الرئيس الصيني سبق أن كشف عن إصلاحات تهدف إلى تعميق الرقابة على القطاع الخاص
أجندة الأمن القومي الصينية ضيعت الكثير من فرص الاستثمارعلى عدة مدن

بينما وصفت بكين سنة 2023 بـ"عام الاستثمار في الصين"، تعاني عدة مناطق في البلاد من شح الاستثمارات، ولا سيما الغربية منها، بسبب سياسة الرئيس شي جين بينغ، التي تضيق على المستثمرين الغربيين.

وفي الوقت الذي يسعى مسؤولون محليون صينيون، لجلب الاستثمرارت من خلال جولات ترويجية في الخارج لجذب اهتمام رجال الأعمال، تضيق آليات وضعها الرئيس على عمل المستثمرين الغربيين.

التضييق الذي يعاني منه المستثمرون الأجانب، سببه، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال" أجندة الأمن القومي الصينية، والتي تهدف لدرء التهديدات الخارجية، لكنها "تجعل من الصين حقل ألغام محتمل للشركات الأجنبية".

وهذا العام، تسببت الحملة التي يقودها شي، بعدة مداهمات لشركات أجنبية، وتحقيقات وحتى اعتقالات طالت مستثمرين ومستشارين إداريين غربيين ومراجعين لشركات أجنبية.

وزاد قانون مكافحة التجسس من قلق المديرين التنفيذيين الأجانب الذين أصبحوا يتخوفون من اتخاذ أي  إجراء روتيني مرتبط بأنشطتهم التجارية في الصين، مثل أبحاث السوق، التي يمكن أن تفسر على أنها تجسس.

هذا الوضع، يؤكد تقرير الصحيفة، خنق تدفق رأس المال في اقتصاد يعاني أصلا من ضعف الاستثمار الخاص والاستهلاك، فضلاً عن ارتفاع معدل البطالة بين الشباب.

وانخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين إلى 20 مليار دولار في الربع الأول من هذا العام، مقارنة بـ 100 مليار دولار في الربع الأول من العام الماضي، وفقًا لتحليل للأرقام الحكومية أجراه المحلل مارك ويتزكي في شركة الأبحاث Rhodium Group.

ويعتمد نمو الصين، الذي كان مدفوعاً في العقود الأخيرة بانفتاح البلاد على الغرب، على الاستثمار الأجنبي لتعزيز الابتكار والإنتاجية.

وبالنسبة للقادة الصينيين، فإن الضغط على الشركات الأجنبية، بالموازاة مع حثهم على الاستثمار، قد يحرم البلاد من رأس المال والتقنيات والأفكار والمهارات الإدارية التي عززت صعود الصين لعقود.

مدن منكوبة

"لعبة شد الحبل" وفق تعبير "وول ستريت جورنال" تركت المدن والبلدات الصينية في وضع مترنح، حيث غرقت بعضها في الديون ومنها من يكافح مسؤولوها من أجل خلق وظائف بعد ثلاث سنوات من قيود وباء كورونا.

وأنفقت الحكومات المحلية العام الماضي أكثر من العام السابق، وفقا للإحصاءات الرسمية، ويرجع ذلك أساسا إلى قفزة بنسبة 18 ٪ في النفقات الصحية المستخدمة لتغطية اختبارات كورونا والتكاليف ذات الصلة. 

وفي الوقت نفسه، انخفض دخل تلك الحكومات، ويرجع ذلك أساسا إلى انخفاض بنسبة 23٪ على أساس سنوي في الإيرادات من مبيعات الأراضي للمطورين، وهو مصدر تمويل اعتمدت عليه السلطات المحلية منذ فترة طويلة. 

واقترضت بعض الحكومات المحلية أكثر مما تستطيع تحمله، حيث بلغت الديون المستحقة عليها 120٪ من عائداتها، بينما يقول العديد من المسؤولين إن استراتيجياتهم التقليدية لجذب الاستثمار الأجنبي قد تعثرت.

وشرع مسؤول تجاري في تشنغدو، عاصمة مقاطعة سيتشوان جنوب غرب البلاد، مؤخرًا في رحلة لترويج الاستثمار إلى أوروبا، لكنه عاد خالي الوفاض. 

وقال المسؤول: "خلال عشرين عامًا من محاولتي الحصول على استثمارات من أوروبا، كانت هذه هي المرة الأولى التي لم نتمكن فيها من توقيع مذكرة تفاهم واحدة".

وقال مسؤول كبير في إحدى مقاطعات غوانغدونغ الجنوبي، التي حددت في وقت سابق من هذا العام هدفًا لجذب ما يقرب من 300 مليار دولار من الاستثمارات في السنوات الخمس المقبلة، لمجموعة تجارية أميركية زائرة مؤخرًا، إن المقاطعة ستكافئ أي شركة أميركية تقرر الاستثمار بـ 10٪ من قيمة الصفقة الموعودة، بحسب مصادر مطلعة.

وقالت  المصادر إن المجموعة التجارية الأميركية رفضت عرض مسؤول المقاطعة، حيث يعتبر ذلك في الولايات المتحدة رشوة غير قانونية. 

ولم ترد حكومة غوانغدونغ على طلبات التعليق التي أرسلتها الصحيفة بالخصوص.

توقف العمل

أظهرت دراسات ميدانية أجرتها مجموعات أعمال في الصين، أن الشركات الأميركية والألمانية وغيرها من الشركات الأوروبية توقفت عن التوسع مؤقتا أو قللت من استثماراتها في الصين، بسبب التضييق الذي تمارسه الحكومة المركزية. 

مثال على ذلك، شركة "غرين" الأميركية لصناعة آلات البيع مثل الثلاجات التي توضع بالمؤسسات وتقدم عدة بضائع مثل القهوة والشاي وأشياء أخرى، والتي كانت تصنعها في الصين منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي قلصت بشكل حاد استثماراتها في البلاد بسبب عدم اليقين المتزايد في السياسة، وفقًا لأشخاص مقربين من الشركة.

ولم ترد الشركة، ومقرها ستامفورد بولاية كونيتيكت، على أسئلة كانت أرسلتها الصحيفة.

قال شون شتاين، رئيس غرفة التجارة الأميركية في شنغهاي والقنصل الأميركي العام السابق في المدينة، إن الضغط الأخير على الشركات الاستشارية الأميركية يهدد وجود الشركات الأجنبية في الصين.

يذكر أن وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، اعترضت على معاملة الصين للشركات الأميركية عندما التقت بكبار المسؤولين في بكين الأسبوع الماضي. 

ومن المتوقع أيضا أن تثير وزيرة التجارة، جينا ريموندو، القضية في رحلتها القادمة إلى الصين.

في مدينة نينغبو الساحلية بمقاطعة تشجيانغ، عقد مسؤولون محليون منتدى "الاستثمار في تشجيانغ"، حيث طرحوا قائمة مراجعة بالمبادرات التي يمكنهم تقديمها للمستثمرين الأجانب، من بناء طرق أفضل، إلى تقديم حوافز ضريبية وإعانات للمشتريات ذات الأسعار المرتفعة.

قال كاميرون جونسون، الشريك في TidalWave Solutions ، وهو مستشار أميركي وواحد من عدد من الغربيين الذين حضروا الحدث في مايو: "الرسالة هي أننا منفتحون حقًا للأعمال".

وفي الوقت نفسه، تسبب عدم اليقين بشأن سياسات بكين في حدوث شلل في مجالس إدارة الشركات العالمية، على حد قوله.

"ما هو التركيز الحقيقي للحكومة؟" يتساءل جونسون، وهو أميركي قضى أكثر من عقدين في الصين. 

ثم يتابع "هل يمكن أن يكون هناك مزيد من الوضوح أو التوجيه بشأن السياسة حتى تتمكن الشركات الأجنبية من تطوير خارطة طريق للامتثال؟"

رسائل مختلطة

تم الترحيب بـشركة "بيكسل ووركس" الأميركية، المنتجة للرقائق المستخدمة في إنتاج مقاطع الفيديو وأجهزة العرض الإلكترونية الأخرى، بأذرع مفتوحة من قبل المسؤولين المحليين في شنغهاي، حيث يقع مقر عملياتها في الصين.

تود ديبونيس،  الرئيس التنفيذي للشركة، قال تعليقا على وضع مؤسسته هناك "إنهم يدعمون بشكل خاص الجهود التي نبذلها لإدراج الشركة الصينية التابعة لمؤسستنا في مجلس إدارة STAR في شنغهاي، وهو ما يعادل مؤشر "ناسداك" في البلاد.

وأضاف أن معظم مواهب "بيكسل ووركس" البحثية والتطويرية موجودة في الصين "وهذا هو المكان الذي تستمد فيه الشركة معظم إيراداتها".

لكن، وعلى الرغم من الدعم المحلي، تواجه الشركة ضغوطًا من الحكومة المركزية في الصين لإعادة تشكيل فرعها الصيني للتأكد من أنها مستقلة عن عمليات الشركة الأم الأميركية. 

ويقول مستشارو الأعمال والمحامون الذين يقدمون المشورة للشركات متعددة الجنسيات إن هذا نوع من المتطلبات المفروضة بشكل متزايد على الشركات الأجنبية كجزء من أجندة الأمن القومي لبكين.

واضطرت "بيكسل ووركس" على تقسيم نفسها إلى قسمين، مع فصل عمليتها في الصين عن شركتها الأم في الولايات المتحدة، للحصول على "رضا المنظمين الصينيين" والظفر بموافقتهم على طلب إدراج الشركة في المؤشر.

وطيلة العامين ونصف العام الماضيين، خضعت " بيكسل ووركس " لعملية شاقة تهدف إلى جعل شركتها الفرعية الصينية مستقلة عن الشركة الأم الأميركية. 

وكجزء من هذا الجهد، نقلت " بيكسل ووركس" الملكية الفكرية الخاصة بعملياتها في الصين من الشركة الأم الأميركية إلى فرعها الصيني وهي خطوة تهدف إلى ضمان أمن براءات الاختراع والعلامات التجارية ضد أي عقوبات أميركية محتملة قد تجعلها محظورة في أسواق الصين.

وللامتثال للمخاوف الأمنية الصينية أيضا، نقلت "بيكسل ووركس" مؤخرًا 15 موظفًا عملوا في مشاريع أميركية إلى طابق منفصل في برجها. 

هؤلاء الموظفون، رغم كونهم مواطنين صينيين، إلا أنه أصبح لديهم مكاتب خاصة منفصلة تمامًا عن عمليات " بيكسل ووركس" في الصين، حيث يقتصر عملهم على المشاريع الأميركية.

رغم كل ذلك، زار العديد من المسؤولين من وزارة التجارة الصينية في بكين في أواخر يونيو، مكاتب بيكسل ووركس "لفهم أفضل" لأعمالها.

على متن حاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان - رويترز
مشهد لحاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، يعود التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد، مثيراً تساؤلات عديدة، حول دوافعه الحقيقية وأهدافه الاستراتيجية، وماهي الاحتمالات القائمة من ورائه.

التطورات الأخيرة في المنطقة، من ضربات عسكرية في اليمن إلى مؤشرات على توسيع محتمل لدائرة الاستهداف، تطرح سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم خريطة الاشتباك في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات قد تطال إيران وحتى العراق.

ويعتقد الخبير الأمني، صفاء الأعسم، في حديث لموقع "الحرة"، أن تغييرات كبيرة ستحدث في المنطقة، قد تمتد إلى تغييرات جغرافية، كاشفا عن "تحركات للوصول إلى الحدود العراقية السورية".

واستشهد الأعسم بتصريح رئيس لجنة الأمن والدفاع الإسرائيلي الذي أشار إلى أن إسرائيل ستصل إلى نهر الفرات وستكون على حدود مباشرة مع العراق وكردستان، "مما يعني توغلاً إسرائيلياً كبيراً قد يرقى إلى شبه احتلال"، حسب تعبيره.

وأضاف الأعسم أن الولايات المتحدة قدمت قراراً إلى مجلس الأمن يقضي بإنهاء أو إلغاء العضوية الدائمة لسوريا في المجلس، إضافة إلى سحب الجوازات الدبلوماسية من المسؤولين السوريين العاملين في الأمم المتحدة، واستبدال جوازاتهم بجوازات من فئة G3، وهو ما يشير إلى تراجع وضع سوريا على الساحة الدولية إلى نقطة الصفر.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد منحتها الولايات المتحدة مهلة 60 يوماً للامتثال لشروط معينة، ولم يتبقَ منها سوى قرابة 40 يوماً، بحسب الأعسم.

وتشمل هذه الشروط وقف تسليح محور المقاومة، وإنهاء الدعم اللوجستي، وهو ما انعكس على انسحاب بعض فصائل المقاومة المدعومة من إيران من محافظة نينوى شمالي العراق.

كما أشار إلى وجود ثلاثة شروط رئيسة: إنهاء دور فصائل المقاومة، تسليم الأجهزة المتعلقة بالسلاح النووي، والتخلي عن الصواريخ الفرط صوتية.

ولفت الأعسم إلى أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أكد في تصريحاته الأخيرة أن إيران ستقاوم بشدة، محذراً من أن أي دولة تسمح لأميركا باستخدام مجالها الجوي ضد إيران ستكون هدفاً للضربات الإيرانية، وهذا يعتبره الأعسم رسائل تحذيرية لن تنفذ بل خطوة استباقية أن لا تصطف بعض الدول مع أميركا.

أما عن الولايات المتحدة، فقد وصف الأعسم الرئيس دونالد ترامب، بأنه "رجل مالي واقتصادي"، لا يحرك البوارج وحاملات الطائرات إلا بحسابات دقيقة، وأكد أن تكلفة بقاء حاملة الطائرات الأميركية في البحر ليوم واحد، تبلغ 2.5 مليون دولار، بينما تصل تكلفتها أثناء التحرك إلى 70 مليون دولار يومياً، ما يعني أن هذه التحركات ليست اعتباطية بل تهيئة لضربات عسكرية محتملة، لمعالجة وضع متأزم.

وأكد أن الضربات القادمة قد تستهدف الحوثيين، والفصائل المسلحة غير الملتزمة بالشروط الأميركية، وربما إيران نفسها، في حال لم تستجب للشروط خلال الأيام المتبقية من المهلة، وخُلص إلى أن هناك استعدادات عسكرية أمريكية واضحة، وأن الوضع في العراق قد يشهد تطورات جديدة في هذا السياق.

كما يضيف الخبير الأمني، أن قرار بعض الفصائل العراقية بترك السلاح وانسحابها من محافظة نينوى مثلا، يُعدّ خطوة إيجابية للعراق، حيث يشير هذا القرار إلى التزام تلك الفصائل بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة العراقية، التي تمنع حمل السلاح دون موافقة الحكومة العراقية.

ويرى الأعسم أن الضغوط المستمرة على إيران، سواء من خلال منع تصدير الغاز والنفط أو عبر العقوبات الاقتصادية، ستؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الداخلية، ما لم يتم التوصل إلى حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة، وبغياب هذه الحلول، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب حرب إقليمية واسعة، تتسبب بأزمات كبيرة وتتيح الفرص لتنفيذ أجندات أخرى، وفق قوله.

كما أكد الخبير الأمني، أن المفاوضات الأميركية الإيرانية في سلطنة عُمان ستكون شكلية، إذ أن التفاهم الفعلي بين الجانبين إن حصل سيتم خلف الأبواب المغلقة، وإيران تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل تحقيق طموحها النووي مستدلاً بانسحابها من سوريا الذي يعكس استعدادها للتخلي عن بعض مكتسباتها الإقليمية مقابل تقدم في الملف النووي، بيد أن التوصل إلى اتفاق إيجابي، يظل مرهوناً برؤية واشنطن، حسب تعبير الأعسم.

التهديد المؤجل: المسدس على طاولة المفاوضات

أوضح الأكاديمي، أستاذ العلاقات الدولية سعدون الساعدي، أن السبب الرئيس لهذا التحشيد الأميركي العسكري هو تطورات الأحداث في غزة وجنوب لبنان، إلى جانب سقوط النظام السوري.

هذه الحروب وتداعياتها دفعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات طارئة لضمان أمن واستقرار المنطقة، نظراً للمصالح الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، على حد قوله. إضافة إلى ضمان تدفق النفط العالمي عبر قناة السويس، وحماية الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.

أما السبب الثاني يتعلق بالتعامل مع التهديد الحوثي المدعوم من إيران والذي بات يشكل خطراً على سلسلة إمدادات النفط العالمية.

من جانب آخر، يقول الساعدي إن الولايات المتحدة تستعد للدخول في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، وهي تستخدم أسلوب الضغط على طهران عبر وسيلتين رئيسيتين، إذ تتمثل الأولى بإرسال رسائل تحذيرية إلى إيران بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء.

والوسيلة الثانية أن المفاوضات مع إيران وفقاً لرؤية واشنطن تتطلب ذراعيّن أحدهما الجانب الاقتصادي الممثل بالعقوبات المفروضة على إيران، وأيضاً التلويح بالتهديد بالقوة العسكرية عند الضرورة، حسب قوله.

وبرغم أن سياسة الرئيس ترامب تبتعد عن التدخل العسكري المباشر، لكن الساعدي أوضح أن ذلك لا يمنع من إبقاء هذا الخيار مطروحاً، وقد تستخدم الولايات المتحدة هذه القوة لضرب ماتبقى من أذرع إيران في المنطقة، كالحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة العراقية.

ولفت الساعدي إلى أن واشنطن وفي ظل هذه الظروف المعقدة، ترى أن استعراض قوتها العسكرية بات أمراً ضرورياً، حتى لو كان ذلك في إطار تهديد الطرف الأخر.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أنه فيما يخص التحشيد العسكري الأميركي، يمكن أن يُعتبر أداة ضغط، كما أن احتمالية أن تنوي الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية إلى مواقع في إيران قائمة، إلا أن الأرجح أن يكون هذا التحشيد بمثابة وسيلة للضغط على طهران.

أما بشأن توجيه ضربة عسكرية، فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات جوية فاعلة، وهذا الخيار يُستخدم كإجراء طويل الأمد تلجأ إليه واشنطن إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، على حد تعبيره.

وبحسب الساعدي، فإن الولايات المتحدة عادةً تعتمد مبدأ تعزيز موقفها التفاوضي بالقوة العسكرية، لا سيما وأن العلاقات الدولية تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما القوة العسكرية والاقتصاد، فالطرف الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً يكون في موقع أقوى ويدفع خصمه إلى تقديم تنازلات.

وفي هذا السياق، تمتلك واشنطن كلا العاملين، فهي تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية، من خلال فرض العقوبات على إيران، لذا فإن جميع السيناريوهات تظل مطروحة، في ظل هذه الأوضاع التي يعتبرها معقدة، وربما تتجنب الولايات المتحدة المواجهة المباشرة، وتترك لإسرائيل مهمة تنفيذ الضربات نيابةً عنها، على حد قوله.

وفيما يتعلق بدائرة الاستهداف العسكري الأميركي، يرى الساعدي أن هذا التحشيد والتحركات الإسرائيلية ليست موجهة بشكل أساسي ضد إيران، بل يأتي لاستهداف أذرعها في المنطقة.

وبعد تقويض حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الموالي لها، لم يتبقَ من جغرافية النفوذ الإيراني سوى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، ويعتقد الساعدي أنه في حال حدوث ضربات عسكرية في المنطقة، فإن الفصائل العراقية ستكون الهدف الأرجح، حسب قوله.

فيما يشير إلى أن واشنطن تركز اهتمامها على فصل إيران عن العراق واليمن، إذ تمثل الفصائل العراقية أداة إيران الفاعلة سواء على الصعيدين السياسي والعسكري، مما يجعلها في صدارة أهداف واشنطن، ويعتقد أن الفصائل التي ترفض الانصياع لمتطلبات واشنطن، لا شك ستنفذ ضربات عسكرية ضدها، وفقاً لحديثه.

وقال أستاذ العلاقات الدولية إن المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة بوساطة سلطنة عمان هي أشبه بجسّ نبض للطرفين، فالولايات المتحدة تسعى لمعرفة مدى تقبّل إيران لمطالبها، في حين ترغب إيران في فهم الشروط الأميركية وما إذا كانت تتوافق مع سياستها أم تمثل نوعاً من الخضوع.

ويمكن اعتبار هذه الجولة من المحادثات بمثابة تحضيرية لرسم الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة، التي ستكون طويلة وشاقة، كما ستواصل واشنطن الضغط على إيران بعقوبات اقتصادية جديدة، لذلك في حال انعقد الاجتماع التفاوضي فقد يكون لقاءً استكشافياً يهدف إلى تحديد مسار المفاوضات والاتفاق مبدئياً على إطارها العام، حسب قول الساعدي.

ترامب كشف أنه أرسل رسالة إلى الزعيم الإيراني يقترح فيها التفاوض المباشر (رويترز)
كيف يمكن إعادة فرض عقوبات أممية على إيران؟
من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات مباشرة يوم السبت بشأن برنامج طهران النووي في الوقت الذي تدرس فيه بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما إذا كانت ستطلق عملية لإعادة فرض عقوبات على إيران في الأمم المتحدة قبل انتهاء أمد الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر .

النموذج الليبي

أكد السياسي العراقي، المقرّب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتفاض قنبر، في حديث لموقع "الحرة"، أن المحادثات الحالية تمثل أول لقاء مباشر بين أعلى المستويات في الولايات المتحدة وإيران.

وبيّن أن الإطار العام لهذه المفاوضات يشبه النموذج الليبي، حين قام معمر القذافي بالتخلي الكامل عن برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وفتح منشآتها للتفتيش من دون أي شروط، كما قطع نظامه علاقته بالإرهاب الدولي، والتزم القذافي حينها بهذه المطالب بشكل كامل، دون تلاعب أو أجندات خفية، على حد تعبيره.

واليوم، السؤال المطروح، يقول قنبر، هل ستقبل إيران بقطع علاقاتها مع ميليشياتها في المنطقة كافة، وهل ستقبل بتفكيك منشآتها النووية بالكامل، ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة صعبة، خاصة في ظل وجود المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لا يبدو مستعداً لتقديم مثل هذه التنازلات، بحسب قوله.

ويرى الخبير في السياسات الأميركية، أن المفاوضات لن تقتصر فقط على شرط واحد ممثلاً بتفكيك البرنامج النووي، بل يشمل فتح كامل المشروع النووي والتنازل والتخلي عنه نهائيا، ووقف إنتاج وتطوير الصواريخ الاستراتيجية، بالإضافة إلى قطع العلاقات كافة مع الفصائل والميليشيات المسلحة في عموم المنطقة، إن وافقت إيران على هذه المطالب ستكون هناك أفاق جديدة لهذه المفاوضات، بحسب روايته.

ويضيف أن هذه المطالب تتجاوز بكثير ما كان مطروحاً في عهد أوباما، وهي أكثر عمقاً وتشدداً، من المفاوضات السابقة، لأن الرئيس ترامب، يقول قنبر، يُعد تهديداً جدياً وواضحاً لإيران، وهو يهيئ خيارات عسكرية صارمة ليتم الشروع فيها إن لم تحقق أجندة واشنطن في هذه المفاوضات، على حد وصفه.

وبشأن رفض طهران الشروط الأميركية واحتمالية وقوع ضربة عسكرية تستهدف إيران، أشار قنبر، إلى أن الرئيس دونالد ترامب، قالها صراحة إن هناك كارثة بانتظار إيران إن لم تستجب، ويرى أن هذه التهديدات ستُترجم على أرض الواقع، ولا تشبه المفاوضات ولا التهديدات السابقة، وفقاً لما ذكره.

ويعتقد قنبر أن تهديد واشنطن في هذه المرحلة يتوشح بالجدية العالية، خصوصاً مع وجود تجهيزات وتحضيرات عسكرية متقدمة وكبرى، في قاعدة دييغو غارسيا وسط المحيط الهندي، مثل قاذفات القنابل "بي 2"، الثقيلة التي تحمل قنابل بمئات الأطنان والمخصصة لضرب التحصينات تحت الأرض بمئات الأمتار، كل ذلك يشير إلى أن ترامب جاد في تهديده، كما هو جاد في رغبته بالتفاوض، وفقاً لحديثه

العراق في قلب التوتر

بيّن عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، مثنى أمين، في تصريح لموقع الحرة، أن أي تصعيد في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس بلا شك على الوضع في العراق، نظراً لوجود نوع من الاعتماد المتبادل في الجانب الأمني بين العراق وإيران من جهة، والعراق والولايات المتحدة من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الحساسة في المنطقة.

وأوضح أن المفاوضات الجارية بين الجانبين، إذا نجحت في تخفيف حدة الأزمة أو التوصل إلى رؤية مشتركة حول المصالح، فإنها قد تُسهم في تجنيب المنطقة مخاطر الحروب.

أما إذا فشلت تلك المفاوضات، فقد تواجه المنطقة موجة جديدة من الحرب أو ضربات عسكرية أميركية ضد إيران، وبما أن القوات الأميركية موجودة داخل العراق، فمن المرجح أن يكون هناك رد فعل إيراني، ما سيحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مشتعلة، بحسب قوله.

وشدد أمين على ضرورة أن يحافظ العراق على استقلالية موقفه، وأن لا ينحاز إلى أي طرف في هذه الصراع، وأضاف: "نؤكد دوماً على تبني سياسة مستقلة تبعد العراق عن أن يكون طرفاً في أي صراع إقليمي".

وبشأن الحراك العسكري، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية إلى أن واشنطن إذا قررت ضرب إيران، فربما تكون البداية من العراق، من خلال استهداف الفصائل الموالية لطهران، وقد تقوم هذه الفصائل بردود فعل تؤثر سلباً على سيادة العراق وتزجّه في قلب المواجهة، على حد تعبيره.

وعن رؤيته لطبيعة المفاوضات المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران، أكد أمين أن هذه المفاوضات لن تكون شكلية، بل ستسعى لحسم الخلافات، خصوصاً وأن إيران دولة اعتادت التعامل مع مثل هذه الأزمات، وقد تقدم في اللحظات الأخيرة ما يجنّبها المواجهة العسكرية المباشرة مع الأميركيين، بحسب تعبيره.

وفيما يتعلق بوجود حراك نيابي في تجنيب العراق تداعيات أي تصعيد، أشار أمين إلى أن الحراك النيابي لن يكون مؤثراً، فالوضع خرج من إطار النقاشات والحراك الديبلوماسي وأصبح في مرحلة التنفيذ وربما المواجهة العسكرية، على حد قوله.

 

وأكد المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، نزار حيدر، أن الهدف الأساسي من التحشيد العسكري الأميركي كان احتواء تداعيات حرب غزة، إلا أنه بعد وصول إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت القوات الأميركية بالانتشار بشكل أوسع في محيط منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي وراء ذلك هو إيران، حسب تعبيره.

وأوضح، أن هناك مؤشرات على وجود اتفاق بين واشنطن وتل أبيب يستهدف ضرب البُنى التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية، وقرار تنفيذ ضربات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تم اتخاذه بالفعل، أو سيُتخذ في قادم الإيام، مرجحا تنفيذه خلال النصف الأول من العام الجاري، وأضاف أن التراجع عن هذا القرار يرتهن بموافقة طهران على الشروط التي تضعها واشنطن، حسب قوله.

وأشار حيدر إلى أن تأجيل الرئيس ترامب توجيه ضربات عسكرية لإيران، وقيامه أولاً باستهداف الحوثيين في اليمن، يهدف إلى السيطرة على الممرات المائية الدولية.

كما بيّن أن الهدف الأخر لهذه الاستراتيجية هو محاصرة الصين، كما أن واشنطن لا تزال تأمل في أن ترضخ طهران وتعود إلى طاولة المفاوضات، ولذلك تم تأجيل أي عمل عسكري مباشر ضدها، ومع ذلك، وفي حال خابت هذه الآمال، فإن الحل سيكون توجيه ضربة عسكرية حسب رأيه.

وبشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران، التي ستُجرى في سلطنة عمان، يرى المحلل السياسي، أن هذه المفاوضات ستتسم بجدية عالية، ويُتوقع أن يطالب الوفد الأميركي بشكل مباشر بتفكيك المشروع النووي الإيراني، وهذا الأمر غير قابل للتفاوض.

وإذا قبلت إيران مناقشة هذا الموضوع تحديداً، فستكون هناك جولات ثانية وثالثة، على ألا تتجاوز مدة المفاوضات شهرين، أما إذا رفضت إيران ذلك بشكل قاطع، فلن تُعقد جولات إضافية من المفاوضات، بحسب قراءته.

وأشار حيدر إلى أن الحسابات الأميركية الحالية بعيدة عن استهداف الفصائل العراقية الموالية لإيران على غرار الحوثيين، سيما أن هذه الفصائل تُعد الآن منزوعة السلاح، بحسب وصفه، إذ لم تطلق حتى رصاصة واحدة تجاه أي مصالح أميركية في المنطقة أو ضد إسرائيل، كما كان الحال سابقاً في إطار ما سُمي بـ"وحدة الساحات" منذ تولّي الرئيس ترامب السلطة وحتى اليوم، لان الفصائل تدرك جيداً أنها ليست أكثر قدرة وإمكانية من مايسمى "بالمقاومة" في غزة وسوريا ولبنان وحتى في اليمن.

ومع ذلك، من المحتمل أن تقرر إسرائيل الانتقام من جميع الفصائل بغية كبح جماح هذه الميليشيات داخل العراق، وهو احتمال وارد وبقوة، لكن هذا لن يحصل إلا بموافقة واشنطن، وفقًا تعبيره.

ويرى المحلل السياسي أن الضربات العسكرية ضد إيران، خاصةً على مواقع البنية التحتية للمفاعل النووي الإيراني، باتت وشيكة، معتقداً أن واشنطن لن تتراجع عن إنهاء الطموحات النووية لطهران وقطع أذرعها في المنطقة، لا سيما في العراق، إلا في حال موافقة إيران على الشروط الأميركية.