في محاولة لإيجاد حلول لأزمة الديون وفوائدها، تسعى الحكومة المصرية لخلق مصادر مختلفة لتوفير العملات الأجنبية مع اقتراب موعد السداد. وبالتزامن مع موعد استحقاق دين بمبلغ 1.25 مليار دولار مقابل سندات أوروبية أصدرتها مصر قبل عدة أشهر، الثلاثاء ٢١ فبراير، أعلنت الحكومة طرح صكوك إسلامية بقيمة 1.5 مليار.
لكن يبقى السؤال عن مدى فاعلية مثل هذه الطرق التي تتبعها الحكومة المصرية محل نقاش. ويرى عدد من الخبراء والاقتصاديين الذين تحدث معهم موقع "الحرة" أن الحلول المتاحة أمام مصر لسداد ديونها المتراكمة منذ عام ٢٠١٦ أصبحت محدودة في ظل ارتفاع فوائد الديون. وأوضحوا أن ما يزيد الأمور تعقيدا كان قرار وكالات الائتمان الدولية، وأبرزها "موديز"، بتخفيض تصنيف مصر، في فبراير الجاري، بشكل يقلل من جاذبية أدوات الدين التي تصدرها.
الصكوك الإسلامية في مواجهة تصنيف موديز
تعد خطوة طرح الصكوك الإسلامية هي الأولى لمصر في سوق الديون العالمية منذ طرح خاص بقيمة 500 مليون دولار لأول سندات مقومة بالين الصيني "الساموراي" في مارس 2022، وفقا لـ"بلومبرغ".
وتهدف الصكوك، التي ستدرجها الشركة المالية المصرية في بورصة لندن، إلى المساعدة في تخفيف الأعباء على العملة المحلية مقابل الأجنبية في مصر وسداد الديون وتمويل الاستثمار ومشروعات التنمية، حسبما جاء في شبكة "سي أن بي سي" الأميركية.
ووصل السعر النهائي للصكوك الدولارية الإسلامية لأجل ثلاث سنوات إلى 11.625 في المئة، الثلاثاء، وفقًا لمذكرة الشروط التي اطلعت عليها وكالة "بلومبرغ" الأميركية. وأكدت الوكالة أن الصكوك جمعت 1.5 مليار دولار، والإصدار تمت تغطيته بأكثر من 3.5 مرة، بإجمالي 5.8 مليار دولار.
ومن المقرر أن تسدد مصر 1.25 مليار دولار في سندات اليوروبوندز لخمس سنوات.
وتشترك عدة بنوك معظمها خليجية في إدارة صفقة الصكوك، وهي: مصرف أبوظبي الإسلامي، وسيتي، وكريدي أغريكول، وبنك الإمارات دبي الوطني، وبنك أبوظبي الأول، وبنك "أتش أس بي سي". أما القائم على الإصدار، فهي شركة مساهمة مملوكة بالكامل لوزارة المالية، بهدف وحيد هو إصدار صكوك سيادية.
ويقدر صندوق النقد الدولي فجوة التمويل الخارجي في مصر بنحو 17 مليار دولار. ويتوقع أن يساعد برنامجه في استدانة نحو 14 مليار دولار إضافية من الشركاء الدوليين والإقليميين. وتبلغ ديون مصر نحو 39 مليار دولار بالدولار واليورو، منها 1.75 مليار دولار كانت مستحقة عام ٢٠٢٢، و3.3 مليار دولار عام ٢٠٢٣، بحسب بيانات نشرتها "بلومبرغ".
وكانت وكالة موديز قد خفضت تصنيف مصر، في فبراير الجاري، إلى درجة B3 لبرنامج الصكوك المصري المقترح بقيمة 5 مليارات دولار، والذي سيتم استخدامه لتمويل مشاريع الاستثمار والتنمية. وأوضح أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في القاهرة، كمال سليم، لموقع "الحرة" أن تخفيض التصنيف الائتماني السيادي لمصر يضعها في المنطقة غير المرغوب فيها وينعكس على قدرة الحكومة المصرية على الاستدانة عبر إصداراتها من أدوات الدين، مثل بيع السندات والأذون، التي تعتمد عليها البلاد بشكل واسع منذ عام 2016 لتلبية احتياجاتها من العملة الصعبة.
وبشأن جدوى الصكوك الإسلامية في حل أزمة ديون مصر، قال الخبير الاقتصادي، علاء عبدالحليم، لموقع "الحرة" إن "الحكومة المصرية في أزمة كبيرة بسبب التزامات سداد الديون التي ستتجاوز ٢٤ مليار دولار مستحقة في عام ٢٠٢٣، لذلك تحاول الحكومة بشتى السبل أن توفي بالتزاماتها، خاصة أنه على مدار التاريخ كانت تتميز مصر بسمعة جيدة في عدم التخلف عن سداد الديون، وإما كانت تطلب تأجيلها في وقت لاحق وهذا لا يعتبر تخلفا عن السداد".
وأوضح عبدالحليم أن الصكوك الإسلامية تعتبر أحد الأساليب الجديدة لتوفير مصادر تساعد مصر على الوفاء بديونها، لكنه أشار إلى أنه في الحقيقة تزيد هذه الصكوك من تكلفة الديون بنسبة كبيرة ربما تصل إلى ترليون جنيه مصري، خاصة أنها بفائدة مرتفعة تصل إلى ١٠ و١١ في المئة.
وقال عبدالحليم إن قيمة هذه الديون تعتبر سابقة خطيرة في مصر وستؤثر بشدة على الموازنة العامة وجميع القطاعات الحيوية في مصر، مثل التعليم والصحة.
وتساءل الخبير الاقتصادي عما إذا كانت الحكومة قد أخذت موافقة البرلمان على مثل هذه الخطط بشأن الديون وفقا للمادة ٢٨ من الدستور. ونفى أن تكون لدى الحكومة أي خطة سواء حالية أو مستقبلية للحد من الديون أو كيفية التعامل معها.
وقال إن "الحكومة على مدار السنوات السابقة كانت تعتمد على خطة معينة وهي أنه مع ارتفاع نسب النمو، يزيد حجم الناتج القومي، وبالتالي كانوا يعيدون صياغة نسبة الديون إلى نسبة الناتج القومي، وتكون النتيجة ما بين ٨٠ إلى ٩٠ في المئة، وهو ما يعتبر في النطاق الآمن. لكن حاليا مع نسب الفائدة المرتفعة، اعتقد أن تكلفة الديون ستكون مرتفعة بشدة".
وطالب عبدالحليم الحكومة بمزيد من الصراحة والشفافية في إعلام الشعب بمدى خطورة الوضع الحالي. واستشهد الخبير الاقتصادي بتصريح سابق لوزير المالية تحدث فيه عن هروب الأموال الساخنة من مصر، ما تسبب في لجوء مصر إلى الاستدانة، بدون إعطاء أي معلومات عن كيفية هروب هذه الأموال وأسبابها أو حتى أهمية الاستدانة في الوقت الحالي وأوجه إنفاق هذه الديون.
حديث عبد الحليم بشأن جدوى الصكوك الإسلامية في الفترة الحالية بالنسبة لمصر اتفق معه المحلل بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط ومقره واشنطن، تيموثي قلدس، وقال إن الحكومة أصبحت في أزمة حقيقية جراء خضوعها لشروط صندوق النقد الدولي، الذي بنى آليات لا تترك لمصر خيارًا سوى الإذعان.
وأضاف أن مصر ليس أمامها حاليا خيارات كثيرة سوى مزيد من الاقتراض للخروج السريع من الأزمة. لكنه تساءل عما إذا كان الاقتراض هدفه الوحيد شراء مزيد من الوقت أم أن الحكومة لديها خطة واضحة لأوجه الإنفاق والاستغلال الفعال لهذه الأموال أم ستضيعها على مشاريع ترفيهية ليست لها قيمة اقتصادية تخدم فقط النخبة التابعة للنظام كما حدث على مدار السنوات السابقة.
بدائل الصكوك الإسلامية
وبشأن الخطط الأخرى التي اتبعتها الحكومة لحل أزمة الديون ومدى فاعليتها، قال أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية في القاهرة، كمال سليم، لموقع "الحرة" إنه "بحسب اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، يتعين على الدولة أن تدبر جزءاً من الديون المستحقة عليها حتى العام 2026 (مدة الاتفاق مع الصندوق ثلاث سنوات) عبر طرح الشركات المملوكة لها وللقوات المسلحة للبيع إلى مستثمرين مقابل الدولار، بالتعاون مع (الشركاء) في دول الخليج".
وأضاف "ومن هذا المنطلق، أعلن مجلس الوزراء، فبراير الجاري، قائمة تضم 32 شركة حكومية تمهيداً لطرحها لمستثمرين إستراتيجيين (بيع مباشر) وعبر التداول في البورصة على مدار عام، على أن تبدأ عمليات الطرح خلال الربع الأول من العام الحالي حتى الربع الأول من العام المقبل، وشملت القائمة 18 قطاعاً ونشاطاً اقتصادياً".
لكن وفقا لأستاذ الاقتصاد، "فلا يزال من غير الواضح ما هي الشركات التي ستطرح في البورصة، وأيها سيطرح مباشرة لمستثمرين إستراتيجيين".
وأوضح أن "مصر سعت خلال السنوات الماضية إلى بيع حصص في شركات مملوكة للدولة ضمن برنامج الطروحات، لكنها قابلت عراقيل عدة من بينها موجة البيع من قبل المستثمرين الدوليين في الأسواق الناشئة خلال عامي 2018 و2019، ثم جائحة كورونا خلال عامي 2020 و2021".
وأكد سليم على فاعلية طرح الشركات المصرية في البورصة، موضحا أنها سيكون لها تأثيرات إيجابية كبيرة وستسهم في زيادة استثمارات المصريين والعرب والأجانب في الشركات المصرية المطروحة. وأوضح أن هذا الأمر سيقوم بدوره برواج كبير للشركات المصرية، فضلا عن زيادة التدفقات المالية في السوق المصري محليا كان أم عالميا من الخارج، مشيرا إلى أن ذلك سيحسن من هذه الشركات وزيادة الاستثمارات بشكل عام.
