السيسي وإردوغان خلال المصافحة التاريخية
السيسي وإردوغان خلال المصافحة التاريخية

يشكّل إعلان تركيا ومصر رفع العلاقات الدبلوماسية لمستوى "السفراء" خطوة متقدمة على طريق التقارب الذي بدأه البلدان منذ أكثر من عامين، ويعطي مؤشرا على "اختراق ما" حصل على صعيد الملفات الخلافية التي كانت تشكّل حجر عثرة، بعدما حاول الطرفان تبديدها أولا بـ"محادثات استكشافية"، وفق مراقبين.

وقالت الخارجية المصرية، في بيان الثلاثاء، إن القاهرة رشحت السفير عمرو الحمامي سفيرا لها في أنقرة، بينما رشحت تركيا السفير صالح موتلو شن سفيرا لها في القاهرة.

وأضاف البيان أن "الخطوة تهدف إلى تأسيس علاقات طبيعية بين البلدين من جديد، كما تعكس عزمهما المشترك على العمل نحو تعزيز علاقاتهما الثنائية لمصلحة الشعبين المصري والتركي".

من جهتها أفادت الخارجية التركية في بيان بالتزامن بأن "رفع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين جاء تماشيا مع قرار اتخذه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي".

وبالفعل كان إردوغان والسيسي قد مهدا إلى "التعيين المتبادل للسفراء"، أواخر مايو الماضي، خلال اتصال هاتفي قدم فيه الأخير التهاني للأول بعد فوزه بولاية رئاسية ثالثة.

كما مهدا إلى "انعطافة مرتقبة في العلاقة المجمدة" بعدما اجتمعا في العاصمة القطرية الدوحة، في نوفمبر العام الماضي، على هامش حفل افتتاح المونديال، وهو اللقاء الأول بين الزعيمين، منذ انقطاع العلاقة في 2013.

"آخر المحطات"

وعلى عكس ما طرأ على علاقة تركيا بالإمارات وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، واجه المسار الخاص بمصر خلال العامين الماضيين عقبات عدة جعلت الوقت يمر ببطء، لاعتبارات تعلقت بطبيعة الملفات الخلافية بين الجانبين.

وتصدرت هذه الملفات "قضية جماعة الإخوان المسلمين" الذي يتواجد أعضاؤها في تركيا، وتضارب المصالح الحاصل في الساحة الليبية، وفي منطقة شرق المتوسط.

لكن، ومنذ شهر مايو 2021 خاضت كل من أنقرة والقاهرة "محادثات استكشافية" وجرت على مرحلتين، كان آخرها في سبتمبر من العام ذاته. وبينما ناقش مسؤولو البلدين ما يعترض بلديهما من خلافات، بقي المسار ضمن إطار التصريح و"ضرورة تقديم خطوات فعلية".

بعد ذلك تطورت العلاقة لتصل إلى اللقاء على مستوى الخارجية، وصولا إلى الخطوة القطرية التي تكللت بـ"المصافحة التاريخية" في الدوحة بين إردوغان والسيسي.

وشكّلت هذه المصافحة "محطة" اختلف ما بعدها جذريا عما قبلها، سواء على مستوى التصريحات أو الخطوات التي من المقرر أن تصل في الأيام المقبلة إلى نقطة لقاء الرئيسين المصري والتركي بشكل رسمي ووجها لوجه، حسب وسائل إعلام تركية.

وبعدما طرحا فكرة "تعيين السفراء" في أعقاب تبادل التهاني بعد فوز إردوغان بالولاية الرئاسية الثالثة، كان السفير الحالي صالح متلو شين أعلن، في السابع عشر من يونيو الماضي، أن الأخير وجه دعوة للسيسي لزيارة تركيا.

ومن غير الواضح ما إذا كانت أنقرة والقاهرة قد تمكنتا من تبديد كافة العقبات الخاصة بالملفات الخلافية.

ومع ذلك، يعتقد مراقبون في حديث لهم لموقع "الحرة" أن الأمر قد يتم استكماله بشكل تدريجي وتباعا في المرحلة المقبلة، بالتزامن مع انفتاح الأبواب الموصدة بينهما شيئا فشيئا.

ويرى الباحث السياسي التركي، هشام جوناي، أن المحطة الحالية للعلاقة بين القاهرة وأنقرة بـ"تعيين السفراء" تأتي في إطار التغيّر الذي طرأ على السياسية التركية في الإقليم.

ويقول لموقع "الحرة" إنه "من الواضح أن الانفتاح مع مصر يأتي في سياق هذه السياسة التي تطبقها أنقرة مع مختلف دول المنطقة".

"تركيا تغيّر موقفها من الإخوان المسلمين خلال العامين الماضيين، وضغطت مؤخرا على إعلاميين معارضين للنظام المصري، في محاولة لإرضاء القاهرة"، وفق جوناي.

وعلى مدى ست سنوات، بثت العديد من القنوات الفضائية المصرية المعارضة بحرية من تركيا، لكن الأمور تغيرت خلال الفترة الماضية، إذ طلبت أنقرة منها تخفيف حدة الانتقادات للنظام في القاهرة، ورحل بعضها فعلا عن الأراضي التركية. 

ويضيف جوناي أن "تولي حقان فيدان منصب وزير الخارجية سيعطي نتائج إيجابية فيما يتعلق بمسار الانفتاح الذي بدأته أنقرة مع دول المنطقة".

ويوضح حديثه بأن الاستخبارات التي كان يرأسها فيدان سابقا كانت قد مهدت الطريق أمام عودة العلاقات.

ولذلك "من المتوقع أن يعمل وزير الخارجية المعين حديثا على تسريع عملية التقارب في الأيام المقبلة"، كونه على اطلاع بتفاصيل جميع الملفات ومحطاتها.

"قطعا نصف الطريق"

وفي مؤتمر صحفي له مع نظيره الأردني أيمن الصفدي قال فيدان من أنقرة، الثلاثاء، إن "تركيا ومصر دولتان مهمتان لا يمكن أن تنفصلا عن بعضهما البعض بسبب العلاقات التاريخية والجغرافية والثقافية والاستراتيجية والدينية بينهما".

وأضاف أن المحطة التي وصلت إليها العلاقة بين أنقرة والقاهرة "بدأت بإرادة رئيسي البلدين"، وأن البلدين "تركا ورائهما مرحلة كبيرة من التطبيع".

ويشير مدير تحرير جريدة "الأهرام" المصرية، أشرف العشري، أن "خطوة تعيين السفراء كانت متوقعة، منذ الاتصال الهاتفي الأخير بين إردوغان والسيسي".

واتفق الزعيمان على "ترفيع مستوى العلاقات بين البلدين". وجاء ذلك بعدما اتفاق كل من وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره السابق مولود جاويش أوغلو في شهر رمضان على الدفع بالعلاقات.

ويعتقد العشري في حديث لموقع "الحرة" أن "الخطوة الحالية تم الإعداد لها بشكل جيد بعد قطع نصف الطريق".

ومع ذلك "لا تزال هناك قضايا عالقة في ليبيا وشرق المتوسط وملف أعضاء الإخوان والإغلاق الكامل للمنصات الإعلامية".

ويضيف العشري أن "الملفات ورغم أنها عالقة، إلا أنها تخضع للحوار والنقاش غير المعلن بين البلدين".

ويوضح أن "هناك اتفاق على المضي قدما لتسوية الملفات العالقة بعيدا عن الإعلام، ولكي لا يؤثر أي شيء سلبي على الحوار المتبادل"، وأن "هذه العملية قد تحتاج عاما على الأقل، من خلال الحوار المتبادل في القنوات الدبلوماسية والاستخباراتية".

"اختراقات عديدة"

ولأعوام، مثلت ملفات جماعة الإخوان المسلمين، وشرق المتوسط، وليبيا، القضايا الخلافية الأبرز بين القاهرة وأنقرة.  

ووقعت تركيا 2019 اتفاقيتين أمنيتين مع الحكومة التي تسيطر على غرب ليبيا، برئاسة فايز السراج حينها، ثم جددته مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، وهو ما رفضته مصر.

وأرسلت تركيا مستشارين عسكريين وطائرات مسيرة لمواجهة المشير خليفة حفتر الرجل القوي في الشرق الليبي المدعوم من مصر.

وشملت الاتفاقيات أيضا مطالبة أنقرة بمناطق كبيرة وغنية بالغاز في شرق البحر المتوسط، مما أثار غضب اليونان وفرنسا والاتحاد الأوروبي.

ويعتبر الباحث السياسي المصري، كرم سعيد، أن "رفع العلاقات الدبلوماسية يؤشر إلى أن فرص التقارب وتعزيز العلاقات باتت أوفر، وأن ما حصل لم يكن وليد اللحظة، بل بناء على عدة اختراقات".

وعلى رأس هذه الاختراقات "الأزمة الخاصة بالساحة الليبية"، وفق سعيد.

ويقول لموقع "الحرة": "على مدى العامين الماضيين توصلت أنقرة والقاهرة إلى نقاط كبيرة في الملف الليبي أولها إجراء انتخابات تضمن تمثيل كل الأطراف في الداخل".

كما توصلتا إلى "تأسيس قوة عسكرية موحّدة وقوة لحماية الحدود"، واتفقتا على أن "يكون كل طرف حريص على مصالح الآخر".

وفيما يتعلق بملف "الإخوان"، يرى سعيد أن "تركيا قطعت شوطا على صعيد هذه القضية، سواء بإغلاق المنصات الإعلامية أو إلزام بعضها بعدم انتقاد القاهرة".

وتحدث الباحث عن "رفض أنقرة مؤخرا تجديد إقامات بعض أعضاء الجماعة ومطالبة آخرين بالبحث عن ملاذات جديدة". لكن ذلك لم يتم تأكيده من مصدر رسمي تركي، أو من جانب "الإخوان المسلمين" نفسهم.

ويضيف سعيد أن التقارب بين البلدين من المتوقع أن تكون له انعكاسات من بينها "إيجاد بيئة لحل الأزمة في ليبيا".

وتشمل الانعكاسات أيضا أن "تلعب القاهرة دورا وسيطا لحل القضايا الخلافية في شرق المتوسط بين تركيا واليونان وقبرص".

في المقابل "ربما تلعب مصر أيضا دورا في مسار الحوار القائم حاليا بين تركيا والنظام السوري".

"الخيط لم ينقطع"

ورغم عزل الجيش المصري الرئيس السابق محمد مرسي الذي كان حليفا لإردوغان صيف 2013، لم تنقطع العلاقات وبقيت في مستوى قائم بالأعمال وسط استمرار التعاون الاقتصادي بشكل قوي وكافة المسارات الثقافية، حسب وكالة "الأناضول".

ومع ذلك كان "الفتور وحالة القطيعة الأقرب للمكتملة" قد تصّدرت العلاقات السياسية" بينهما.

بدورها تقول الخارجية التركية عبر موقعها بشأن العلاقات السياسية بين البلدين: "تم الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية بين تركيا ومصر بشكل متبادل على مستوى القائم بالأعمال منذ عام 2013، وعقدت اجتماعات قصيرة بين وزيري خارجية البلدين في مناسبات مختلفة، وتواصل سفارة مصر في أنقرة، وقنصليتها في إسطنبول، وسفارة تركيا في القاهرة، وقنصليتها بالإسكندرية أنشطتها دون انقطاع".

كما "تم الحفاظ على الروابط الاقتصادية والاجتماعية العميقة الجذور بين البلدين، التي يدعمها تراث تاريخي مشترك، فيما لا يزال حوالي 3500 مواطن يقيمون في مصر، التي تعد أكبر شريك تجاري لتركيا في القارة الأفريقية فضلا عن عقد لقاءات متكررة بين رواد الأعمال الأتراك والمصريين"، وفق الخارجية. 

وفي يونيو 2016، قال رئيس الوزراء التركي آنذاك بن علي يلدريم، إنه لا مانع من تطوير العلاقات الاقتصادية بين تركيا ومصر وعقد لقاءات بين مسؤولي البلدين.

وعاد يلدريم مؤكدا ذلك في أغسطس 2016: بقوله: "تؤيد تركيا تطوير العلاقات مع مصر"، تعليقا على حديث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي إنه "لا يوجد أي أسباب للعداء بين شعبي مصر وتركيا"، والذي تلا ترحيب الخارجية المصرية، بأي "جهد حقيقي وجاد للتقارب مع تركيا".

واستمرت العلاقات المصرية التركية على حالها، حتى لاح في الأفق تطور إيجابي، مع إجراء مصر وتركيا في مايو  وسبتمبر 2021، أكثر من جولة لـ"محادثات استكشافية" بينهما.

على متن حاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان - رويترز
مشهد لحاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، يعود التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد، مثيراً تساؤلات عديدة، حول دوافعه الحقيقية وأهدافه الاستراتيجية، وماهي الاحتمالات القائمة من ورائه.

التطورات الأخيرة في المنطقة، من ضربات عسكرية في اليمن إلى مؤشرات على توسيع محتمل لدائرة الاستهداف، تطرح سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم خريطة الاشتباك في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات قد تطال إيران وحتى العراق.

ويعتقد الخبير الأمني، صفاء الأعسم، في حديث لموقع "الحرة"، أن تغييرات كبيرة ستحدث في المنطقة، قد تمتد إلى تغييرات جغرافية، كاشفا عن "تحركات للوصول إلى الحدود العراقية السورية".

واستشهد الأعسم بتصريح رئيس لجنة الأمن والدفاع الإسرائيلي الذي أشار إلى أن إسرائيل ستصل إلى نهر الفرات وستكون على حدود مباشرة مع العراق وكردستان، "مما يعني توغلاً إسرائيلياً كبيراً قد يرقى إلى شبه احتلال"، حسب تعبيره.

وأضاف الأعسم أن الولايات المتحدة قدمت قراراً إلى مجلس الأمن يقضي بإنهاء أو إلغاء العضوية الدائمة لسوريا في المجلس، إضافة إلى سحب الجوازات الدبلوماسية من المسؤولين السوريين العاملين في الأمم المتحدة، واستبدال جوازاتهم بجوازات من فئة G3، وهو ما يشير إلى تراجع وضع سوريا على الساحة الدولية إلى نقطة الصفر.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد منحتها الولايات المتحدة مهلة 60 يوماً للامتثال لشروط معينة، ولم يتبقَ منها سوى قرابة 40 يوماً، بحسب الأعسم.

وتشمل هذه الشروط وقف تسليح محور المقاومة، وإنهاء الدعم اللوجستي، وهو ما انعكس على انسحاب بعض فصائل المقاومة المدعومة من إيران من محافظة نينوى شمالي العراق.

كما أشار إلى وجود ثلاثة شروط رئيسة: إنهاء دور فصائل المقاومة، تسليم الأجهزة المتعلقة بالسلاح النووي، والتخلي عن الصواريخ الفرط صوتية.

ولفت الأعسم إلى أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أكد في تصريحاته الأخيرة أن إيران ستقاوم بشدة، محذراً من أن أي دولة تسمح لأميركا باستخدام مجالها الجوي ضد إيران ستكون هدفاً للضربات الإيرانية، وهذا يعتبره الأعسم رسائل تحذيرية لن تنفذ بل خطوة استباقية أن لا تصطف بعض الدول مع أميركا.

أما عن الولايات المتحدة، فقد وصف الأعسم الرئيس دونالد ترامب، بأنه "رجل مالي واقتصادي"، لا يحرك البوارج وحاملات الطائرات إلا بحسابات دقيقة، وأكد أن تكلفة بقاء حاملة الطائرات الأميركية في البحر ليوم واحد، تبلغ 2.5 مليون دولار، بينما تصل تكلفتها أثناء التحرك إلى 70 مليون دولار يومياً، ما يعني أن هذه التحركات ليست اعتباطية بل تهيئة لضربات عسكرية محتملة، لمعالجة وضع متأزم.

وأكد أن الضربات القادمة قد تستهدف الحوثيين، والفصائل المسلحة غير الملتزمة بالشروط الأميركية، وربما إيران نفسها، في حال لم تستجب للشروط خلال الأيام المتبقية من المهلة، وخُلص إلى أن هناك استعدادات عسكرية أمريكية واضحة، وأن الوضع في العراق قد يشهد تطورات جديدة في هذا السياق.

كما يضيف الخبير الأمني، أن قرار بعض الفصائل العراقية بترك السلاح وانسحابها من محافظة نينوى مثلا، يُعدّ خطوة إيجابية للعراق، حيث يشير هذا القرار إلى التزام تلك الفصائل بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة العراقية، التي تمنع حمل السلاح دون موافقة الحكومة العراقية.

ويرى الأعسم أن الضغوط المستمرة على إيران، سواء من خلال منع تصدير الغاز والنفط أو عبر العقوبات الاقتصادية، ستؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الداخلية، ما لم يتم التوصل إلى حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة، وبغياب هذه الحلول، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب حرب إقليمية واسعة، تتسبب بأزمات كبيرة وتتيح الفرص لتنفيذ أجندات أخرى، وفق قوله.

كما أكد الخبير الأمني، أن المفاوضات الأميركية الإيرانية في سلطنة عُمان ستكون شكلية، إذ أن التفاهم الفعلي بين الجانبين إن حصل سيتم خلف الأبواب المغلقة، وإيران تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل تحقيق طموحها النووي مستدلاً بانسحابها من سوريا الذي يعكس استعدادها للتخلي عن بعض مكتسباتها الإقليمية مقابل تقدم في الملف النووي، بيد أن التوصل إلى اتفاق إيجابي، يظل مرهوناً برؤية واشنطن، حسب تعبير الأعسم.

التهديد المؤجل: المسدس على طاولة المفاوضات

أوضح الأكاديمي، أستاذ العلاقات الدولية سعدون الساعدي، أن السبب الرئيس لهذا التحشيد الأميركي العسكري هو تطورات الأحداث في غزة وجنوب لبنان، إلى جانب سقوط النظام السوري.

هذه الحروب وتداعياتها دفعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات طارئة لضمان أمن واستقرار المنطقة، نظراً للمصالح الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، على حد قوله. إضافة إلى ضمان تدفق النفط العالمي عبر قناة السويس، وحماية الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.

أما السبب الثاني يتعلق بالتعامل مع التهديد الحوثي المدعوم من إيران والذي بات يشكل خطراً على سلسلة إمدادات النفط العالمية.

من جانب آخر، يقول الساعدي إن الولايات المتحدة تستعد للدخول في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، وهي تستخدم أسلوب الضغط على طهران عبر وسيلتين رئيسيتين، إذ تتمثل الأولى بإرسال رسائل تحذيرية إلى إيران بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء.

والوسيلة الثانية أن المفاوضات مع إيران وفقاً لرؤية واشنطن تتطلب ذراعيّن أحدهما الجانب الاقتصادي الممثل بالعقوبات المفروضة على إيران، وأيضاً التلويح بالتهديد بالقوة العسكرية عند الضرورة، حسب قوله.

وبرغم أن سياسة الرئيس ترامب تبتعد عن التدخل العسكري المباشر، لكن الساعدي أوضح أن ذلك لا يمنع من إبقاء هذا الخيار مطروحاً، وقد تستخدم الولايات المتحدة هذه القوة لضرب ماتبقى من أذرع إيران في المنطقة، كالحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة العراقية.

ولفت الساعدي إلى أن واشنطن وفي ظل هذه الظروف المعقدة، ترى أن استعراض قوتها العسكرية بات أمراً ضرورياً، حتى لو كان ذلك في إطار تهديد الطرف الأخر.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أنه فيما يخص التحشيد العسكري الأميركي، يمكن أن يُعتبر أداة ضغط، كما أن احتمالية أن تنوي الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية إلى مواقع في إيران قائمة، إلا أن الأرجح أن يكون هذا التحشيد بمثابة وسيلة للضغط على طهران.

أما بشأن توجيه ضربة عسكرية، فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات جوية فاعلة، وهذا الخيار يُستخدم كإجراء طويل الأمد تلجأ إليه واشنطن إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، على حد تعبيره.

وبحسب الساعدي، فإن الولايات المتحدة عادةً تعتمد مبدأ تعزيز موقفها التفاوضي بالقوة العسكرية، لا سيما وأن العلاقات الدولية تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما القوة العسكرية والاقتصاد، فالطرف الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً يكون في موقع أقوى ويدفع خصمه إلى تقديم تنازلات.

وفي هذا السياق، تمتلك واشنطن كلا العاملين، فهي تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية، من خلال فرض العقوبات على إيران، لذا فإن جميع السيناريوهات تظل مطروحة، في ظل هذه الأوضاع التي يعتبرها معقدة، وربما تتجنب الولايات المتحدة المواجهة المباشرة، وتترك لإسرائيل مهمة تنفيذ الضربات نيابةً عنها، على حد قوله.

وفيما يتعلق بدائرة الاستهداف العسكري الأميركي، يرى الساعدي أن هذا التحشيد والتحركات الإسرائيلية ليست موجهة بشكل أساسي ضد إيران، بل يأتي لاستهداف أذرعها في المنطقة.

وبعد تقويض حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الموالي لها، لم يتبقَ من جغرافية النفوذ الإيراني سوى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، ويعتقد الساعدي أنه في حال حدوث ضربات عسكرية في المنطقة، فإن الفصائل العراقية ستكون الهدف الأرجح، حسب قوله.

فيما يشير إلى أن واشنطن تركز اهتمامها على فصل إيران عن العراق واليمن، إذ تمثل الفصائل العراقية أداة إيران الفاعلة سواء على الصعيدين السياسي والعسكري، مما يجعلها في صدارة أهداف واشنطن، ويعتقد أن الفصائل التي ترفض الانصياع لمتطلبات واشنطن، لا شك ستنفذ ضربات عسكرية ضدها، وفقاً لحديثه.

وقال أستاذ العلاقات الدولية إن المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة بوساطة سلطنة عمان هي أشبه بجسّ نبض للطرفين، فالولايات المتحدة تسعى لمعرفة مدى تقبّل إيران لمطالبها، في حين ترغب إيران في فهم الشروط الأميركية وما إذا كانت تتوافق مع سياستها أم تمثل نوعاً من الخضوع.

ويمكن اعتبار هذه الجولة من المحادثات بمثابة تحضيرية لرسم الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة، التي ستكون طويلة وشاقة، كما ستواصل واشنطن الضغط على إيران بعقوبات اقتصادية جديدة، لذلك في حال انعقد الاجتماع التفاوضي فقد يكون لقاءً استكشافياً يهدف إلى تحديد مسار المفاوضات والاتفاق مبدئياً على إطارها العام، حسب قول الساعدي.

ترامب كشف أنه أرسل رسالة إلى الزعيم الإيراني يقترح فيها التفاوض المباشر (رويترز)
كيف يمكن إعادة فرض عقوبات أممية على إيران؟
من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات مباشرة يوم السبت بشأن برنامج طهران النووي في الوقت الذي تدرس فيه بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما إذا كانت ستطلق عملية لإعادة فرض عقوبات على إيران في الأمم المتحدة قبل انتهاء أمد الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر .

النموذج الليبي

أكد السياسي العراقي، المقرّب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتفاض قنبر، في حديث لموقع "الحرة"، أن المحادثات الحالية تمثل أول لقاء مباشر بين أعلى المستويات في الولايات المتحدة وإيران.

وبيّن أن الإطار العام لهذه المفاوضات يشبه النموذج الليبي، حين قام معمر القذافي بالتخلي الكامل عن برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وفتح منشآتها للتفتيش من دون أي شروط، كما قطع نظامه علاقته بالإرهاب الدولي، والتزم القذافي حينها بهذه المطالب بشكل كامل، دون تلاعب أو أجندات خفية، على حد تعبيره.

واليوم، السؤال المطروح، يقول قنبر، هل ستقبل إيران بقطع علاقاتها مع ميليشياتها في المنطقة كافة، وهل ستقبل بتفكيك منشآتها النووية بالكامل، ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة صعبة، خاصة في ظل وجود المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لا يبدو مستعداً لتقديم مثل هذه التنازلات، بحسب قوله.

ويرى الخبير في السياسات الأميركية، أن المفاوضات لن تقتصر فقط على شرط واحد ممثلاً بتفكيك البرنامج النووي، بل يشمل فتح كامل المشروع النووي والتنازل والتخلي عنه نهائيا، ووقف إنتاج وتطوير الصواريخ الاستراتيجية، بالإضافة إلى قطع العلاقات كافة مع الفصائل والميليشيات المسلحة في عموم المنطقة، إن وافقت إيران على هذه المطالب ستكون هناك أفاق جديدة لهذه المفاوضات، بحسب روايته.

ويضيف أن هذه المطالب تتجاوز بكثير ما كان مطروحاً في عهد أوباما، وهي أكثر عمقاً وتشدداً، من المفاوضات السابقة، لأن الرئيس ترامب، يقول قنبر، يُعد تهديداً جدياً وواضحاً لإيران، وهو يهيئ خيارات عسكرية صارمة ليتم الشروع فيها إن لم تحقق أجندة واشنطن في هذه المفاوضات، على حد وصفه.

وبشأن رفض طهران الشروط الأميركية واحتمالية وقوع ضربة عسكرية تستهدف إيران، أشار قنبر، إلى أن الرئيس دونالد ترامب، قالها صراحة إن هناك كارثة بانتظار إيران إن لم تستجب، ويرى أن هذه التهديدات ستُترجم على أرض الواقع، ولا تشبه المفاوضات ولا التهديدات السابقة، وفقاً لما ذكره.

ويعتقد قنبر أن تهديد واشنطن في هذه المرحلة يتوشح بالجدية العالية، خصوصاً مع وجود تجهيزات وتحضيرات عسكرية متقدمة وكبرى، في قاعدة دييغو غارسيا وسط المحيط الهندي، مثل قاذفات القنابل "بي 2"، الثقيلة التي تحمل قنابل بمئات الأطنان والمخصصة لضرب التحصينات تحت الأرض بمئات الأمتار، كل ذلك يشير إلى أن ترامب جاد في تهديده، كما هو جاد في رغبته بالتفاوض، وفقاً لحديثه

العراق في قلب التوتر

بيّن عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، مثنى أمين، في تصريح لموقع الحرة، أن أي تصعيد في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس بلا شك على الوضع في العراق، نظراً لوجود نوع من الاعتماد المتبادل في الجانب الأمني بين العراق وإيران من جهة، والعراق والولايات المتحدة من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الحساسة في المنطقة.

وأوضح أن المفاوضات الجارية بين الجانبين، إذا نجحت في تخفيف حدة الأزمة أو التوصل إلى رؤية مشتركة حول المصالح، فإنها قد تُسهم في تجنيب المنطقة مخاطر الحروب.

أما إذا فشلت تلك المفاوضات، فقد تواجه المنطقة موجة جديدة من الحرب أو ضربات عسكرية أميركية ضد إيران، وبما أن القوات الأميركية موجودة داخل العراق، فمن المرجح أن يكون هناك رد فعل إيراني، ما سيحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مشتعلة، بحسب قوله.

وشدد أمين على ضرورة أن يحافظ العراق على استقلالية موقفه، وأن لا ينحاز إلى أي طرف في هذه الصراع، وأضاف: "نؤكد دوماً على تبني سياسة مستقلة تبعد العراق عن أن يكون طرفاً في أي صراع إقليمي".

وبشأن الحراك العسكري، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية إلى أن واشنطن إذا قررت ضرب إيران، فربما تكون البداية من العراق، من خلال استهداف الفصائل الموالية لطهران، وقد تقوم هذه الفصائل بردود فعل تؤثر سلباً على سيادة العراق وتزجّه في قلب المواجهة، على حد تعبيره.

وعن رؤيته لطبيعة المفاوضات المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران، أكد أمين أن هذه المفاوضات لن تكون شكلية، بل ستسعى لحسم الخلافات، خصوصاً وأن إيران دولة اعتادت التعامل مع مثل هذه الأزمات، وقد تقدم في اللحظات الأخيرة ما يجنّبها المواجهة العسكرية المباشرة مع الأميركيين، بحسب تعبيره.

وفيما يتعلق بوجود حراك نيابي في تجنيب العراق تداعيات أي تصعيد، أشار أمين إلى أن الحراك النيابي لن يكون مؤثراً، فالوضع خرج من إطار النقاشات والحراك الديبلوماسي وأصبح في مرحلة التنفيذ وربما المواجهة العسكرية، على حد قوله.

 

وأكد المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، نزار حيدر، أن الهدف الأساسي من التحشيد العسكري الأميركي كان احتواء تداعيات حرب غزة، إلا أنه بعد وصول إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت القوات الأميركية بالانتشار بشكل أوسع في محيط منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي وراء ذلك هو إيران، حسب تعبيره.

وأوضح، أن هناك مؤشرات على وجود اتفاق بين واشنطن وتل أبيب يستهدف ضرب البُنى التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية، وقرار تنفيذ ضربات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تم اتخاذه بالفعل، أو سيُتخذ في قادم الإيام، مرجحا تنفيذه خلال النصف الأول من العام الجاري، وأضاف أن التراجع عن هذا القرار يرتهن بموافقة طهران على الشروط التي تضعها واشنطن، حسب قوله.

وأشار حيدر إلى أن تأجيل الرئيس ترامب توجيه ضربات عسكرية لإيران، وقيامه أولاً باستهداف الحوثيين في اليمن، يهدف إلى السيطرة على الممرات المائية الدولية.

كما بيّن أن الهدف الأخر لهذه الاستراتيجية هو محاصرة الصين، كما أن واشنطن لا تزال تأمل في أن ترضخ طهران وتعود إلى طاولة المفاوضات، ولذلك تم تأجيل أي عمل عسكري مباشر ضدها، ومع ذلك، وفي حال خابت هذه الآمال، فإن الحل سيكون توجيه ضربة عسكرية حسب رأيه.

وبشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران، التي ستُجرى في سلطنة عمان، يرى المحلل السياسي، أن هذه المفاوضات ستتسم بجدية عالية، ويُتوقع أن يطالب الوفد الأميركي بشكل مباشر بتفكيك المشروع النووي الإيراني، وهذا الأمر غير قابل للتفاوض.

وإذا قبلت إيران مناقشة هذا الموضوع تحديداً، فستكون هناك جولات ثانية وثالثة، على ألا تتجاوز مدة المفاوضات شهرين، أما إذا رفضت إيران ذلك بشكل قاطع، فلن تُعقد جولات إضافية من المفاوضات، بحسب قراءته.

وأشار حيدر إلى أن الحسابات الأميركية الحالية بعيدة عن استهداف الفصائل العراقية الموالية لإيران على غرار الحوثيين، سيما أن هذه الفصائل تُعد الآن منزوعة السلاح، بحسب وصفه، إذ لم تطلق حتى رصاصة واحدة تجاه أي مصالح أميركية في المنطقة أو ضد إسرائيل، كما كان الحال سابقاً في إطار ما سُمي بـ"وحدة الساحات" منذ تولّي الرئيس ترامب السلطة وحتى اليوم، لان الفصائل تدرك جيداً أنها ليست أكثر قدرة وإمكانية من مايسمى "بالمقاومة" في غزة وسوريا ولبنان وحتى في اليمن.

ومع ذلك، من المحتمل أن تقرر إسرائيل الانتقام من جميع الفصائل بغية كبح جماح هذه الميليشيات داخل العراق، وهو احتمال وارد وبقوة، لكن هذا لن يحصل إلا بموافقة واشنطن، وفقًا تعبيره.

ويرى المحلل السياسي أن الضربات العسكرية ضد إيران، خاصةً على مواقع البنية التحتية للمفاعل النووي الإيراني، باتت وشيكة، معتقداً أن واشنطن لن تتراجع عن إنهاء الطموحات النووية لطهران وقطع أذرعها في المنطقة، لا سيما في العراق، إلا في حال موافقة إيران على الشروط الأميركية.