مركبة فضاء من طراز سويوز في طريقها لمحطة الفضاء الدولية في سبتمبر 2022
مركبة فضاء من طراز سويوز في طريقها لمحطة الفضاء الدولية في سبتمبر 2022

كشفت وثائق مسربة عن قلق الولايات المتحدة بشأن التهديدات الصينية والروسية لسيطرة أميركا في مجال الفضاء، وفقا لتقرير لصحيفة "واشنطن بوست".

ومن المرجح جدا أن "يتضاءل برنامج الفضاء الروسي المضطرب خلال العقد المقبل"، حيث يواجه منافسة عالمية متزايدة، وعقوبات أميركية، وصعود شركة سبيس إكس، التي التهمت جزءا كبيرا من عائدات روسيا، وفقا لوثيقة استخباراتية عالية السرية حصلت عليها الصحيفة.

في الوقت نفسه، طورت الصين قدرات كبيرة "لتعريض الأصول الفضائية الأميركية والحلفاء للخطر"، وستنشرها في أي صراع مع تايوان، وفقا لوثيقة مسربة أخرى.

والسباق إلى التسلح في الفضاء ليس بجديد، فاعتبارا من 1985 استخدمت وزارة الدفاع الأميركية صاروخا لتدمير قمر اصطناعي خلال تجربة، وفقا لـ"فرانس برس".

ومنذ ذلك الحين يظهر منافسو الولايات المتحدة أنهم يملكون القدرات نفسها فقد أقدمت الصين على ذلك في 2007 والهند في 2019.

في نهاية العام 2021 دمرت روسيا أحد أقمارها الاصطناعية بواسطة صاروخ أطلقته من الأرض، واعتبر ذلك عرض قوة رأى فيه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ينس ستولتنبرغ، "سلوكا غير مسؤول".

الصين تتقدم

تقول إحدى الوثائق المسربة إن "الاستراتيجية العسكرية الصينية الشاملة لتأسيس الهيمنة المعلوماتية والحفاظ عليها في الصراع تدفع بكين لتطوير قدراتها الفضائية".

وكجزء من ضربة عسكرية لتايوان، من المحتمل أن تقوم الصين بتشويش أقمار الاتصالات والاستخبارات التي يمكنها الرؤية من خلال السحب، و "تحطيم أو تدمير الشبكات الأرضية الفضائية" و "تدمير أقمار الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية"، كما جاء في الوثيقة.

روسيا تتراجع

بينما يتقدم برنامج الفضاء الصيني بشكل مطرد، تقلص البرنامج الروسي، وفقا للوثائق الاستخباراتية المسربة.

إلى جانب المنافسة العالمية، تقول إحدى الوثائق: "من المحتمل جدا أيضا أن تكون الشراكات الغربية المقطوعة وتعطل سلاسل التوريد قد أعاق قدرات برنامج الفضاء الروسي، والذي كان في تراجع منذ عام 2020 على الأقل".

ودون ذكر "سبيس إكس" بالاسم أشارت الوثيقة إلى أنه في عام 2020، "تم اعتماد شركة تجارية أميركية لنقل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية، وذلك بعدما دفعت الولايات المتحدة 75 إلى 85 مليون دولار لكل مقعد على مركبة فضائية روسية".

وأشارت الوثيقة إلى أن "العملاء الأجانب ألغوا عمليات الإطلاق المخطط لها على الصواريخ الروسية وغيرها من الأنشطة ذات الصلة بالفضاء"، مما أزال مصدر دخل رئيسيا.

ولم تتمكن روسيا بسهولة من الحصول على مكونات فضائية بسبب العقوبات الغربية، مما أدى إلى تأخير إنتاج "الأقمار الاصطناعية العسكرية والمدنية"، وفقا للوثيقة.

وقالت الوثيقة إن موسكو قبل 2014 خفضت أولويات الإنتاج المحلي لمكونات الفضاء لأن التكنولوجيا الغربية المتفوقة كانت متاحة بسهولة".

والآن، تسعى موسكو إلى زيادة المساعدة المادية من الصين للحفاظ على صناعتها الفضائية، كما جاء في الوثيقة.

وتؤكد الوثيقة أن "الشركات الروسية حاولت إنشاء مكونات محلية فضائية لأقمار صناعية مختارة، لكن الجودة المنخفضة للمكونات أدت إلى حدوث أعطال في المدار"، دون تحديد أوجه القصور.

وهذا العام، واجهت روسيا مشاكل خطيرة مع اثنتين من مركباتها الفضائية.

واضطرت شركة "روسكوزموس" إلى إرسال مركبة فضائية بديلة من طراز سويوز إلى محطة الفضاء الدولية بعد أن تعرضت مركبة أخرى لثقب في أحد خطوط المبرد الخارجية الخاصة بها مما أدى إلى حدوث تسرب. 

ثم تعرضت مركبة فضائية أخرى، تستخدم للشحن فقط، لتسرب مماثل، ولم يتضح ما إذا كانت قد أصابتها نيازك دقيقة أو بها عيوب في التصنيع.

وتظهر الوثائق مجتمعة الأهمية المتزايدة للفضاء في الحرب الحديثة، والتي أبرزها الصراع في أوكرانيا، وتؤكد على أنواع التهديدات التي يحذر منها المحللون العسكريون منذ سنوات.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.