طفل يعمل في مصنع للطوب - صورة تعبيرية. أرشيف
طفل يعمل في مصنع للطوب - صورة تعبيرية. أرشيف

تتفاقم ظواهر العبودية في العالم، والتي تشمل العمالة القسرية والاستغلال الجنسي للأطفال وتزويج القصر، في دول عربية وأجنبية، وفقا لتقرير"مؤشر الرق العالمي" للعام 2023، وهو أمر يطرح تساؤلات عن كيفية الحد منها ومكافحتها.

ويجمع خبراء حقوقيون على أن النزاعات المسلحة والأوضاع المعيشية الصعبة يساهمان بانتشار هذه الظواهر، بالإضافة إلى أن القوانين التي تشرعها الدول والحكومات غير كافية لمعالجتها، وهناك حاجة لتحرك مجتمعي وبرامج تنموية موازية.

وكشف التقرير الذي نشر، الأربعاء، عن "تدهور" الوضع على الصعيد الدولي منذ آخر دراسة أجريت قبل خمس سنوات.

نحو 28 مليون شخص يعانون من العمالة القسرية - صورة تعبيرية. أرشيف
بينها السعودية والإمارات.. دول خليجية وعربية في صدارة "مؤشر الرق العالمي"
كشف أحدث تقرير لـ"مؤشر الرق العالمي" للعام 2023، الأربعاء، أن كوريا الشمالية وإريتريا وموريتانيا تسجل أعلى مستويات للعبودية في العالم، لافتا إلى "تدهور" الوضع على الصعيد الدولي منذ آخر دراسة أجريت قبل خمس سنوات.

عوامل متعددة

ويرى المحامي والناشط الحقوقي، عبد الرحمن صالح، أنه من حيث النصوص القانونية الموجودة، فإن التشريعات العربية منسجمة تماما مع الاتفاقيات الدولية، وخصوصا تلك المتعلقة بمكافحة الاتجار بالبشر وبتهريب البشر، والاتفاقية الدولية المتعلقة بمنع استغلال الأطفال، واتفاقية العمالة المنزلية، بالإضافة إلى اتفاقيات أخرى.

ويقول صالح في حديثه لموقع "الحرة" إنه "على أرض الواقع، ورغم أن التشريعات تقدم أحكام ردعية قاسية، إلا أن اتساع هذه الظواهر يشير إلى أن هناك عوامل أخرى تساهم في ذلك".

وأضاف أن "أهم هذه العوامل غياب الوعي الاجتماعي، فالعادات والتقاليد لا تنظر إلى عمالة الأطفال كجريمة، بل تعتقد أن ذلك من باب الرجولة، وأن الطفل يتم تحميله المسؤولية، خصوصا إذا كان الأب غائبا، لإعاشة الأسرة".

وأكد أنه "من الضروري التفكير بوضع برامج إعاشة ودعم اجتماعي، لتعويض النقص لدى العوائل في حال غياب المعيل".

العبودية الحديثة

وذكر التقرير الذي جمعت بياناته منظمة "ووك فري" لحقوق الإنسان أن الوضع يتدهور "على وقع النزاعات المسلحة المتزايدة"، ويحدد العبودية الحديثة على أنها تشمل "العمالة القسرية والزواج القسري أو الاستعبادي وعبودية الدَين والاستغلال الجنسي التجاري القسري وتهريب البشر والممارسات الأشبه بالعبودية وبيع واستغلال الأطفال".

ويقوم المبدأ الأساسي للعبودية على "الإزالة المنهجية لحرية شخص ما"، من حق قبول أو رفض العمل وصولا إلى حرية تحديد الرغبة في الزواج ومتى وممّن.

وتشترك البلدان صاحبة أعلى مستويات من العبودية الحديثة بسمات أبرزها "محدودية الحماية الموفرة للحريات المدنية وحقوق الإنسان".

وتقع العديد من هذه الدول في مناطق "مضطربة" تشهد نزاعات أو عدم استقرار سياسي أو تضم عددا كبيرا من الأشخاص الذين يعدون "أكثر عرضة للخطر" مثل اللاجئين أو العمال الأجانب.

ويقول صالح إن "الهجرة غير الشرعية أوجدت مجالا خصبا لعصابات الاتجار بالبشر، حيث يقع المهاجرون فريسة لهم، ويتم استغلال النساء والأطفال بأعمال منافية".

وتابع أن "المسألة لا تقتصر فقط على الردع القانوني (...) ولا بد من تعزيز مجالات أخرى، من أجل توفير مستوى معيشي لائق للأسر الفقيرة والمعدومة، وتوفير فرص العمل وتحسين الوضع الاقتصادي للحد من الهجرة".

وفي حالة النزاعات المسلحة، الحاصلة في دول عدة الآن، يرى الناشط الحقوقي أنه "يجب الحرص بشكل كبير على وقاية المدنيين من الآثار والتبعات الخطيرة لهذه النزاعات، للحد من ظواهر النزوح والهجرة، والتي قد تعرض الفارين للاستغلال والعبودية".

وأفاد التقرير أن حوالى 50 مليون شخص "عاشوا أوضاعا تمثل عبودية حديثة" عام 2021، في زيادة عشرة ملايين شخص عن 2016، وهي آخر مرة تم فيها قياس المشكلة.

ويشمل الرقم نحو 28 مليون شخص يعانون من العمالة القسرية و22 مليونا من زواج قسري.

وتعتقد الناشطة الحقوقية، نهاد أبو القمصان، أنه مع زيادة الصراعات في العالم، وخاصة في المنطقة العربية، تنتشر الأزمات الاقتصادية، وهو ما يساهم بارتفاع نسب العبودية.

وقالت في حديثها لموقع "الحرة" إنه بسبب هذه الصراعات "ظهرت أشكال جديدة من العبودية، قد تدخلها الناس طوعا، تحت ضغط الاحتياجات المعيشية والعوز، ومنها العمل القسري والاتجار بالأطفال جنسيا، أو حتى الاتجار بالأعضاء البشرية، حتى لو كان دون اختطاف أي بإرادة الأشخاص".

وأوضحت أن "كلمة طوعي هنا تأتي بمعنى مغاير، أي أنها تترافق مع الجوع والأزمات الأخرى مثل فقدان الأمان وفقدان العائل، حيث تخلق النزاعات والصراعات ظروفا صعبة تجعل النازحين واللاجئين في حالة عوز شديدة بسبب فقدان بيوتهم وممتلكاتهم وأعمالهم".

مسؤولية مشتركة

وأشارت أبو القمصان إلى أنه لمعالجة هذه الظواهر "هناك مسؤولية مشتركة على مستوى المجتمع الدولي والأنظمة المحلية".

وأضافت أنه "على مستوى المجتمع الدولي، هناك حاجة لمراجعة قواعد التعامل مع اللاجئين والنازحين، وتحديدا فيما يتعلق بعمليات تسجيلهم وتقديم الإعانات لهم، لرفع حالة العوز الشديد عنهم، ومنعهم من الوقوع في براثن العبودية الحديثة".

وتنص اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، على أن "من حقوق اللاجئ حرية العقيدة والتنقل من مكان إلى آخر، والحق فى الحصول على التعليم، ووثائق السفر، وإتاحة الفرصة للعمل، كما أنها تشدد على أهمية الالتزام تجاه الحكومة المضيفة".

وتابعت قائلة إنه "على مستوى الحكومات الوطنية، يجب تعزيز برامج الدعم الاقتصادي والاجتماعي، بما يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة، مثل توفير خدمات الصحة والتعليم، وبالتالي فإن ذلك يساهم بالحد من مظاهر العبودية".

وأشارت إلى "وجود عبودية لها علاقة بالفقر والظروف الاجتماعية، وليس بالصراعات والنزاعات، وهناك دول مستقرة توجد بها ظواهر الاتجار بالأطفال واستغلالهم جنسيا أو في العمل القسري بأجور زهيدة ولفترات طويلة، ومسؤولية مكافحة ذلك تقع على الحكومات، وهناك غياب واسع للقوانين التي تعاقب على التسرب المدرسي".

وبينما يعد العمل القسري أكثر شيوعا في البلدان ذات الدخل المنخفض، إلا أنه مرتبط "بعمق" بالطلب من البلدان الأعلى دخلا، بحسب التقرير الذي أشار إلى أن ثلثي حالات العمالة القسرية بأكملها مرتبط بسلاسل الإمداد العالمية.

وذكر التقرير بأن بلدان مجموعة العشرين التي تضم الاتحاد الأوروبي إلى جانب أكبر 19 اقتصادا في العالم تستورد حاليا منتجات بقيمة 468 مليار دولار يُحتمل أنها تُنتج بالاعتماد على عمالة قسرية، مقارنة بمبلغ 354 مليار دولار الوارد في التقرير السابق.

وتبقى الأجهزة الإلكترونية المنتج الأكبر قيمة الذي يحمل هذا الخطر، تليها الملابس وزيت النخيل وألواح الطاقة الشمسية، في مؤشر على الطلب الكبير على منتجات الطاقة المتجددة.

وأفادت المديرة المؤسسة لمجموعة "ووك فري"، غريس فوريست، "تتغلغل العبودية الحديثة في كل جانب من جوانب مجتمعنا. إنها محاكة في ملابسنا وتشغّل أجهزتنا الإلكترونية وتضفي النكهة على طعامنا".

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.