شاشة تعرض صورة الرئيس الصيني بـ"المتحف العسكري للثورة الشعبية" في بكين
شاشة تعرض صورة الرئيس الصيني بـ"المتحف العسكري للثورة الشعبية" في بكين

أطلق الرئيس الصيني، شي جين بينغ، العنان لحملة جديد لـ"استئصال الفساد" داخل صفوف أكبر جيش بالعالم، وذلك في إشارة إلى أن مسعى الزعيم الشيوعي لفرض "الولاء المطلق" والسيطرة الشخصية على القوات المسلحة قد فشل، بحسب تقرير صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.

ففي اجتماعين رفيعي المستوى في بكين هذا الشهر، قال شي للقادة العسكريين إن عليهم "التركيز على حل المشاكل البارزة التي لا تزال قائمة في المنظمات الحزبية على جميع المستويات فيما يتعلق بفرض القيادة المطلقة للحزب على الجيش".

ودعت اللجنة العسكرية المركزية، وهي أعلى جهاز بالقيادة العسكرية والتي يرأسها شي، هذا الشهر إلى إنشاء "آلية إنذار مبكر لمخاطر النزاهة في الجيش"، وأعلنت عن تحقيق بقضايا فساد تتعلق بشراء معدات منذ ما يقرب من ست سنوات.

وتأتي الحملة المتجددة لفرض "الانضباط الحزبي" في الوقت الذي اختفى فيه العديد من كبار ضباط القوة الصاروخية التابعة للجيش الصيني، والمشرفة على ترسانات الصواريخ النووية والتقليدية في البلاد، وبالتالي فإن تلك الغيابات غالبًا ما تكون إشارة إلى وجود تحقيقات.

وغاب وزير الخارجية الصيني السابق، تشين جانغ، عن الظهور في الأحداث العامة لمدة شهر قبل أن يحل محله سلفه، وانغ يي، الأسبوع الماضي.

ولم يُذكر اسم، قائد قوة الصواريخ بالجيش الصيني، لي يوتشاو، في التقارير الرسمية عن ترقية شي لجنرالات كبار أواخر الشهر الماضي، وهو حدث كان من المتوقع حضوره فيه.

تحقيقات مع "القائد ونائبه"

ووفقًا لسيرسيوس " Cercius"، وهي شركة استشارية مقرها كندا مختصة برصد شؤون السياسة الصينية النخبوية، فإن وضع حوالي 10 من المسؤولين الحاليين والسابقين في قوة الصواريخ غير واضح، بمن فيهم لي ونائبه ليو غوانغبين.

وأوضح الخبير البارز ، رود لي، والذي يشغل منصب مدير الأبحاث بمعهد دراسات الفضاء الصيني بجامعة القوات الجوية الأميركة أنه من "المحتمل جدًا أن يتم التحقيق مع بعض الأفراد، إن لم يكن جميعهم، بمن فيهم القادة الحاليون والسابقون بسبب قضايا الانضباط أو الفساد".

وذكرت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، يوم الجمعة، أن العديد من ضباط القوة الصاروخية الحاليين والسابقين بجيش التحرير الشعبي الصيني، بمن فيهم لي يوتشاو ونائبه ليو، قد خضغوا للتحقيق، ولكن دون أن يتم الإعلان عن ذلك بشكل رسمي،

وأوضحت "صحيفة فاينانشيال تايمز" أنها لم تستطع التحقق من مصادر مستقلة بشأن وجود تحقيقات مع الضباط الكبار في قوات الصواريخ.  

لكن "سيرسيوس" أشارت إلى حملة اعتقالات في أواخر العام الماضي بحق مسؤولين من المستوى الأدنى مرتبطين بقوة الصواريخ كمؤشر على تحقيق أوسع.

ومن الشائع أن يتبع التحقيق مع صغار المسؤولين اعتقال المزيد من كبار المسؤولين بتهمة الفساد، ولكن بعد بضعة شهور على الأغلب.

وفي أوائل يونيو، أعلنت اللجنة المركزية لفحص الانضباط، وهي الجهة الرقابية الداخلية القوية للحزب الشيوعي الحاكم، أنه تم اعتقال أكثر من 39 من كبار الكوادر العسكرية والسياسية منذ مؤتمر الحزب العشرين في أكتوبر الماضي، لكنها لم تنشر أسماء جميع أعضاء الحزب الذين يواجهون المحاكمة.

وفي عهد شي، الذي يعتبر أقوى زعيم شيوعي حكم الصين منذ عهد المؤسس، ماو تسي تونغ، خدمت الحملة القوية لمكافحة الفساد أغراض مزدوجة تتمثل في القضاء على الخصوم السياسيين ومعاقبة الكسب غير المشروع المستشري في البلاد.

ومنذ العام 2012، وقع ما يقرب من 5 ملايين من المسؤولين من المستوى الأدنى بالإضافة إلى الآلاف من "النمور" رفيعة المستوى في شرك التحقيقات أوالاعتقالات، فضلاً عن ضبط مديرين تنفيذيين في صناعات التكنولوجيا والتمويل والطاقة، وليس انتهاء باعتقال موظفين في أجهزة الرقابة الخاصة بمكافحة الكسب غير المشروع.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان تركيز شي المتجدد على الجيش مدفوعًا بحالة معينة أو مخاوف أكبر بشأن الولاء السياسي.

فالقوة الصاروخية هي واحدة من أكثر الفروع أهمية من الناحية الاستراتيجية للجيش الصيني، حيث تتحمل مسؤولية الردع النووي البري للصين وكذلك المسؤولية عن أنظمة الصواريخ الحاسمة للهجوم المحتمل على تايوان، ناهيك عن مهامها الحساسة بشأن حرية الحركة بالمحيط الهادئ.

وقال اثنان من كبار المسؤولين الحكوميين الأجانب الذين تم اطلاعهم على المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة إن قادة القوة الصاروخية يخضعون للتحقيق بسبب تسريب معلومات عسكرية.

وقال أحد المسؤولين: "لدينا الآن فهم مفصل تمامًا لهيكل القوة الصاروخية .. والأمر يتعلق بإفشاء الأسرار".

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.