تتوالى الهزائم والانتكاسات في صفوف حركة الشباب، مع تقدم القوات الصومالية وتمكنها من صد وإحباط عدة هجمات خلال الفترة الماضية، في وقت خسرت فيه الحركة منطقة هامة قبل أيام كانت تعتبر معقلا لعناصرها، وتوفر منفذا بحريا لها.
وفي إطار هذه التطورات الميدانية تطرح تساؤلات جدية عن مستقبل هذه الحركة، التي تأسست قبل نحو عشرين عاما، وتقاتل الحكومة منذ 2006، خاصة بعد تصريحات مسؤولين صوماليين بأن نجم حركة الشباب بدأ بالأفول، وأن الهزائم العسكرية قد تؤدي إلى انقسامات وتصدعات داخلها.
وقتل سبعة عسكريين، يوم الجمعة الماضي، في معسكر للجيش في مدينة جالكاد بوسط الصومال على بعد حوالى 375 كيلومترا شمال العاصمة مقديشو. وقال الجيش الأميركي، السبت، إن الهجوم - الذي وقع في بلدة صومالية استعادها الجيش الأسبوع الماضي - شارك فيه أكثر من 100 عنصر من حركة الشباب.
خسائر وهزائم
وأوردت القيادة العسكرية الأميركية لأفريقيا (أفريكوم) في بيان أن "العمليات المشتركة التي قامت بها القوات الشريكة على الأرض والضربة الجماعية للدفاع عن النفس قد أسفرت عن تدمير ثلاث مركبات وقتل ما يقرب من ثلاثين إرهابيا من حركة الشباب".
At the request of the Somali Government, USAFRICOM conducted a collective self-defense strike yesterday against al Shabaab terrorists who were attacking partner forces in a remote area approx. 260 km NE of Mogadishu. https://t.co/TgOQPhrfCZ
— US AFRICOM (@USAfricaCommand) January 21, 2023
وفي الأشهر الأخيرة، استعاد الجيش ومقاتلو العشائر المحلية مساحات من الأراضي في وسط البلاد في عملية مدعومة بضربات جوية أميركية وقوة من الاتحاد الأفريقي، وفقا لفرانس برس.
وفي 16 يناير الحالي، قال وزير الدفاع الصومالي، عبد القادر محمد نور، إن قوات تقودها الحكومة الصومالية سيطرت على معقل لحركة الشباب على المحيط الهندي، في أحد أهم انتصارات الحكومة على الجماعة.
وقال نور في مقطع بثه التلفزيون الحكومي إن القوات استولت على مدينة حررطيري الساحلية وكذلك مدينة جالكاد القريبة وسط إقليم جلمدج الصومالي.
وكانت حررطيري قاعدة رئيسية للقراصنة الذين يخطفون السفن التجارية حتى عام 2011. وسيطرت عليها بعد ذلك حركة الشباب، وفقا لرويترز.
وأضاف "هذا يعني أن حركة الشباب قد هُزمت. سيتم تحرير باقي المناطق قريبا".
استراتيجية للمواجهة
وفي إطار الحديث عن الخسائر والهزائم التي تتكبدها الحركة، أشار المحلل المختص بالجماعات الإرهابية، عمرو فاروق، إلى أن الحكومة الصومالية تتبع استراتيجية ناجعة في مواجهة حركة الشباب، وهي مؤلفة من عدة مسارات عسكرية وفكرية ومنها ما يتعلق بالحاضنة الشعبية.
وأوضح فاروق في حديثه لموقع "الحرة" أن "الحكومة الصومالية الحالية تتخذ مجموعة من الإجراءات، التي لو تم استكمالها بدقة، ستؤدي إلى تفكيك الحركة (الشباب) على المستوى التنظيمي والمستوى الفكري".
وقال إن "الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، يسير في استراتيجية منذ العام الماضي لتحجيم هذه الحركة ومنع التمركزات الجغرافية لها"، وهو الأمر الذي يتمثل في المكاسب الميدانية للقوات الصومالية والعشائر المتحالفة معها.
وأضاف فاروق أن "الاستراتيجية الحكومية تسير على أكثر من نطاق، ومنها الجانب الأمني والعسكري، ومحور يتعلق بالمحتوى الإعلامي، والخطاب المرتبط بهذه الجماعة"، بمعنى أن الدولة تواجه حركة الشباب عسكريا وفكريا.
وأشار إلى أن "أي دولة تسير في هذا الاتجاه ستحقق نتائج جيدة (...) خاصة أن الجيش الصومالي يقوم بعمليات خاصة، وهناك أيضا تحالف مع بعض القبائل والعشائر الصومالية، فضلا عن استقطاب عدد كبير من المنشقين عن حركة الشباب".
وأجبرت الحكومة والميليشيات العشائرية المتحالفة معها مسلحي الشباب على الانسحاب من مناطق شاسعة بوسط الصومال منذ أن شنت الحكومة هجوما كبيرا في أغسطس الماضي، وفقا لرويترز.
وعن أهمية تفكيك الحاضنة الشعبية للحركة داخل الصومال، يقول عمرو إن "التحالف مع القبائل والعشائر يخفف من الحواضن الشعبية والمجتمعية التي كونتها الحركة، وأي تنظيم يحتاج لذلك ليستمر في البقاء، وفي حال تفكيك الحاضنة يبدأ بالانهيار".
ولفت عمرو إلى أن تطبيق هذه الاستراتيجية متعددة المسارات هو أمر ليس بالسهل ويحتاج إلى وقت طويل، لأن "التنظيم مرتبط ببعض القبائل ويتمركز في مساحات جغرافية واسعة، وله تأثير فكري داخل المجتمع، والتغيير وصناعة الوعي الجماعي يحتاج وقتا".
وألمح المحلل المختص بالجماعات الإرهابية إلى ضرورة قيام الدولة بتحسين الوضع الأمني والاقتصادي والمعيشي، لأن "الدولة الفاشلة هي مرتع للتنظيمات الإرهابية".
أفول نجم الحركة
من جانبه قال نائب وزير الإعلام، عبد الرحمن يوسف، في تصريح للتلفزيون الحكومي، عقب السيطرة على حررطيري قبل أيام، إن "عناصر الشباب كانوا يستخدمون حررطيري، لأغراض متعددة، حيث كانت تسهم بشكل كبير في عملياتهم العسكرية".
وأضاف يوسف أن "تحرير المدينة يشكل ضربة قاضية لأحد أهم المنافذ البحرية لعناصر الشباب، ومنها تتلقى الحركة الأسلحة والمتفجرات، وتستقبل الأجانب والمجرمين لتعزيز نفوذها".
وأوضح أن "خسارة المدينة ستشكل بزوغ فجر جديد بالنسبة للشعب الصومالي، وإيذانا بأفول نجم الحركة التي بقيت لسنوات عديدة في هذه المنطقة الاستراتيجية، ما يعني أنه تم حجب أحد أهم منابع الدخل لها".
بدوره قال مدير المخابرات الأسبق، العقيد عبد الرحمن توريري، في تصريح للتلفزيون الحكومي، إن "الهزائم العسكرية التي منيت بها الحركة ستؤدي إلى انقسامات داخلها في الأيام المقبلة".
وأوضح توريري أن "ملامح الانشقاقات بدأت حيث استسلم عشرات المقاتلين للقوات الحكومية في الخطوط الأمامية جنوب ووسط البلاد، ثم سيأتي دور القيادات الوسطى والميدانية في حال استمر الضغط وتحرير المناطق القليلة المتبقية".
وفقدت حركة الشباب "السيطرة على مدينة استراتيجية ذات أهمية كبيرة وهذه الخسارة تمثل هزيمة كبيرة لها كونها أضاعت نقطة العبور التي كانت تستخدمها في نقل الأسلحة والمجرمين وموردها الاقتصادي من خلال جمع الأموال الإجبارية من السكان المحليين وإعداد جيل ناشئ على الأفكار المتطرفة"، وفقا لوكالة الأنباء الصومالية.
هجمات دامية
ويستمر مقاتلو الشباب بشن هجمات دامية انتقاما، ما يظهر أنهم ما زالوا قادرين على توجيه ضربات في قلب المدن واستهداف المنشآت العسكرية الصومالية. ورغم دحرها من مقديشو وغيرها من المدن الرئيسية منذ أكثر من عقد، لا تزال حركة الشباب نشطة في أجزاء من المناطق الريفية في وسط وجنوب الصومال، وفقا لفرانس برس.
ومن أحدث الهجمات العنيفة للجماعة، قتل 121 شخصا في انفجار سيارتين مفخختين استهدف وزارة التربية والتعليم في مقديشو في أكتوبر الماضي.
كما نشطت المجموعة مؤخرا عبر الحدود في شرق كينيا المشاركة في قوة الاتحاد الأفريقي في الصومال، حيث نفذت عدة هجمات دامية محدودة النطاق، إضافة إلى هجمات متفرقة وخاصة في العاصمة مقديشو.
وتخوض الحركة قتالا ضد الحكومة المركزية في الصومال منذ 2006 وتسعى للإطاحة بها، ومن ثم حكم البلاد وفقا لتفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية، وتشن الحركة المتشددة هجمات متكررة بالقنابل والأسلحة النارية في أنحاء البلاد، وفقا لرويترز.
وتقول الوكالة إن "تمرد حركة الشباب منذ فترة طويلة أدى إلى أزمة غذائية حادة في الصومال".
ويعاني أكثر من 200 ألف صومالي من نقص حاد في الغذاء ويموت الكثيرون جوعا، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى أكثر من 700 ألف العام المقبل، وفقا لأحدث البيانات الصادرة عن وكالات أممية وجماعات إغاثة.