تأخذ العلاقة بين إيران والنظام السوري منحىً جديدا، في الجزئية التي تتوجس منها إسرائيل، المتعلقة بعمليات التمركز وتهريب الأسلحة والذخائر عبر البر والبحر والجو، فيما تشير تقارير حديثة نشرتها وسائل إعلام في طهران عن مساعٍ لتطوير هذا "المسار الخفي" ليصبح علنيا، من خلال "قرب عملية تسليم منظومة دفاع جوي من نوع خرداد 15".
ورغم أن آلية "التسليم" وتفاصيلها لم يعلن عنها بشكل رسمي من جانب المسؤولين في طهران، إلا أن "التلفزيون الرسمي" ووكالة إيرانية شبه رسمية (تسنيم) تحدثت، خلال الأيام الماضية، أن هذه الخطوة "ستتخذ بالفعل"، وستستهدف بالتحديد "ملاحقة سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا".
على مدى سنوات طويلة لم تتوقف الطائرات الإسرائيلية عن ضرب أهداف في سوريا، دون تأكيد إسرائيلي رسمي، وبينما صبّت جميع الضربات في إطار "الحرب بين الحروب"، لمنع تدفق الأسلحة وتمكين "الحرس الثوري" من نقل معدات متطورة، جاء القصف الأخير على مبنى في حي كفرسوسة في العاصمة دمشق ليوسع دائرة الاستهداف قليلا، ويغيّر جزءا من المعادلة.
وخلّف القصف، بحسب وسائل إعلام سورية رسمية، قتلى بينهم عسكريين، بينما نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر لم تسمها أن الضربة استهدفت منزلا كان يجتمع فيه مسؤولون إيرانيون وخبراء فنيون في مجال تصنيع الطائرات المسيرة.
وكان لافتا أنه، في أعقاب هذا الحادث، أن يجري قائد القوى الجوية في جيش النظام السوري، اللواء صلاح الدين كاسر الغانم، زيارة إلى طهران، كانت الثانية في نوعها في أقل من شهر لمسؤول عسكري سوري، إذ سبقه إلى هناك وزير الدفاع، علي محمود عباس.
وأشارت معظم التصريحات في كلا الزيارتين، سواء الإيرانية أو السورية، إلى نية الجانبين "إعادة بناء الجيش السوري وتعزيز دفاعاته الجوية"، في وقت تحدثت وسائل إعلام الأسبوع الماضي عن أن وصول كاسر الغانم كان بهدف وضع اللمسات الأخيرة لاستلام "خرداد 15".
هل إيران جادة بالفعل؟
ومنذ عام 2019 -تاريخ الكشف عنها- تتباهى إيران بـ"خرداد 15" على أنها منظومة دفاع جوي قادرة على استهداف الطائرات الحربية والطائرات المسيّرة "وغيرها من التهديدات"، في ادعاءات سبق أن دحضتها تقارير غربية، من منطلق أن القطع الخاصة بها "مستنسخة عن دول أخرى"، كما هو الحال بالنسبة لمقاتلة "كوثر" سيئة السمعة.
وكان وزير الدفاع الإيراني، أمير حاتمي، قد قال خلال حفل تدشينها إن نظام خرداد "قادر على اكتشاف الطائرات المقاتلة والمسيرة على بعد 150 كيلومترا، وتعقبها في حدود 120 كيلومترا"، مضيفا: "يمكن للنظام أيضا اكتشاف أهداف خلسة على مسافة 85 كيلومترا وتدميرها في نطاق 45 كيلومترا".
وادعى حاتمي أن صواريخ "صياد- 3" التابعة للمنظومة قادرة على اكتشاف واعتراض وتدمير ستة أهداف في وقت واحد، ويمكنها التعامل مع تلك الأهداف في أقل من خمس دقائق.
لكن، وحسب تقرير سابق لـ"ناشيونال انترست"، في فبراير 2020 "هذا ليس صحيحا تماما"، بالنظر "لسجل إيران الحافل بنسخ أسلحة دول أخرى"، بما في ذلك مقاتلة كوثر، التي تشبه بشكل ملحوظ طائرة F-5 الأميركية، التي تم تزويد القوات الجوية للشاه بها قبل الإطاحة به في عام 1978.
وعلى اعتبار أن تدخل إيران عسكريا في سوريا لمساندة النظام السوري يعود إلى الأعوام الأولى لانطلاقة الثورة السورية، إلا أن هذا الدعم كان مقتصرا خلال السنوات الماضية على ميليشيات توزعت في مختلف أنحاء البلاد.
ولم يسجّل منذ عام 2012 استخدام النظام السوري لأي أسلحة إيرانية متطورة، بما فيها "خرداد 15"، التي يرى باحثون في الشأنين الإيراني والإسرائيلي أنها ستغيّر "جزءا من المعادلة"، في حال صحّت "نوايا التسليم".
ويعتمد جيش النظام السوري بشكل عام على منظومتي "أس 200" و"بانتسير" الروسيتين، وأنظمة أخرى ثبت عدم كفاءتها، عندما كانت إسرائيل تشن هجمات جوية وصاروخية.
وبينما استلم منظومة الدفاع الجوي الروسية "أس – 300" قبل خمس سنوات، إلا أن موسكو أقدمت على سحبها قبل قرابة العام، بحسب ما كشفت تقارير إسرائيلية، وبسبب التداعيات التي فرضت عليها في حربها ضد أوكرانيا.
وتحدث الباحث في الشؤون الإيرانية، محمود البازي، عن "أسباب متعددة تدفع طهران لتحويل منظومة خرداد 15 إلى الحكومة السورية"، أولها أن "إسرائيل باستهدافها المطارات المدنية السورية تجاوزت كل الخطوط الحمراء في قواعد الاشتباك الإيرانية-الإسرائيلية"، وفق تعبيره.
ويضيف البازي لموقع "الحرة" أن "استهداف المطارات يعيق عملية نقل الأسلحة إلى سوريا، بينما أثار الاستهداف الأخير في كفرسوسة مخاوف إيرانية من استهداف القيادات الإيرانية العليا العاملة هناك".
ويبدو أنّ الروس يتحفظون على استخدام السوريين لمنظومة الدفاع الجوي "أس – 300" ضد الطائرات الإسرائيلية، ولذلك يأتي تسليم المنظومة الإيرانية كـ"بديل مؤقت".
كما تعوّل طهران ودمشق، حسب البازي "على خلاف قد يظهر إلى العلن في القريب العاجل بين روسيا وإسرائيل، إثر حديث عن زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى أوكرانيا، مما يزيد الفرص من استهداف الطائرات الإسرائيلية التي تهاجم دمشق في المستقبل".
بدوره يرى المحلل الإسرائيلي، يوآف شتيرين، أن عملية "نقل الأسلحة إلى سوريا من جانب إيران مستمرة، وربما تتطور الآن إلى منظومة الدفاع الجوي التي يجري الحديث عنها".
ويعتقد شتيرن أن "نقل الأسلحة المتقدمة من إيران إلى سوريا مرفوض في إسرائيل، وأي مخزون من هذا النوع أو أنواع أخرى يمكن استهدافه، لأن الجيش الإسرائيلي لا يقبل أن يكون هناك معدات عسكرية تهدد حرية نشاطه العسكري في الأجواء السورية".
ويقول لموقع "الحرة": "لهذا السبب مثل هذه المنظومة (خرداد 15) وفي حال تم نقلها واستعمالها بشكل فوري سيدفع الجانب الإسرائيلي للتعامل معها مباشرة".
"إنعاش الاتفاقيات"
وتقول إيران، منذ سنوات، إن وجودها العسكري في سوريا يقتصر على المستشارين، وتنفي الاتهامات التي تشير إلى غير ذلك.
لكن إسرائيل وفي المقابل تؤكد أن "الحرس الثوري" الإيراني يواصل عمليات نقل الأسلحة والذخائر والصواريخ الدقيقة، سواء إلى ميليشياته في سوريا، أو باتجاه "حزب الله" في لبنان، ولذلك فإنها ستواصل حملتها "بين الحروب".
ومن دمشق، لطالما تماهت الرواية الرسمية للنظام السوري مع الحليف (الجانب الإيراني)، إذ أنه ومع كل ضربة تنشر خارجية الأخير بيانا تدين فيه الاستهدافات، بينما تتوعد "بالرد في الوقت والزمان المناسبين".
وإلى جانب الزج بميليشياتها على الأرض كانت إيران قد وقعت في شهر يوليو 2020 مع النظام السوري "اتفاقية لتعزيز التعاون العسكري تتضمن تطوير أنظمة الدفاع الجوية السورية".
وكانت هذه الاتفاقية هي الثانية من نوعها، منذ عام 2011، إذ سبقتها واحدة في 2018 لـ"تعزيز البنى التحتية الدفاعية في سوريا".
وعادت لتستأنف الحديث عن هاتين الاتفاقيتين منذ مطلع العام الحالي، إذ قال رئيس هيئة الأركان الإيرانية، اللواء محمد باقري، لوزير دفاع النظام السوري، محمود عباس، في أثناء زيارته الأخيرة إلى طهران في يناير الماضي، إن "الجيش السوري اليوم بحاجة إلى إعادة بناء"، وأن "القوات المسلحة الإيرانية جاهزة لميادين التدريب على أساس تجربة ثماني سنوات من الدفاع المقدس".
ويهدف تسليم منظومة "خرداد" للنظام السوري، بحسب وجهة نظر الباحث محمود البازي إلى منع الطائرات الإسرائيلية من دخول الأجواء السورية، بالإضافة إلى ذلك فإن المنظومة "فاعلة حتى إذا قررت إسرائيل ضرب أهداف في سوريا من الأجواء اللبنانية أو من خلال صواريخ بالستية".
ومنذ تدخل إيران في سوريا كان هدفها تعزيز القواعد العسكرية الإيرانية هناك لتكون عامل ردع من استهداف الداخل الإيراني". ويقول البازي: "طهران تنظر إلى سوريا كعمق استراتيجي لها، ولذلك ولتعدد الضربات الإسرائيلية أصبح من المهم تزويد سوريا بمنظومة دفاع جوي قادرة على ردع إسرائيل".
واعتبرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، في تقرير لها، السبت، أن "تداعيات مزاعم إيران واضحة، فهي تريد أن تُظهر قدرتها على تزويد سوريا بنظام يمكن أن يغير قواعد اللعبة".
وذلك لأن أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية "يمكن أن توفر غطاء لأنواع أخرى من التمركز الإيراني في البلاد"، بعدما كان يندرج خلال السنوات الماضية ضمن سياق عمليات التهريب.
ومع ذلك لم تستبعد الصحيفة أن تكون "المزاعم الإيرانية عبارة عن وهم"، أو من أجل "عملية التقييم والاختبار".
من جهته يشير المحلل السياسي الإسرائيلي شتيرن إلى أن الإعلان عن نية تسليم المنظومة محاولة لا ترتبط بسوريا على التحديد، بقدر ما تتعلق بمسارات أوسع من ذلك على مستوى الإقليم والعالم.
ويوضح المحلل: "منذ أكثر من عام تحاول إيران أن تلعب دورا ليس فقط إقليميا ومحليا وإنما دوليا، خصوصا بانضمامها لمحور روسيا وتدخلها العسكري فيما يخص أوكرانيا ودعم موسكو بطائرات مسيرة".
ويقول شتيرن: "هي تحاول أن تلعب دورا أكبر من قوى إقليمية، وتحاول استغلال ما يحدث في العالم من مواجهة وعدم إمكانية التوصل إلى تفاهمات من الجانب الغربي".
"سوريا نقطة حساسة جدا والمصالح الغربية فيها ووجود إيران هناك سيؤثر على كل اللاعبين الإقليميين والدوليين. نقل المنظومة الدفاعية الجوية جزء من كل هذه المعادلة"، وفق ذات الباحث.
"معادلة ردع متعددة"
في غضون ذلك يربط الباحث البازي الحديث المتعلق بــ"خرداد" بما هو أبعد من سوريا أيضا، ويقول: "علينا أن نراقب بعناية المناورات الأميركية الإسرائيلية المشتركة المسماة Juniper Oak 23، والتي اختتمت في 27 يناير 2023، وهي أكبر مناورات مشتركة في تاريخ إسرائيل والولايات المتحدة".
ويبدو أن هذه المناورات تحاكي "حرب كلاسيكية مع إيران"، وكذلك يجب الإشارة إلى طلب إسرائيل من الولايات المتحدة تسليمها طائرات "أف 15 أي أكس" الأكثر تطورا، وهي قادرة على حمل قنابل بشكل أكبر من طائرات "أف 35"، وذلك لاستهداف المواقع النووية الإيرانية.
ويضيف البازي: "من المرجح أن تسليم هذه الطائرات سوف يتم في 2028، وعلى الطرف المقابل هناك حديث عن محاولة طهران شراء طائرات روسية من طراز سوخوي 35، وهي قد بنت لهذه الطائرات مخبأ تحت الأرض يسمى عقاب 44 كشفت عنه قبل أيام".
ولذلك يعتبر الباحث أن "إيران بتسليحها لسوريا ونقلها لطائرات مسيرة إلى حزب الله تحاول خلق معادلة ردع متعددة الأطراف (سوريا-لبنان-فلسطين) لمنع أي عمليات مستقبلية تستهدف أراضيها بشكل مباشر".
ويشير إلى أنه "من الناحية الزمنية فإن الإيرانيين يبنون معادلة الردع المتعددة على المدى المتوسط، ولذلك فمن الممكن أن نشهد هجمات إسرائيلية جديدة على سوريا ولكن الهدف الأصلي من خرداد وغيرها من الأسلحة هو ترسيم معادلات اشتباك جديدة، وتظهر أهميتها كذلك على المدى المتوسط وبصورة واضحة في حال تم استهداف الأراضي الإيرانية".