مسلحون من حركة الشباب في مقديشو. أرشيف
مسلحون من حركة الشباب في مقديشو. أرشيف

تتوالى الهزائم والانتكاسات في صفوف حركة الشباب، مع تقدم القوات الصومالية وتمكنها من صد وإحباط عدة هجمات خلال الفترة الماضية، في وقت خسرت فيه الحركة منطقة هامة قبل أيام كانت تعتبر معقلا لعناصرها، وتوفر منفذا بحريا لها.

وفي إطار هذه التطورات الميدانية تطرح تساؤلات جدية عن مستقبل هذه الحركة، التي تأسست قبل نحو عشرين عاما، وتقاتل الحكومة منذ 2006، خاصة بعد تصريحات مسؤولين صوماليين بأن نجم حركة الشباب بدأ بالأفول، وأن الهزائم العسكرية قد تؤدي إلى انقسامات وتصدعات داخلها.

وقتل سبعة عسكريين، يوم الجمعة الماضي، في معسكر للجيش في مدينة جالكاد بوسط الصومال على بعد حوالى 375 كيلومترا شمال العاصمة مقديشو. وقال الجيش الأميركي، السبت، إن الهجوم - الذي وقع في بلدة صومالية استعادها الجيش الأسبوع الماضي - شارك فيه أكثر من 100 عنصر من حركة الشباب.

خسائر وهزائم

وأوردت القيادة العسكرية الأميركية لأفريقيا (أفريكوم) في بيان أن "العمليات المشتركة التي قامت بها القوات الشريكة على الأرض والضربة الجماعية للدفاع عن النفس قد أسفرت عن تدمير ثلاث مركبات وقتل ما يقرب من ثلاثين إرهابيا من حركة الشباب".

وفي الأشهر الأخيرة، استعاد الجيش ومقاتلو العشائر المحلية مساحات من الأراضي في وسط البلاد في عملية مدعومة بضربات جوية أميركية وقوة من الاتحاد الأفريقي، وفقا لفرانس برس.

وفي 16 يناير الحالي، قال وزير الدفاع الصومالي، عبد القادر محمد نور، إن قوات تقودها الحكومة الصومالية سيطرت على معقل لحركة الشباب على المحيط الهندي، في أحد أهم انتصارات الحكومة على الجماعة.

وقال نور في مقطع بثه التلفزيون الحكومي إن القوات استولت على مدينة حررطيري الساحلية وكذلك مدينة جالكاد القريبة وسط إقليم جلمدج الصومالي.

وكانت حررطيري قاعدة رئيسية للقراصنة الذين يخطفون السفن التجارية حتى عام 2011. وسيطرت عليها بعد ذلك حركة الشباب، وفقا لرويترز.

وأضاف "هذا يعني أن حركة الشباب قد هُزمت. سيتم تحرير باقي المناطق قريبا".

استراتيجية للمواجهة

وفي إطار الحديث عن الخسائر والهزائم التي تتكبدها الحركة، أشار المحلل المختص بالجماعات الإرهابية، عمرو فاروق، إلى أن الحكومة الصومالية تتبع استراتيجية ناجعة في مواجهة حركة الشباب، وهي مؤلفة من عدة مسارات عسكرية وفكرية ومنها ما يتعلق بالحاضنة الشعبية.

وأوضح فاروق في حديثه لموقع "الحرة" أن "الحكومة الصومالية الحالية تتخذ مجموعة من الإجراءات، التي لو تم استكمالها بدقة، ستؤدي إلى تفكيك الحركة (الشباب) على المستوى التنظيمي والمستوى الفكري".

وقال إن "الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، يسير في استراتيجية منذ العام الماضي لتحجيم هذه الحركة ومنع التمركزات الجغرافية لها"، وهو الأمر الذي يتمثل في المكاسب الميدانية للقوات الصومالية والعشائر المتحالفة معها.

وأضاف فاروق أن "الاستراتيجية الحكومية تسير على أكثر من نطاق، ومنها الجانب الأمني والعسكري، ومحور يتعلق بالمحتوى الإعلامي، والخطاب المرتبط بهذه الجماعة"، بمعنى أن الدولة تواجه حركة الشباب عسكريا وفكريا.

وأشار إلى أن "أي دولة تسير في هذا الاتجاه ستحقق نتائج جيدة (...) خاصة أن الجيش الصومالي يقوم بعمليات خاصة، وهناك أيضا تحالف مع بعض القبائل والعشائر الصومالية، فضلا عن استقطاب عدد كبير من المنشقين عن حركة الشباب".

وأجبرت الحكومة والميليشيات العشائرية المتحالفة معها مسلحي الشباب على الانسحاب من مناطق شاسعة بوسط الصومال منذ أن شنت الحكومة هجوما كبيرا في أغسطس الماضي، وفقا لرويترز.

وعن أهمية تفكيك الحاضنة الشعبية للحركة داخل الصومال، يقول عمرو إن "التحالف مع القبائل والعشائر يخفف من الحواضن الشعبية والمجتمعية التي كونتها الحركة، وأي تنظيم يحتاج لذلك ليستمر في البقاء، وفي حال تفكيك الحاضنة يبدأ بالانهيار".

ولفت عمرو إلى أن تطبيق هذه الاستراتيجية متعددة المسارات هو أمر ليس بالسهل ويحتاج إلى وقت طويل، لأن "التنظيم مرتبط ببعض القبائل ويتمركز في مساحات جغرافية واسعة، وله تأثير فكري داخل المجتمع، والتغيير وصناعة الوعي الجماعي يحتاج وقتا".

وألمح المحلل المختص بالجماعات الإرهابية إلى ضرورة قيام الدولة بتحسين الوضع الأمني والاقتصادي والمعيشي، لأن "الدولة الفاشلة هي مرتع للتنظيمات الإرهابية".

أفول نجم الحركة

من جانبه قال نائب وزير الإعلام، عبد الرحمن يوسف، في تصريح للتلفزيون الحكومي، عقب السيطرة على حررطيري قبل أيام، إن "عناصر الشباب كانوا يستخدمون حررطيري، لأغراض متعددة، حيث كانت تسهم بشكل كبير في عملياتهم العسكرية".

وأضاف يوسف أن "تحرير المدينة يشكل ضربة قاضية لأحد أهم المنافذ البحرية لعناصر الشباب، ومنها تتلقى الحركة الأسلحة والمتفجرات، وتستقبل الأجانب والمجرمين لتعزيز نفوذها".

وأوضح أن "خسارة المدينة ستشكل بزوغ فجر جديد بالنسبة للشعب الصومالي، وإيذانا بأفول نجم الحركة التي بقيت لسنوات عديدة في هذه المنطقة الاستراتيجية، ما يعني أنه تم حجب أحد أهم منابع الدخل لها".

بدوره قال مدير المخابرات الأسبق، العقيد عبد الرحمن توريري، في تصريح للتلفزيون الحكومي، إن "الهزائم العسكرية التي منيت بها الحركة ستؤدي إلى انقسامات داخلها في الأيام المقبلة".

وأوضح توريري أن "ملامح الانشقاقات بدأت حيث استسلم عشرات المقاتلين للقوات الحكومية في الخطوط الأمامية جنوب ووسط البلاد، ثم سيأتي دور القيادات الوسطى والميدانية في حال استمر الضغط وتحرير المناطق القليلة المتبقية".

وفقدت حركة الشباب "السيطرة على مدينة استراتيجية ذات أهمية كبيرة وهذه الخسارة تمثل هزيمة كبيرة لها كونها أضاعت نقطة العبور التي كانت تستخدمها في نقل الأسلحة والمجرمين وموردها الاقتصادي من خلال جمع الأموال الإجبارية من السكان المحليين وإعداد جيل ناشئ على الأفكار المتطرفة"، وفقا لوكالة الأنباء الصومالية.

هجمات دامية

ويستمر مقاتلو الشباب بشن هجمات دامية انتقاما، ما يظهر أنهم ما زالوا قادرين على توجيه ضربات في قلب المدن واستهداف المنشآت العسكرية الصومالية. ورغم دحرها من مقديشو وغيرها من المدن الرئيسية منذ أكثر من عقد، لا تزال حركة الشباب نشطة في أجزاء من المناطق الريفية في وسط وجنوب الصومال، وفقا لفرانس برس.

ومن أحدث الهجمات العنيفة للجماعة، قتل 121 شخصا في انفجار سيارتين مفخختين استهدف وزارة التربية والتعليم في مقديشو في أكتوبر الماضي.

كما نشطت المجموعة مؤخرا عبر الحدود في شرق كينيا المشاركة في قوة الاتحاد الأفريقي في الصومال، حيث نفذت عدة هجمات دامية محدودة النطاق، إضافة إلى هجمات متفرقة وخاصة في العاصمة مقديشو.

وتخوض الحركة قتالا ضد الحكومة المركزية في الصومال منذ 2006 وتسعى للإطاحة بها، ومن ثم حكم البلاد وفقا لتفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية، وتشن الحركة المتشددة هجمات متكررة بالقنابل والأسلحة النارية في أنحاء البلاد، وفقا لرويترز.

وتقول الوكالة إن "تمرد حركة الشباب منذ فترة طويلة أدى إلى أزمة غذائية حادة في الصومال".

ويعاني أكثر من 200 ألف صومالي من نقص حاد في ​​الغذاء ويموت الكثيرون جوعا، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى أكثر من 700 ألف العام المقبل، وفقا لأحدث البيانات الصادرة عن وكالات أممية وجماعات إغاثة.

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.