال نتانياهو إنه يأمل في تحقيق انفراجة في إقامة علاقات دبلوماسية مع السعودية مثلما فعل في عام 2020 مع دول خليجية أخرى تشارك إسرائيل مخاوفها تجاه إيران.

مع ذلك يخشى خبراء من أن حكومته الجديدة، قد تعرض الاتفاقات للخطر، إذ تعهدت الحكومة الجديدة بتوسيع مستوطنات الضفة الغربية، وضم كامل المنطقة، وهي خطوة تم تعليقها كشرط للاتفاق المبدئي مع الإمارات.

وتقول الدكتورة موران زاغا، الخبيرة في شؤون دول الخليج بجامعة حيفا، لأسوشيتد برس: "لدينا سبب يدعو للقلق بشأن تدهور في العلاقات".

معضلة حقيقية

وفي تعليقه على تأثير حكومة نتانياهو الجديدة على العلاقات مع الدول العربية، يقول عبد الخالق عبد الله، المحلل السياسي الإماراتي، إنه "لا شك أن هذه الحكومة تضع الجميع أمام معضلة حقيقية في التعامل معها".

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن "هذه المعضلة لا تقتصر على الدول العربية المطبعة مع إسرائيل، بل على دول العالم التي تقيم علاقات مع إسرائيل".

وأوضح عبد الله أن "المعضلة تكمن في أن هذه الحكومة جاءت بانتخابات، وهذه في النهاية إرادة أغلبية الشعب في إسرائيل، وهي حكومة شرعية، ويجب على الجميع أن يحترم إرادة الشعب الإسرائيلي، بعيدا عن كل الاعتبارات والتحفظات".

وتابع "لكن هذه الحكومة هي الأسوأ في تاريخ إسرائيل". وأشار إلى أن هذه الحكومة التي تضم أعضاء متشددين مثل بن غفير سيكون "التعامل معها صعبا للغاية"، داعيا إلى "تجميد اتفاقيات إبراهيم مؤقتا".

وأكد الرئيس الأميركي، جو بايدن، الخميس الماضي، أنه سيتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي وصفه بـ"الصديق"، لكنه تعهد بمعارضة السياسات التي تشكل خطرا على حل الدولتين مع الفلسطينيين.

وقال بايدن، في بيان، "أتطلع للعمل مع رئيس الوزراء نتانياهو الذي كان صديقي على مدى عقود، للتعامل بشكل مشترك مع التحديات والفرص التي تواجه إسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك التهديدات الإيرانية".

وأضاف "كما فعلنا طوال عهدي، ستواصل الولايات المتحدة دعم حل الدولتين ومعارضة السياسات التي تشكل خطرا على قابلية تحقيقه أو تتناقض مع مصالحنا المتبادلة وقيمنا".

علاقات "قائمة على المصالح"

وردا على سؤال عن "كيفية الحفاظ على اتفاقيات إبراهيم وتطويرها"، يتوقع المحلل الإماراتي أن "نتانياهو يفضل البقاء في السلطة على حساب أي اتفاقات وقعها".

وقال "الواضح أن لا أميركا ولا أي دولة أخرى تستطيع الضغط على حكومة إسرائيلية مغرورة بذاتها، وهي سائرة في مسار استيطاني يضرب السلام بعرض الحائط".

ولمعرفة انعكاس سياسة حكومة نتانياهو الجديدة على اتفاق التطبيع مع الإمارات، يرى عبد الله أن "العلاقات مع إسرائيل من وجهة النظر الإماراتية قائمة على المصالح، بغض النظر عن شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي".

ويوضح أن "هذه العلاقة محكومة بمدى الاستفادة منها فيما يتعلق بمصالح الإمارات، وفي لحظة من اللحظات، إذا كانت هذه العلاقة لا تخدم مصالح الإمارات، فهي قادرة على إنهائها في أي لحظة، وهي تقرر إن كانت مفيدة لمصالحها أم تشكل عبئا عليها".

وفي وقت سابق، كتب عبد الله على (تويتر) مغردا "أتعجب من دعوة صهيوني فاشي واستيطاني إرهابي وسياسي متطرف لحفل اليوم الوطني للإمارات. لا مكان لهؤلاء على أرض الإمارات وفي سفاراتها".

 

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة "إيكونومست"، الأربعاء، أن "الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستختبر العلاقات مع الدول العربية"، وقالت إن "حكومة نتانياهو هي الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، ويخشى الكثير من الإسرائيليين مما يعنيه ذلك لديمقراطيتهم".

وأضافت أن حكومة نتانياهو تضم "إيتمار بن غفير، الذي مثل في عمله السابق كمحام، اليهود الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم كراهية ضد الفلسطينيين، وهو يرأس حزبا يروج للتفوق اليهودي (...) وتضم بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، الذي دعا ذات مرة إلى الفصل بين اليهود والعرب في أجنحة الولادة".

وأظهر استطلاع أجراه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وهو مؤسسة فكرية مؤيدة لإسرائيل في واشنطن العاصمة، أن 25٪ فقط من الإماراتيين و20٪ من البحرينيين يوافقون الآن على اتفاقيات إبراهيم، بانخفاض من 47٪ و45٪ في 2020. ونصف مليون إسرائيلي زاروا الإمارات خلال العامين الماضيين، بينما سافر 1600 إماراتي فقط إلى إسرائيل"، بحسب أسوشيتد برس.

إرجاء زيارة نتانياهو
بسبب "استعدادات لوجستية".. نتانياهو يرجئ زيارته للإمارات
نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، لم تسمه، القول إن زيارة رئيس الوزراء، بنيامين نتانياهو، إلى أبوظبي لن تتم الأسبوع المقبل، بسبب الحاجة "إلى استعدادات لوجستية أطول"، نافيا أن يكون السبب له علاقة بدخول وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، المسجد الأقصى، وفق مراسل قناة الحرة

وقد تؤثر مثل هذه المواقف (اقتحام بن غفير للأقصى وسياسة الاستيطان) على اتفاقات إبراهيم. وتم تأجيل زيارة نتانياهو المخطط لها إلى أبوظبي، ومكتبه يقول لأسباب لوجستية، لكن الأمر قد يتعلق بأفعال بن غفير، على حد تعبير الصحيفة.

الزيارة "تقليدية"

من جانبه، يستبعد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية في القدس، مئير مصري، إمكانية أن تعرض حكومة نتانياهو الجديدة اتفاقات إبراهيم للخطر.

وقال لموقع "الحرة": "لا أظن ذلك، حتى وإن كان دخول عناصر متطرفة على الخط من شأنه أن يعرقل تنامي تلك العلاقات. فالإشكالية لا تكمن في الزيارة بحد ذاتها، والتي تُعد تقليدية نوعاً ما، وإنما في الزائر".

وتابع: "هذا النمط الجديد من الساسة المشاغبين سوف يكون مصدراً للإزعاج والحرج لحكومة إسرائيل ولأصدقائها العرب على حدٍ سواء".

"أهمية الاتفاقيات للدول العربية"

وفيما يخص الموقف الإسرائيلي الداخلي من زيارة بن غفير للأقصى، قال مصري: "بشكل عام، الشعب الإسرائيلي في مجمله يعتبر الزيارة عابرة وتقليدية. لا يجب أن ننسى أن جبل الهيكل هو أقدس مكان للديانة اليهودية، فهو مكة اليهود وقبلتهم".

ويعتبر أن "الزيارة لا تتعارض مع الاتفاقيات المبرمة بين إسرائيل والأردن، صاحب الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس. كما أن الوزير لم ينتهك حرمة المسجد الأقصى لا من قريب ولا من بعيد. إلا أن شخصية بن غفير ومواقفه المتطرفة في السابق تعطي الانطباع بأن الزيارة جاءت لاستفزاز المسلمين وإثارة الجدل، الشيء الذي تسبب في استياء قوى المعارضة".

وعن ملف الاستيطان، وانعكاس الموقف الحكومي على العلاقات مع الحلفاء مثل الولايات المتحدة التي تتمسك بحل الدولتين، يقول مصري: "لا أظن قضية حل الدولتين على رأس أولويات الإدارة الأميركية الحالية. كما أن كل الحديث عن تكثيف البناء في المناطق المتنازع عليها مبالغٌ فيه كثيراً. القضية تتعلق بمطالبة اعتراف الدولة بتجمعات سكنية قامت بشكل غير شرعي، أي بدون موافقة الحكومات السابقة، وهي بعيدة عن مناطق الحكم الذاتي".

أما بخصوص الدعوات للتعليق المؤقت لاتفاقيات إبراهيم، قال مصري إن إسرائيل "لا تأخذها بمحمل الجد، نظراً لأهمية تلك الاتفاقيات للدول العربية المعنية. ولكن هذا لا يمنع من أن الحكومة مشغولة بتوضيح الموقف وبالتأكيد على استمرار إسرائيل في احترام الوضع القائم في البلدة القديمة، والذي يكرس الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية، وصيانة حرية العبادة بشكل قاطع ولا لبس فيه".

مواقف إسرائيلية

ولم تقتصر ردود الفعل على اقتحام بن غفير للأقصى، على دول عربية أو حليفة فقط، بل جاءت من داخل إسرائيل أيضا بعد الانتقادات اللاذعة من قبل جهات سياسية.

وانتقدت كتلة "يهدوت هتوراه" الشريكة في الائتلاف الحكومي، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، في أعقاب زيارته باحة المسجد الأقصى، الثلاثاء.

ووصفت صحيفة "ييتِد نئمان" الناطقة باسم حزب "ديغل هتوراه"، وهو أحد الحزبين اللذين يشكلان "يهدوت هتوراه"، خطوة بن غفير بأنها "استفزاز لا ضرورة له وخطير".

ورأت الصحيفة ما قام به بن غفير أنه "استعراض مرفوض يشكل خطرا على حياة اليهود، وأنه عمل لا فائدة منه".

وقالت هيئة البث الإسرائيلية، إن مصادر حكومية انتقدت تصرفات بن غفير، وإنه كان من الممكن أن يتخلى عن التصريحات التي أدلى بها عندما حضر إلى الحرم، فيخفف بذلك من حدة الانتقادات الموجهة حاليا إلى إسرائيل.

وقال رئيس لجنة الأمن والخارجية في الكنيست سابقا، رام بن براك، من حزب "يش عتيد"، إن "نتانياهو شكل حكومة سيئة وعليه أن يدفع الآن الثمن".

وأضاف بن براك، أن زيارة بن غفير ستضع عراقيل أمام توسيع دائرة الدول العربية التي تسعى إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.