اقتصاد باكستان يعاني من ارتفاع معدلات التضخم والبطالة ـ صورة تعبيرية.
اقتصاد باكستان يعاني من ارتفاع معدلات التضخم والبطالة ـ صورة تعبيرية.

تتفاوض باكستان مع دول خليجية لجذب استثمارات بمليارات الدولارات، مع سعي إسلام أباد إلى تعزيز احتياطاتها من النقد الأجنبي، في مقابل تحرك العواصم الخليجية لتنويع اقتصاداتها وتوسيع نفوذها، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال".

ورجحت الصحيفة أن تكون الاستثمارات في مجالات التعدين والبنية التحتية الطاقية والأراضي الزراعية وخصخصة الشركات الحكومية الباكستانية جزءا من الصفقات التي تخطط لها إسلام أباد، مع السعودية والإمارات وقطر، التي تتنافس بشكل متزايد على أصول هذا البلد الآسيوي.

في هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن السعوديين يجرون محادثات لشراء منجم للنحاس يتم تطويره بتكلفة 7 مليارات دولار بواسطة شركة "باريك غولد"، الكندية في غرب باكستان، وفقا لأشخاص مطلعين على المشروع. 

وقال الرئيس التنفيذي للشركة الكندية، مارك بريستو، في مقابلة مع رويترز، الثلاثاء إن الشركة لن تمانع شراء صندوق الثروة السيادي السعودي حصة في منجم ريكو ديق للتنقيب عن الذهب والنحاس في باكستان.

وتملك باريك جولد حصة 50 بالمئة في منجم ريكو ديق، بينما تملك الحكومة الباكستانية وحكومة إقليم بلوخستان الحصة المتبقية.

وتعتبر الشركة المنجم أحد أكبر مناطق التنقيب عن النحاس والذهب غير المستغلة في العالم.

وفي نفس السياق، توضح الصحيفة أن مفاوضات لإنشاء مصفاة نفط سعودية في باكستان، قد تصل تكلفتها إلى 14 مليار دولار، وصلت إلى مرحلة متقدمة وفقا لإسلام أباد ومسؤولين خليجيين.

وبالنسبة لدول الخليج، يمثل هذا النوع من الصفقات "تحولا"، من تقديم القروض أو المنح إلى الدول الأفقر في المنطقة، مثل باكستان أو مصر، إلى التركيز على الاستحواذ على أصول لصالح صناديقها للثروة السيادية، وفقا للصحيفة.

وتعاني باكستان، وهي دولة مسلحة نوويا يبلغ عدد سكانها 240 مليون نسمة، من أزمة اقتصادية وحالة من عدم الاستقرار السياسي.

وبعدما كانت على شفا التخلف عن سداد ديون سيادية، توصلت إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي في يونيو الماضي، للحصول على 1.2 مليار دولار، وهي الشريحة الأولى من حزمة إنقاذ بقيمة ثلاثة مليارات، إضافة إلى تلقيها مليار دولار من الإمارات ومليارين من السعودية، الشهر الماضي، لإعادة الاستقرار للاقتصاد.

وأعلنت الرئاسة الباكستانية، الأربعاء، عن حل البرلمان، ما يمهد الطريق لحكومة يهيمن عليها التكنوقراط، من أجل الإشراف على إدارة البلاد قبل الانتخابات التي يرجح أن تتأخر إلى العام المقبل.

وتم منح سلطات جديدة للحكومة المؤقتة، والتي من المحتمل أن تكون تحت تأثير أكبر للجيش، لتمكينها من اتخاذ قرارات اقتصادية كبرى، في وقت تواجه فيه البلاد التضخم وارتفاع البطالة، وتراجع النشاط الصناعي جراء النقص في الاحتياطي الأجنبية.

"تسهيل الاستثمارات"

وخلال الصيف الجاري، أنشأت إسلام أباد مجلسا خاصا للاستثمارات، يديره جيش البلاد القوي، ويهدف (المجلس) لتسهيل الاستثمارات المحتملة من قبل الدول الأعضاء في مجلس التعاون التي اشتكت في السابق من البيروقراطية والتردد السياسي في الماضي.

في هذا السياق، قال أحسن إقبال، وزير التخطيط الباكستاني المنتهية ولايته، والذي يرأس أيضا اللجنة التنفيذية لمجلس الاستثمارات، إن "باكستان ذات موقع استراتيجي، عند تقاطع محركات النمو في آسيا، بين جنوب آسيا وآسيا الوسطى والصين والشرق الأوسط".

وتابع المسؤول الباكستاني: "هناك فرص كبير جدا أمام المستثمرين للاستثمار هنا، طالما يمكننا منحهم تأكيدا بأنه ستكون هناك استمرارية واستقرار سياسي".

وأضاف أن باكستان تأمل في صفقات تبلغ قيمتها حوالي 25 مليار دولار، تشمل مجالات الطاقة الشمسية وتكنولوجيا المعلومات، مضيفا أن الصناعات الدفاعية الباكستانية مفتوحة أيضا للاستثمار، وأن البلاد مستعدة لتقديم أراض حكومية غير مزروعة بعقود إيجار طويلة للزراعة.

وأشارت الصحيفة إلى أن دول الخليج لم تكشف خلال الأسابيع الأخيرة عن الأرقام التي قد تنفقها، غير أنها ذكّرت، بتعبير مسؤولين سعوديين عن استعدادهم لاستثمار 10 مليار دولار في باكستان، في أعقاب زيارة لقائد الجيش الباكستاني إلى الرياض.

تنافس على الفرص

ومن بين العقود الأولى التي من المرجح أن تجذب اهتمام كل من الإمارات وقطر، الإعلان عن مناقصة هذا الأسبوع، لإدارة خدمات المحطات في مطار إسلام أباد. 

وأشارت الصحيفة إلى أن الدوحة وأبوظبي تنافستا بشدة على عقد لإدارة مطار كابول في أفغانستان المجاورة لباكستان، قبل أن تفوز بها الإمارات العام الماضي، ولفتت إلى أن إسلام أباد تبحث أيضا عن مستثمرين في شركة الطيران الوطنية الباكستانية الدولية.

واتفقت كل من باكستان والإمارات، في يناير، على تعميق التعاون وتعزيز فرص التكامل الاستثماري، وفقا لـ"بلومبرغ".

وكانت أبوظبي قد أعلنت عن استثمار مليار دولار في شركات باكستانية تشمل قطاعات مختلفة، العام الماضي.

وخلال السنة المنصرمة أيضا، أعلن الديوان الأميري القطري، أن قطر للاستثمار يسعى لاستثمار ثلاثة مليارات دولار في باكستان، مقدما دعما لاقتصاد البلاد الذي يعاني ضائقة مالية.

وأضاف الديوان الأميري، دون الخوض في تفاصيل: "أعلن جهاز قطر للاستثمار عن تطلعه للاستثمار بمبلغ ثلاثة مليارات دولار في القطاعات التجارية والاستثمارية المختلفة في جمهورية باكستان الإسلامية".

وأفادت وكالة رويترز، آنذاك، أن رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، دعا جهاز قطر للاستثمار، صندوق الثروة السيادي القطري التي تبلغ قيمة أصوله 450 مليار دولار، للاستثمار في قطاعي الطاقة والطيران في باكستان.

وكان قد قال في وقت سابق إنه سيسلط الضوء على قطاعات مثل الطاقة المتجددة والأمن الغذائي وتطوير الصناعة والبنية التحتية، والسياحة والضيافة.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.