عناصر من مجموعة "فاغنر"
عناصر من مجموعة "فاغنر"

جاء الاقتتال بين الدعم السريع والجيش السوداني، وتمرد مجموعة "فاغنر" الروسية، ليثير التساؤلات بشأن مدى تهديد "المليشيات المسلحة" لوجود الدول الوطنية، بينما يكشف خبراء لموقع "الحرة" عن أسباب وملابسات تشكيل تلك "القوات الموازية" وتداعيات استمرار عملها دون "إطار قانوني".

فاغنر "المتمردة" 

في تحرك مباغت، استولت قوات "فاغنر" بقيادة يفغيني بريغوجين، لمدة 24 ساعة على العديد من المواقع العسكرية في مدينة روستوف الاستراتيجية (جنوب غرب) واجتازت 600 كلم باتجاه موسكو، دون أن تلقى مقاومة تذكر، وفقا لوكالة "فرانس برس".

وبعد إنهاء "تمردهم المسلح القصير"، أوقف مقاتلو "فاغنر" تقدمهم السريع نحو العاصمة الروسية، وانسحبوا من مدينة روستوف بجنوب روسيا، وعادوا إلى قواعدهم في وقت متأخر، السبت، بموجب اتفاق يضمن سلامتهم.

وحسب الاتفاق الذي توسط فيه الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، سينتقل بريغوجين، إلى بيلاروس، مقابل حصانة له ورجاله.

ويؤكد المحلل السياسي الروسي، أندرية مورتازين، أن روسيا كانت على بعد خطوة واحدة من "حرب أهلية"، قبل أن يحدث الاتفاق بوساطة لوكاشينكو.

وتعد "فاغنر" مليشيات خاصة خارجة عن القانون الروسي الذي يمنع تشكيل قوات مرتزقة، ومثلت "مشكلة كبيرة لروسيا" بعد تمردها، وخروجها عن "المهام المحددة" التي تشكلت لتنفيذها، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

ويقول المحلل السياسي الروسي" عندما تم تأسيس فاغنر كان الوضع مختلفا، فقد كان بريغوجين صديقا لبوتين، وكان الرئيس الروسي يصدقه، وسمح له بتشكيل جيشه الخاص".

وفي عام 2014، أسس بريغوجين مجموعة "فاغنر" بعد أن استولت روسيا على شبه جزيرة القرم الأوكرانية، وأعلنت ضمها من جانب واحد، وأثارت تمردا انفصاليا في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا.

ولسنوات نفذت المجموعة شبه العسكرية "مهمات سرية" للكرملين على مسارح عمليات مختلفة، وقبل بدء النزاع في أوكرانيا، تم رصد مرتزقة فاغنر في سوريا وليبيا وفي بلدان أفريقية وفي أميركا اللاتينية.

وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، في 24 فبراير عام 2022، أرسل بريغوجين مقاتليه إلى أرض المعركة، حيث تضخمت المجموعة، عبر تجنيد سجناء.

وبلغ عدد مقاتلي فاغنر حوالي 50 ألف مقاتل، وفقا لتقديرات أجهزة مخابرات غربية، بما في ذلك عشرات الآلاف من السجناء السابقين الذين تم تجنيدهم من السجون في جميع أنحاء روسيا، غالبا بواسطة بريغوجين شخصيا.

ويوضح أندرية مورتازين أن "بريغوجين كان يربح من الخدمات التي يقدمها للكرملين، فقد كان يسطر على مناجم ذهب في السودان، ودول أفريقية أخرى".

ويشير مورتازين إلى أن قائد "فاغنر" ربح الكثير من الأموال التي كان يدفع منها رواتب مقاتليه ويشتري السلاح من الجيش الروسي، لكن عندما طلب منه الانضمام هو وجنوده للجيش النظامي "رفض وتمرد".

"جيش مواز"

يوضح الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، اللواء ركن أمين مجذوب، أن "المليشيات الخاصة" قوات موازية للجيوش الرسمية لأداء مهام معينة في زمن ومكان محدد.

وتلجأ بعض الأنظمة الشمولية لتشكيل المليشيات المسلحة لمواجهة اضطرابات في مناطق معينة، أو ترسيخ حكمها، نتيجة لعدم ثقتها في الجيوش النظامية، وفقا لحديثه لموقع "الحرة". 

ويشير الخبير العسكري إلى أن "الأنظمة الديكتاتورية" تميل لحماية نفسها، ولا يوجد لديها ثقة في الجيوش الرسمية فتلجأ لاستخدام المليشيات المسلحة بهدف الحفاظ على "النظام أكثر من الدولة".

لكن تلك المليشيات تخرج عن السيطرة عندما تنعدم القدرة على "إنهاء المهام الخاصة بها"، وهو ما حدث في لبنان والعراق وفي السودان مؤخرا.

وفي عام 2003، استخدم الرئيس السوداني المعزول، عمر البشير، ميليشيات "الجنجويد" لدعم قواته بمواجهة أقليات عرقية في إقليم دارفور غرب السودان.

وعاني الإقليم منذ بداية الألفية الثالثة، وعلى مدى عقدين، من نزاع أودى بـ300 ألف شخص وهجّر أكثر من 2.5 مليون، وفق الأمم المتحدة.

واتُهم عناصر "الجنجويد" بتنفيذ انتهاكات ضد الأقليات غير العربية، وصفت بجرائم حرب، ووجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وإبادة في دارفور إلى البشير، حسب "فرانس برس".

ومن رحم مليشيات "الجنجويد" انبثقت قوات الدعم التي أنشئت رسميا في 2013، بقيادة، محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي".

من لبنان إلى العراق

يرجع الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد ناجي ملاعب، ظهور المليشيات المسلحة لـ"ضعف الدولة" أو وجود "عدو على حدود البلاد".

وعندما تكون الدولة "ضعيفة" تتشكل تلك المليشيات وتكون في البداية على شكل "أمن خاص" قبل أن تتحول لقوة عسكرية بإدارة ذاتية، وتمتلك من العتاد والسلاح ما يجعلها "تتغول" لتصبح دولة داخل الدولة، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

وفي حالات أخرى تظهر تلك المليشيات نتيجة لوجود "عدو على الحدود"، أو لمواجهة "اجتياح" للبلاد، وهو ما حدث في لبنان عندما تشكلت مليشيا حزب الله عام 1982.

واجتاحت إسرائيل لبنان، وحاصرت بيروت في يونيو 1982، وواصلت القوات الإسرائيلية احتلال جنوب البلاد حتى عام 2000.

وحاليا يعد حزب الله لاعبا رئيسيا على الساحة السياسية في لبنان، ويمتلك ترسانة أسلحة ضخمة تتضمن صواريخ دقيقة طالما حذرت إسرائيل منها.

ويوضح الخبير الاستراتيجي أن حزب الله تحول إلى "مليشيا دائمة في لبنان"، ويستطيع بوجوده المسلح "عرقلة أي شيء بالدولة اللبنانية"، وهو ما تعاني منه البلاد حتى يومنا هذا.

وفي حديثه يشير الخبير الاستراتيجي لمليشيا مسلحة أخرى، هذه المرة في العراق، وهي "الحشد الشعبي" التي تم تأسيسها في يونيو 2014.

ويضم العراق أكثر من 150 ألف مقاتل من الحشد الشعبي، وهي فصائل مسلحة موالية لإيران أدمجت بالقوات الأمنية الحكومية.

وفي البداية تم إنشاء الحشد الشعبي لمقاومة "داعش" بعد سيطرته على أجزاء واسعة من العراق وسوريا، قبل أن تتحول لقوى ضاربة لديها نفوذ داخل الحكومة والبرلمان، حسبما يوضح ملاعب.

تهديد لوجود الدولة؟

حسب ناجي ملاعب فإن "المليشيات المسلحة" تشكل تهديدا وجوديا لـ"الدولة الوطنية". ويقول "عندما تكون السلطة ضعيفة، تزداد قوة تلك المليشيات وتتغول داخل البلاد وخارجها، والعكس صحيح".

وتحدد قوة الدولة وجيشها "مدى استمرار" تلك المليشيات في الوجود من عدمه، وفق الخبير الاستراتيجي.

ويتفق معه  مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي حسين، الذي يؤكد أن المليشيات والتنظيمات المسلحة الموازية للجيوش، تمارس مهام قتالية واستخبارية ولديها قدرات عسكرية "تهدد وجود الدولة".

ويحدث ذلك نتيجة انتشار السلاح المنفلت وامتلاك تلك المليشيات "قدرات عسكرية واقتصادية ودعم سياسي"، وفق الخبير الاستراتيجي العراقي.

وفي سياق متصل، يحذر أمين مجذوب من "تمدد المليشيات المسلحة نتيجة تلقيها الدعم المالي والعسكري من الخارج".

وإذا امتلكت تلك المليشيات "التسليح والقدرة المالية" يمكنها تهديد وجود "الدولة الوطنية"، مما يعني أن سيناريو السودان أو روسيا مرشح للحدوث في أي دولة لديها "جيوش موازية"، وفق الخبير العسكري السوداني.

ومن جانبه، يقول مورتازين "لا يمكن أن يكون هناك جيش خاص في الدولة، ويجب أن تتبع أي قوات لها طابع عسكري ومسلحة، رئيس الجمهورية أو وزير الدفاع".

ويوضح أن الجيوش النظامية هي "عماد الدولة"، ولذلك يجب إضفاء "شرعية قانونية" على أي قوات مسلحة، خاصة بحيث تكون تحت لواءً رسمي، بما يضمن نيل تلك القوات "حقوقها" وتنفيذها "التزاماتها"، وفق المحلل السياسي الروسي.

وبعد فشل تمرد فاغنر، فهناك "حاجة ملحة" لدمج تلك القوات في الجيش النظامي الروسي وإضفاء "صفة قانونية" على عملها، حسب المحلل السياسي الروسي.

القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)
القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)

سلط تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على التغير المفاجئ في موقف المرشد الإيراني علي خامنئي من إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، والتي من المقرر أن تنطلق السبت في سلطنة عمان.

ووفقا لمسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، فقد ضغط كبار المسؤولين الإيرانيين على خامنئي من أجل السماح بالتفاوض مع واشنطن بحجة أن خطر اندلاع الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد قد يؤديان إلى إسقاط النظام.

وقال هؤلاء المسؤولون إن القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي للرد على دعوة الرئيس الأميركي لخامنئي للتفاوض بشأن البرنامج اللنووي الإيراني.

وحضر الاجتماع كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وفقا لما ذكره مسؤولان إيرانيان كبيران مطلعان على تفاصيل الاجتماع.

وبحسب الصحيفة فقد تضمنت الرسالة الواضحة والصريحة التي أبلغوها لخامنئي السماح لطهران بالتفاوض مع واشنطن، حتى ولو بشكل مباشر إن لزم الأمر، لأن البديل هو احتمال إسقاط حكم الجمهورية الإسلامية.

وحذر المسؤولون الإيرانيون من أن خطر اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل جدي للغاية، وأبلغوا خامنئي بأنه إذا رفضت إيران الدخول في محادثات أو فشلت المفاوضات، فإن الضربات العسكرية على اثنين من أهم المواقع النووية في إيران، وهما نطنز وفوردو، ستكون حتمية.

وقال المسؤولون لخامنئي إن إيران ستكون مضطرة عندها للرد، مما سيعرضها لخطر اندلاع حرب أوسع نطاقًا، وهو سيناريو من شأنه أن يُفاقم تدهور الاقتصاد ويؤجج الاضطرابات الداخلية، مشددين أن القتال على جبهتين، داخلية وخارجية، يُشكل تهديدا وجوديا للنظام.

وفي نهاية الاجتماع الذي استمر لساعات، تراجع خامنئي عن موقفه، ومنح الإذن بإجراء محادثات، تبدأ بشكل غير مباشر عبر وسيط، ثم مباشرة إذا سارت الأمور بشكل جيد، بحسب ما ذكره المسؤولان.

وكان ترامب أصدر إعلانا مفاجئا، الاثنين، قال فيه إن واشنطن وطهران تعتزمان بدء محادثات في سلطنة عمان، التي توسطت بين الغرب وطهران من قبل.

وخلال ولايته الأولى، قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم بين قوى عالمية وطهران. وأدى رجوعه إلى البيت الأبيض إلى إعادة اتباع نهج أكثر صرامة مع إيران التي ترى إسرائيل حليفة واشنطن أن برنامجها النووي يشكل تهديدا لوجودها.

وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات العسكرية التي شنتها إسرائيل في شتى أنحاء المنطقة، بما في ذلك داخل إيران، إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية وحلفائها.

وجاءت الهجمات الإسرائيلية بعد اندلاع حرب غزة عقب هجوم شنته حركة حماس، المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، على إسرائيل في أكتوبر 2023.

ومنذ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الاتفاق النووي المبرم في 2015، والتي دعمها سلفه باراك أوباما ووافقت إيران بموجبها على الحد من برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، عملت طهران على تخصيب مخزون من اليورانيوم يكفي لإنتاج رؤوس نووية بسرعة نسبيا.