دخلت مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة على خط الاحتجاجات الإيرانية المتواصلة منذ 16 سبتمبر 2022، في أعقاب وفاة الشابة مهسا أميني بعد توقيفها من قبل شرطة الأخلاق بحجة عدم التزامها بقواعد اللباس الصارمة التي تفرضها "الجمهورية الإسلامية".
وأصدرت الصحيفة عدداً خاصاً لدعم الحركة الاحتجاجية في إيران، تضمن نشر أكثر من 30 رسماً كاريكاتورياً تنتقد المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، وتركز في مجملها على واقع النساء الإيرانيات، وتحديهن للسلطة السياسية والدينية التي يمثلها المرشد.
إصدار العدد الخاص، الذي أثار غضب السلطات الإيرانية، جاء تتويجاً لمسابقة أطلقتها المجلة في ديسمبر الماضي لإعداد رسوم كاريكاتورية بهدف "دعم الإيرانيين الذين يناضلون من أجل حريتهم"، على ما أعلنت المجلة حينها.
وتصوّر الرسوم المرشد، الذي يعتبر الشخصية الأعلى في إيران، وهو يُواجه من قبل النساء والفتيات. ففي إحدى اللوحات تبدو الصدمة على ملامحه فيما تشعل فتاة صغير النار في لحيته، وفي أخرى تطارده فتاة حاسرة الرأس وهي تمتطي حصاناً فيما يفر هو مذعورا. وكذلك أظهرت الرسوم خامنئي وهو يتعرض للشنق بشعر النساء المحتجات.
وفور صدور عدد المجلة، رأت إيران في الرسوم "عملاً مهينا"، وغرد وزير الخارجية الإيرانية، حسين أمير عبد اللهيان، محذراً الحكومة الفرنسية من "رد حاسم وفعال".
أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية عن إغلاق جمعية الدراسات الإيرانية الفرنسية في إيران كخطوة أولى للرد على نشر "شارلي إيبدو" الفرنسية لكاريكاتور يسخر من المرشد الإيراني علي خامنئي. pic.twitter.com/X0JHF1bpxt
— إيران إنترناشيونال-عربي (@IranIntl_Ar) January 5, 2023
كذلك استدعت الخارجية الإيرانية السفير الفرنسي في طهران، نيكولاس روش، للاحتجاج رسمياً على الرسوم التي وصفها بيان الخارجية بـ "العمل المسئ إلى مرتبة إيران ومقدساتها وقيمها الدينية والوطنية".
وحملت طهران الحكومة الفرنسية المسؤولية عن نشر الرسوم، فقرّرت إغلاق المعهد الفرنسي للبحوث في إيران (إفري)، وندّدت بما أعتبرته "عدم تحرّك السلطات الفرنسية في مواجهة معاداة الإسلام".
ودائماً ما ترفض فرنسا الاحتجاجات الرسمية على ما تنشره المجلة، وتجديد التزامها "الثابت" بحرية الصحافة والتعبير، والذي تدرج ما تنشره "شارلي إيبدو" ضمنه.
الإيرانيون و "شارلي إيبدو"
خلال سنوات مضت صُنفت مجلة "شارلي إيبدو" في خانة "الأعداء" في إيران، ولطالما شارك الإيرانيون في تظاهرات تندّد بالصحيفة خاصة بعد نشرها رسوماً تتناول النبي، حيث هتفوا في العام 2015 "الموت لشارلي إيبدو"، وهو ما تكرر في العام 2022، بعد إعادة المجلة نشر رسوم نبي الإسلام.
لكن التفاعل هذه المرّة يبدو مختلفاً. ففي الوقت الذي غضبت فيه السلطات الإيرانية من الرسوم، تلقتها أطياف من المعارضة الإيرانية باستحسان، وشاركها العديد من الإيرانيين على مواقع التواصل الاجتماعي.
هل هناك جهة مستهدفة؟
تعرف المسلمون على "شارلي إيبدو" في العام 2015، بعد أن نشرت المجلة رسومات للنبي محمد أثارت موجة غضب كبيرة في العالم الإسلامي، شارك فيها المواطنون من خلال التظاهرات الحاشدة، والحكومات من خلال الاحتجاجات الرسمية لدى الحكومة الفرنسية.
وفي 25 ينابر 2015، تعرضت المجلة لهجوم مسلح أدى إلى مقتل 12 شخصاً بينهم عدد من أهم الرسامين، وهو الهجوم الذي أعلن تنظيم القاعدة المسؤولية عن تنفيذه. وتبعته حمله تضامن واسعة مع المجلة، حيث شارك مئات الآلاف في مسيرة احتجاجية في فرنسا دفاعاً عن حرية التعبير، وهي المسيرة التي شارك فيها زعماء دول عربية وإسلامية.
بعدها بخمس سنوات على الهجوم، أقدم لاجئ شيشاني في أكتوبر 2020، على قطع عنق مدرس التاريخ والتربية المدنية الفرنسي صامويل باتي لعرضه رسماً كاريكاتورياً للنبي محمد خلال درس عن حرية التعبير.
وينتشر اعتقاد واسع بأن المجلة تتعمد انتقاد الدين الإسلامي والرموز الإسلامية، دون غيرها من المعتقدات الدينية، لكن مراجعة سريعة لإصداراتها تبيّن أنها توجه انتقادات لمختلف الأديان والرموز الدينية والسياسية.
ومن ذلك، حمل غلاف عدد صادر في 7 ديسمبر 2011 رسماً كاريكاتيريا عن قصة "العشاء الأخير" للمسيح المذكورة في الإنجيل. وفي 2014، أصدرت المجلة عدداً خاصاً عن قصة ولادة المسيح، وهو العدد الذي تسبب في انتقادات واسعة للمجلة من قبل المتدينين.
كذلك سخرت المجلة من المحرقة اليهودية، عندما نشرت رسماً بعنوان "تصوير فيلم الهولوكوست"، إلى جانب عدد من الإصدارات التي تضمنت سخرية من السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، حيث نشرت رسوما تشكك في مبررات إسرائيل لقتل الفلسطينيين.