التغييرات الجديدة في القيادات العسكرية هي الأكبر من نوعها منذ سنوات ـ أرشيفية
التغييرات الجديدة في القيادات العسكرية هي الأكبر من نوعها منذ سنوات ـ أرشيفية

عينت الصين، الاثنين، قائدا جديدا على رأس القوات التي تشرف على صواريخ البلاد التقليدية والنووية، في خطوة يرى محللون أنها تهدف لضمان ولاء هذا الذراع العسكري الحيوي للزعيم، شي جين بينغ.

وأعلنت بكين عن تعيين، وانغ هو بين، النائب السابق لقائد القوات البحرية الصينية، قائدا جديدا للقوة الصاروخية بجيش التحرير الشعبي الصيني، وتعيين شيوي شي شنغ، في منصب المفوض السياسي الجديد للقوة الصاروخية، مع ترقيتهما إلى رتبة جنرال.

ويعدّ عزل، لي يوشاو، الذي كان أحد قدامى المحاربين في القوة الصاروخية لجيش التحرير الشعبي الصيني، بعد فترة قصيرة قضاها بمنصبه "مفاجأة"، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" التي أشارت إلى أن هذا التغيير يأتي بعد أيام من استبدال بكين لوزير خارجيتها، في قرار آخر يكتنفه الغموض.

وبحسب الصحيفة ذاتها، لم يظهر لي يوشاو، الذي تم تعيينه للإشراف على برنامج الصواريخ، في يناير العام الماضي، على الملأ منذ عدة أشهر، قبل أن يُعلن قرار الإطاحة به، قبل يوم واحد من احتفالات البلاد بالذكرى الـ96 لتأسيس جيش التحرير الشعبي. 

"تحول جديد"

ومثّل تعيين وانغ هو بين، القادم من القوات البحرية قائدا جديدا للقوة الصاروخية "تحولا جديدا" في سياسات التعيين المرتبطة بهذا المنصب، وفق الصحيفة التي أشارت إلى أنه لطالما "تم وضع هذا الذراع العسكري الاستراتيجي تحت قيادة مسؤولين من ذوي الخبرة في المجال".

وفي هذا الجانب، يقول تايلو فرافيل، الأستاذ في معهد ماساتشوستس، المختص في قضايا الجيش الصيني، إن قرار تعيين مسؤولين من خارج "قيادة الصواريخ يظهر أن المشكلات التي تم تحديدها خلال ولاية القائد السابق "كانت خطيرة"، كما تعكس أيضا أهمية هذه القوة التي تخضع لتوسع كبير، تزامنا مع تدهور علاقات بكين مع واشنطن.

وفي قراءتهم لتعيين جنرالين قادمين من أجهزة عسكرية أخرى بجيش التحرير الشعبي في هاذين المنصبين الحيويين،، أكد محللون آخرون تحدثوا لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، أن الخطوة تشير إلى رغبة زعامة الحزب في "تعطيل شبكات الولاء أو الفساد التي تشكلت في ظل القادة السابقين للجيش".

وفي السياق ذاته، يعتبر قال كريغ سينغلتون، الزميل في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن "إزاحة قائد قوة الصواريخ السابق، المشرف على برنامج الأسلحة النووية الصيني، والذي كان أحد المقربين من شي "يمثل أحد أعمق التغييرات في القيادة الصينية منذ سنوات".

وشن شي حملة واسعة النطاق لمكافحة الفساد في الجيش الصيني بعد توليه السلطة  أواخر عام 2012، وأطاح بعدد من كبار القادة، أبرزهم الرئيس السابق لإدارة الأركان المشتركة، فانغ فنغوي، الذي حُكم عليه بالسجن مدى الحياة في عام 2019.

من جهتها، أشارت وكالة "بلومبرغ"، إلى أن التغييرات الأخيرة تأتي بعدما أطلق شي  الذي يدير أكبر القوات المسلحة في العالم من حيث عدد الأعضاء، 3 نداءات عامة لتعزيز الإدارة العسكرية، في أقل من أسبوعين.

وأمر الزعيم الصيني الحزب بالحفاظ على "القيادة المطلقة" لجيش التحرير الشعبي، منتصف يوليو الماضي.

والأسبوع الماضي، أصدر شي تعليماته للجيش بالمضي قدما في جهود مكافحة الكسب غير المشروع، خلال زيارته لمنشأة تابعة للقوات الجوية.

الولاء المطلق

ووصف محللون عسكريون عمليات التغيير الحالية بـ"الضرورية لجهود شي تشكيل قوة قتالية حديثة، على الرغم من انحسار تحقيقات الفساد ضد كبار الضباط خلال السنوات الأخيرة".

واعتبر تقرير صحيفة "فاينانشيال تايمز"، أن هذه التغييرات في صفوف القادة العسكريين، تعد الأكبر من نوعها منذ 2012، حين كان السعي وقتها لإعادة تأكيد سيطرة الحزب على القوات المسلحة، بعد أن بدا أنها بدأت تتراجع في أعقاب تولي شي السلطة.

من جهتها، أكدت "وول ستريت جورنال"، أن التعديلات الأخيرة في المناصب العسكرية، تأتي وسط حديث عن تدابير جديدة لمكافحة الفساد في القوات المسلحة، ومساعي الحزب الحاكم وزعيمه شي ضمان ولاء جيش التحرير الشعبي المطلق.

وفي سياق متصل، يربط سينغلتون بين التغييرات الأخيرة وبين التمرد القصير الذي قادته مجموعة فاغنر ضد موسكو، مشيرا إلى أنه "كان على الأرجح بمثابة تذكير لقيادة الحزب بالحاجة إلى تعزيز المراقبة على الجيش".

ويضيف أن "فشل التمرد عزز بشكل شبه مؤكد تركيز شي للسيطرة الأيديولوجية على الجيش، حتى على حساب النمو الاقتصادي والتحديث العسكري المستمر في الصين".

وتسيطر قيادة خاصة بجيش التحرير الشعبى الصينى على برامج الصواريخ التقليدية والنووية فى الصين، بما فى ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات ذات الرؤوس النووية القادرة على الوصول إلى البر الرئيسى للولايات المتحدة. 

وقالت وزارة الدفاع الأميركية، في تقرير العام الماضي، إن بكين سرعت تطوير أسلحتها النووية في السنوات الأخيرة، وهي في طريقها لامتلاك حوالي 1500 رأس نووي جاهز للعمل بحلول عام 2035، من حوالي 400 الآن.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.