الخلاف حول حقل الدرة يعود إلى الستينات. أرشيفية - تعبيرية
حقل الدرة يثير الخلافات مجددا بين السعودية والكويت من جهة وإيران من جهة أخرى (أرشيفية-تعبيرية)

جددت السعودية والكويت، الأربعاء، التأكيد على ملكيتهما المشتركة للثروات الطبيعية في حقل الدرة المتنازع عليه مع إيران.

ويعود النزاع بشأن الحقل المعروف باسم "آرش" في إيران، و"الدرة" في السعودية والكويت، إلى عقود مضت.

وأثيرت التوترات مجددا بشأن الحقل مؤخرا بعد إعلان طهران استعدادها لبدء التنقيب، ورد الرياض والكويت بتأكيد امتلاكهما "الحقوق الحصرية" بشأنه.

وأكدت إيران، الأحد، تمسكها بما وصفته بـ"حقوقها" في الحقل، وذلك في حال عدم تواجد رغبة لدى البلدين للتوصل إلى "تفاهم" بشأنه.

ويعود النزاع بين إيران والكويت إلى ستينيات القرن الماضي، حينما منح كل طرف حق التنقيب في حقول بحرية لشركتين مختلفتين، وهي الحقوق التي تتقاطع في الجزء الشمالي من حقل الدرة.

وأجرت إيران والكويت على مدى أعوام، مباحثات لتسوية النزاع حول منطقة الجرف القاري على الحدود البحرية بين البلدين، إلا أنها لم تؤد إلى نتيجة.

ويقدر احتياطي الغاز القابل للاستخراج من الدرة بنحو 200 مليار متر مكعب، وفق "فرانس برس".

ما تاريخ الأزمة؟

وظل ترسيم الحدود البحرية في هذه المنطقة عالقا لعقود. ويعود النزاع الدائر حول حقل الدرة إلى ستينيات القرن الماضي حين منحت إيران امتيازا بحريا للشركة النفطية الإنكليزية الإيرانية التي أصبحت لاحقا "بي بي"، فيما منحت الكويت الامتياز إلى "رويال داتش شل". ويتداخل الامتيازان في القسم الشمالي من الحقل المليء بالاحتياطات من الغاز، وفقا لموقع "فويس أوف أميركا".

ويقول تقرير لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن إنه تم اكتشاف حقل الدرة في منتصف الستينيات في وقت لم تكن الحدود البحرية معروفة بشكل جيد، ولم يكن الغاز يعتبر من الأصول الاستراتيجية المهمة التي تسعى الدول للحصول عليها.

وفي ذلك الوقت، منحت الكويت وإيران امتيازات بحرية متداخلة بسبب هذه الحدود البحرية غير المرسومة، بينما أنشأت الكويت والسعودية ما يعرف باسم "المنطقة المحايدة المقسومة"، في منطقة الحدود البرية والبحرية والتي تضم حقولا نفطية هامة، من أبرزها الخفجي والوفرة، وتم توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم لتقسيم المنطقة المحايدة وتقسيم المنطقة المغمورة المحاذية لها.

ويقع حقل الدرة في الجزء البحري من المنطقة المحايدة شمالا، لكنه، في تفسير طهران، يمتد أيضا إلى مياهها.

خريطة توضح المنطقة المحايدة وموقع حقل الدرة

ولم يتم الاتفاق حتى الآن على الحدود الشرقية للمنطقة التي تحدد حقل الدرة، وهو ما تسعى الأطراف المعنية إلى إنجازه منذ عقود.

ودفع تنقيب إيران في الحقل، في عام 2001، الكويت والسعودية إلى إبرام اتفاق لتطوير الحقل على الرغم من اعتراض طهران التي وصفت الصفقة بأنها "غير شرعية".

وعلى مدار السنوات الماضية، أجرت إيران والكويت مباحثات لتسوية النزاع حول منطقة الجرف القاري على الحدود البحرية بين البلدين، إلا أنها لم تؤد إلى نتيجة.

وفي مارس عام 2022، طالبت إيران بـ "حقها" في الاستثمار بحقل الدرة، بعد أيام من توقيع السعودية والكويت وثيقة لتطوير الحقل، في خطوة جاءت بهدف تنفيذ مذكرة تفاهم كان قد وقعاها، في ديسمبر عام 2019، و"تضمنت العمل المشترك على تطوير واستغلال حقل الدرة".

وبعد أيام من المصالحة التاريخية بين إيران والسعودية في بكين، في مارس الماضي، أجرت الكويت وإيران محادثات بشأن حدودهما البحرية في منتصف الشهر ذاته.

حقل الدرة المتنازع عليه بين السعودية والكويت وإيران

وذكرت مجلة إيكونومست أن العلاقات المحسنة بين إيران من جانب، والكويت والسعودية من جانب، يمكن أن تعيد إحياء جهود إجراء محادثات مشتركة حول القضايا الحدودية.

وأوضحت أن حل قضية ترسيم الحدود البحرية التي طال أمدها قد يؤدي إلى إزالة التوترات المحيطة بخطط المملكة والكويت لتطوير الحقل، وقد تؤدي إلى زيادة صادرات الكويت من الغاز على المدى الطويل.

وتشير "إيكونومست" إلى أن الكويت ترغب "في الاستفادة من الوضع الجيوسياسي المعتدل بشكل متزايد في الخليج لتعزيز تطوير حقول الغاز البحرية".

خلاف كويتي إيراني على حقل الدرة

لكن في 3 يوليو، قالت وزارة الخارجية الكويتية إن الدولة الخليجية تجدد الدعوة لإيران للبدء في مفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية مع الكويت والسعودية كطرف تفاوضي واحد.

وشدد بيان الخارجية الكويتية على أن المنطقة البحرية الواقع بها حقل الدرة للغاز تقع بالمناطق البحرية لدولة الكويت وأن الثروات الطبيعية فيها مشتركة بينها وبين السعودية ولهما وحدهما "حقوق خالصة فيها"، وفقا لوكالة رويترز.

وبعد يومين من تصريح الخارجية الكويتية، نقلت وكالة الأنباء السعودية، في 5 يوليو، عن مصدر في وزارة الخارجية القول إن ملكية الثروات الطبيعية في "المنطقة المغمورة المقسومة"، بما فيها حقل الدرة بكامله، هي ملكية مشتركة بين المملكة ودولة الكويت فقط.

وأضافت الوكالة أن السعودية "تجدد دعواتها السابقة للجانب الإيراني للبدء في مفاوضات لترسيم الحد الشرقي للمنطقة المغمورة المقسومة بين المملكة والكويت كطرف تفاوضيٍ واحد مقابل الجانب الإيراني، وفقا لأحكام القانون الدولي".

وبعدها بأسبوع، قال وزير النفط الإيراني، جواد أوجي، في 12 يوليو، إن وزارة الخارجية في بلاده ستتابع موضوع حقل غاز الدرة المعروف باسم أراش في إيران، بحسب ما نقلته رويترز عن وكالة تسنيم الإيرانية.

لكن في تصعيد من قبل الكويت، قال وزير النفط الكويتي، سعد البراك، في مقابلة مع قناة "سكاي نيوز عربية"، في 27 يوليو، إن الكويت "ستبدأ التنقيب والإنتاج في حقل الدرة للغاز من دون انتظار ترسيم الحدود مع إيران".

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.