الحرب بين الحكومة الفدرالية ومتمردي تيغراي تخللها انتهاكات حقوقية عدة - صورة أرشيفية
الحرب بين الحكومة الفدرالية ومتمردي تيغراي تخللها انتهاكات حقوقية عدة - صورة أرشيفية

أثار قرار لجنة تابعة للاتحاد الأفريقي بالتخلي عن تحقيق بشأن الانتهاكات التي تم ارتكابها خلال الحرب بين الحكومة الفدرالية والمتمردين بإقليم تيغراي شمال إثيوبيا، حالة من الجدل في وقت يتحدث فيه ممثلون لأطراف الأزمة عن الأسباب، ومدى إمكانية وجود "حلول خارجية" للأزمة.

"قرار صادم"

الخميس، أعربت منظمات حقوقية عن "صدمتها" لقرار اللجنة الأفريقية لحقوق الانسان والشعوب التابعة للاتحاد الأفريقي بالتخلي عن تحقيقها بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في تيغراي.

وفي رسالة مؤرخة في 23 أغسطس وموقعة من 33 منظمة حقوقية بينها "منظمة العفو الدولية" (أمنستي) و"هيومن رايتس ووتش"، قالت المنظمات إن قرار إنهاء تفويض "لجنة التحقيق في الوضع بمنطقة تيغراي من دون نشر أي تقرير عن نتائجها وتوصياتها" يشكل سابقة سيئة للقارّة الإفريقية. 

وأشارت المنظمات إلى "ضغوط سياسية لا مبرر لها" قد تكون خضعت لها "اللجنة الأفريقية لحقوق الانسان والشعوب من الحكومة الإثيوبية".

اتهامات متبادلة

في حديثه لموقع "الحرة"، يتهم الناشط بإقليم تيغراي، مصطفى حبشي، الاتحاد الأفريقي بـ"التواطؤ مع الحكومة الإثيوبية" منذ تدخله لحل الأزمة خلال فترة الحرب.

وأغفل الاتحاد الأفريقي "جرائم لا تحصى ولا تعد" ارتكبتها الحكومة الإثيوبية في حق سكان إقليم تيغراي، والذين عانوا من انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان وتشمل "القتل والاغتصاب والاختفاء القسري"، حسب حبشي.

ويشير الناشط التيغراوي إلى توثيق أكثر من 120 ألف حالة اغتصاب "مثبتة"، مرجحا أن تكون الأعداد أكبر من ذلك بكثير.

ويتحدث عن فظائع ارتكبتها الحكومة الإثيوبية في حق سكان تيغراي وتتضمن "القتل والتعذيب والحرق بالنار".

وهناك جرائم تتعلق بمحاولة "التغيير الديمغرافي للإقليم" وإجبار سكان تيغراي على "تغيير هويتهم"، ومحاولة "ترحيلهم من مناطقهم"، وضم أراضيهم ومنحها لسكان عرقيات أخرى، حسبما يوضح الناشط التيغراوي.

ومن جانبه، يقر المحلل السياسي الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، بوقوع "انتهاكات خلال الحرب التي شهدها إقليم تيغراي"، لكنه يؤكد أن "الحكومة شكلت لجنة للوقوف على حقيقة ذلك، وقامت بالفعل بإحالة قيادات عسكرية للتحقيق".

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يؤكد عبدالصمد أن موقف الاتحاد الأفريقي قد جاء عن "قناعة" بعدما اتضح وجود "استخدام سياسي لقضية تيغراي" بهدف ممارسة "ضغوطا دولية" على الحكومة الإثيوبية.

رغم اتفاق السلام "تواصل الانتهاكات" 

الخميس، كشف "تقرير حقوقي جديد" أن الجنود الإريتريين والإثيوبيين يواصلون حملة اغتصاب واسعة النطاق ومنهجية في تيغراي على الرغم من اتفاق السلام الموقع في نوفمبر من العام الماضي.

ويوثق التقرير "العنف الجنسي" منذ بداية النزاع في نوفمبر 2020 وحتى يونيو 2023، وذلك باستخدام مئات السجلات الطبية.

وفي التقرير يوثق عدد من المختصين بتقديم الرعاية الصحية وقوع "حالات اغتصاب جماعي واستعباد الجنسي وقتل للأطفال".

وكشف التقرير عن وقوع 128 حالة اغتصاب بعد توقيع اتفاق السلام الذي نص على "وقف جميع الأعمال العدائية بعد عامين من الحرب الأهلية".

ونزح أكثر من مليون شخص في منطقة تيغراي التي مزقتها الحرب، وفق أرقام جديدة للمنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.

ويقول حبشي إن "الحكومة الإثيوبية لم تنفذ حتى الآن بنود اتفاق السلام الموقع مع جبهة تحرير تيغراي في نوفمبر 2022، ومازالت تمارس الانتهاكات بحق سكان الإقليم حتى يومنا هذا".

لكن على جانب آخر، يتحدث عبدالصمد عن "تضخيم ومبالغة" فيما يتعلق بحجم تلك الانتهاكات.

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي إلى وجود أطراف ومنظمات دولية تستخدم القضية لـ"تنفيذ أجندات خاصة وتحقيق أهدافا سياسية"،

ويتهم بعض المنظمات الحقوقية الدولية بـ"تسيس القضية"، لتحقيق أجندات خارجية دولية، بعيدا عن "الأبعاد الإنسانية".

ماذا يقول القانون الدولي؟

أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية "الحروب الأهلية"، ترتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، لكنها "لا تسقط بالتقادم ولا يجوز إصدار عفو بشأنها"، وفق خبير القانون الدولي، أيمن سلامة.

وفي تصريحات لموقع "الحرة"، يوضح الخبير الذي شارك في عمليات حفظ السلام الدولية لحلف الناتو في يوغوسلافيا، أن عند الحديث عن "ارتكاب جرائم مزعومة" يجب إجراء "تحقيق شفاف عادل مستقل محايد غير منحاز" تقوم به لجنة مستقلة، على أن يكون التحقيق "مراقب دوليا".

وتخللت الحرب التي استمرت عامين بين الحكومة الفدرالية ومتمردي تيغراي اتهامات لكلا الطرفين بارتكاب انتهاكات ومذابح واغتصاب جماعي وفظائع أخرى.

وباعتبار إثيوبيا دولة طرف في اتفاقات جنيف الأربع، فهي "ملزمة" بإجراء "تحقيق مستقل شفاف محايد غير منحاز" بشأن "جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المدعى ارتكابها في تيغراي" أثناء النزاع المسلح الذي شهده الإقليم، حسب سلامة.

تهديد اتفاق السلام؟

رفضت إثيوبيا مرارا الجهود الدولية للتحقيق في الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب التي استمرت لعامين في إقليم تيغراي، وحذرت من تسبب تلك التحقيقات في تعريض السلام المبرم مع المتمردين في نوفمبر 2022 لـ"الخطر".

وبعد مرور سبعة أشهر على التوصل إلى اتفاق السلام الذي وضع حدا لنزاع وحشي استمر سنتين في تيغراي، لم تبدأ بعد عملية "العدالة الانتقالية "المنصوص عليها في هذا الاتفاق.

وفي ذلك السياق، يوضح سلامة أن "العدالة الانتقالية" هي أطر وآليات الانتقال الديمقراطي التي تلجأ إليها الدول بعد انتهاء النزاعات المسلحة الداخلية "الحروب الأهلية"، أو إقصاء النظم الاستبدادية.

وأطر وآليات العدالة الانتقالية "المعهودة والراسخة"، يجب أن تشمل "كشف الحقائق، محاسبة ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم، تطهير الجيش والشرطة وأجهزة الأمن من العناصر التي ارتكبت تلك الجرائم، تعويض الضحايا"، وفق خبير القانون الدولي.

ويشدد سلامة على أن تحقيق العدالة الانتقالية، لا يتعارض مع "أي اتفاقيات سلام داخلية"، بين الأطراف المتنازعة.

ولذلك يرفض حبشي ربط الجرائم المرتكبة في حق "المدنيين العزل وخاصة من النساء والأطفال"، بعملية السلام.

ويجب أن يقدم للمحاكمة العادلة والنزيهة كل من انتهك حقوق الإنسان وارتكب الجرائم في حق سكان تيغراي"، وفقا الناشط التيغراوي.

لكن على جانب آخر، يؤكد عبدالصمد أن الهدف الأساسي من اتفاق السلام هو "إيقاف الحرب" وقد تحقق ذلك بالفعل.

وتسعى كلا من الحكومة الإثيوبية وحكومة تيغراي لـ"تنفيذ كافة بنود الاتفاقية"، خاصة فيما يتعلق بـ"عودة اللاجئين والنازحين"، وفقا الخبير السياسي الإثيوبي.

تدخل خارجي؟

يطالب حبشي بـ"تدشين لجان دولية مستقلة لتقصى الحقائق"، بعدما انحاز الاتحاد الافريقي لصف الحكومة الاثيوبية، وفي ظل "استمرار الانتهاكات التي تمارسها القوات الحكومية والمليشيات التابعة لها". 

ويطالب كذلك بالسماح لتلك اللجان الدولية المختصة بدخول إقليم تيغراي والوقوف على "الانتهاكات والجرائم" بالأدلة والبراهين، وتوثيق شهادات "الضحايا أو ذويهم".

لكن على جانب آخر، يرى عبدالصمد أن الحل سيكون "داخلي" دون "الاستقواء بالخارج" والدعوى لتدخلات خارجية.

ويؤكد المحلل السياسي الإثيوبي أن التعويل على الأطراف الداخلية والمفاوضات والحوار الوطني، السبيل الأفضل، والمنصات الدولية لا تحقق أي مكسب بأي موقع يوجد به أزمة حول العالم.

وأثناء النزاعات المسلحة الداخلية أو الدولية يقوم مجلس الأمن أو مجلس حقوق الإنسان بتشكيل لجان لـ"تقصي الحقائق"، حسبما يوضح سلامة.

وفي غالب الأمر يقوم مجلس حقوق الإنسان بـ"التحقيق في الجرائم المزعومة، وليس تقصى الحقائق"، وذلك بموجب "الفصل السادس" من ميثاق الأمم المتحدة والمتعلق بـ"حل المنازعات حلا سلميا".

وفي حالة إقليم تيغراي يمكن لمجلس الأمن إصدار قرار بتشكيل لجنة لـ"التحقيق في انتهاكات القانون الدولي الإنساني وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المزعومة"، وفق الخبير بالقانون الدولي.

 لكن سلامة يشير إلى أن القرارات الصادرة عن اللجان، تصدر وفق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، ولذلك يمكن للحكومة الإثيوبية" التحفظ على تنفيذ القرار".

ويوضح خبير القانون الدولي أن مجلس حقوق الإنسان "لا يحوز" الاختصاصات والسلطات "القسرية الجبرية" التي يمتلكها مجلس الأمن، وفق "الفصل السابع من الأمم المتحدة".

وحسب المادة 42 من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، فيجوز لمجلس الأمن ممارسة ما يلزم من أعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه، عن طريق استخدام "القوة الجوية والبحرية والبرية".

ويمتلك مجلس الأمن فقط الحق في استخدام صلاحيات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لكن يجب أن يتم ذلك بإجماع الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس، حسب الخبير بالقانون الدولي.

على متن حاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان - رويترز
مشهد لحاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، يعود التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد، مثيراً تساؤلات عديدة، حول دوافعه الحقيقية وأهدافه الاستراتيجية، وماهي الاحتمالات القائمة من ورائه.

التطورات الأخيرة في المنطقة، من ضربات عسكرية في اليمن إلى مؤشرات على توسيع محتمل لدائرة الاستهداف، تطرح سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم خريطة الاشتباك في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات قد تطال إيران وحتى العراق.

ويعتقد الخبير الأمني، صفاء الأعسم، في حديث لموقع "الحرة"، أن تغييرات كبيرة ستحدث في المنطقة، قد تمتد إلى تغييرات جغرافية، كاشفا عن "تحركات للوصول إلى الحدود العراقية السورية".

واستشهد الأعسم بتصريح رئيس لجنة الأمن والدفاع الإسرائيلي الذي أشار إلى أن إسرائيل ستصل إلى نهر الفرات وستكون على حدود مباشرة مع العراق وكردستان، "مما يعني توغلاً إسرائيلياً كبيراً قد يرقى إلى شبه احتلال"، حسب تعبيره.

وأضاف الأعسم أن الولايات المتحدة قدمت قراراً إلى مجلس الأمن يقضي بإنهاء أو إلغاء العضوية الدائمة لسوريا في المجلس، إضافة إلى سحب الجوازات الدبلوماسية من المسؤولين السوريين العاملين في الأمم المتحدة، واستبدال جوازاتهم بجوازات من فئة G3، وهو ما يشير إلى تراجع وضع سوريا على الساحة الدولية إلى نقطة الصفر.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد منحتها الولايات المتحدة مهلة 60 يوماً للامتثال لشروط معينة، ولم يتبقَ منها سوى قرابة 40 يوماً، بحسب الأعسم.

وتشمل هذه الشروط وقف تسليح محور المقاومة، وإنهاء الدعم اللوجستي، وهو ما انعكس على انسحاب بعض فصائل المقاومة المدعومة من إيران من محافظة نينوى شمالي العراق.

كما أشار إلى وجود ثلاثة شروط رئيسة: إنهاء دور فصائل المقاومة، تسليم الأجهزة المتعلقة بالسلاح النووي، والتخلي عن الصواريخ الفرط صوتية.

ولفت الأعسم إلى أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أكد في تصريحاته الأخيرة أن إيران ستقاوم بشدة، محذراً من أن أي دولة تسمح لأميركا باستخدام مجالها الجوي ضد إيران ستكون هدفاً للضربات الإيرانية، وهذا يعتبره الأعسم رسائل تحذيرية لن تنفذ بل خطوة استباقية أن لا تصطف بعض الدول مع أميركا.

أما عن الولايات المتحدة، فقد وصف الأعسم الرئيس دونالد ترامب، بأنه "رجل مالي واقتصادي"، لا يحرك البوارج وحاملات الطائرات إلا بحسابات دقيقة، وأكد أن تكلفة بقاء حاملة الطائرات الأميركية في البحر ليوم واحد، تبلغ 2.5 مليون دولار، بينما تصل تكلفتها أثناء التحرك إلى 70 مليون دولار يومياً، ما يعني أن هذه التحركات ليست اعتباطية بل تهيئة لضربات عسكرية محتملة، لمعالجة وضع متأزم.

وأكد أن الضربات القادمة قد تستهدف الحوثيين، والفصائل المسلحة غير الملتزمة بالشروط الأميركية، وربما إيران نفسها، في حال لم تستجب للشروط خلال الأيام المتبقية من المهلة، وخُلص إلى أن هناك استعدادات عسكرية أمريكية واضحة، وأن الوضع في العراق قد يشهد تطورات جديدة في هذا السياق.

كما يضيف الخبير الأمني، أن قرار بعض الفصائل العراقية بترك السلاح وانسحابها من محافظة نينوى مثلا، يُعدّ خطوة إيجابية للعراق، حيث يشير هذا القرار إلى التزام تلك الفصائل بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة العراقية، التي تمنع حمل السلاح دون موافقة الحكومة العراقية.

ويرى الأعسم أن الضغوط المستمرة على إيران، سواء من خلال منع تصدير الغاز والنفط أو عبر العقوبات الاقتصادية، ستؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الداخلية، ما لم يتم التوصل إلى حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة، وبغياب هذه الحلول، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب حرب إقليمية واسعة، تتسبب بأزمات كبيرة وتتيح الفرص لتنفيذ أجندات أخرى، وفق قوله.

كما أكد الخبير الأمني، أن المفاوضات الأميركية الإيرانية في سلطنة عُمان ستكون شكلية، إذ أن التفاهم الفعلي بين الجانبين إن حصل سيتم خلف الأبواب المغلقة، وإيران تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل تحقيق طموحها النووي مستدلاً بانسحابها من سوريا الذي يعكس استعدادها للتخلي عن بعض مكتسباتها الإقليمية مقابل تقدم في الملف النووي، بيد أن التوصل إلى اتفاق إيجابي، يظل مرهوناً برؤية واشنطن، حسب تعبير الأعسم.

التهديد المؤجل: المسدس على طاولة المفاوضات

أوضح الأكاديمي، أستاذ العلاقات الدولية سعدون الساعدي، أن السبب الرئيس لهذا التحشيد الأميركي العسكري هو تطورات الأحداث في غزة وجنوب لبنان، إلى جانب سقوط النظام السوري.

هذه الحروب وتداعياتها دفعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات طارئة لضمان أمن واستقرار المنطقة، نظراً للمصالح الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، على حد قوله. إضافة إلى ضمان تدفق النفط العالمي عبر قناة السويس، وحماية الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.

أما السبب الثاني يتعلق بالتعامل مع التهديد الحوثي المدعوم من إيران والذي بات يشكل خطراً على سلسلة إمدادات النفط العالمية.

من جانب آخر، يقول الساعدي إن الولايات المتحدة تستعد للدخول في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، وهي تستخدم أسلوب الضغط على طهران عبر وسيلتين رئيسيتين، إذ تتمثل الأولى بإرسال رسائل تحذيرية إلى إيران بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء.

والوسيلة الثانية أن المفاوضات مع إيران وفقاً لرؤية واشنطن تتطلب ذراعيّن أحدهما الجانب الاقتصادي الممثل بالعقوبات المفروضة على إيران، وأيضاً التلويح بالتهديد بالقوة العسكرية عند الضرورة، حسب قوله.

وبرغم أن سياسة الرئيس ترامب تبتعد عن التدخل العسكري المباشر، لكن الساعدي أوضح أن ذلك لا يمنع من إبقاء هذا الخيار مطروحاً، وقد تستخدم الولايات المتحدة هذه القوة لضرب ماتبقى من أذرع إيران في المنطقة، كالحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة العراقية.

ولفت الساعدي إلى أن واشنطن وفي ظل هذه الظروف المعقدة، ترى أن استعراض قوتها العسكرية بات أمراً ضرورياً، حتى لو كان ذلك في إطار تهديد الطرف الأخر.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أنه فيما يخص التحشيد العسكري الأميركي، يمكن أن يُعتبر أداة ضغط، كما أن احتمالية أن تنوي الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية إلى مواقع في إيران قائمة، إلا أن الأرجح أن يكون هذا التحشيد بمثابة وسيلة للضغط على طهران.

أما بشأن توجيه ضربة عسكرية، فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات جوية فاعلة، وهذا الخيار يُستخدم كإجراء طويل الأمد تلجأ إليه واشنطن إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، على حد تعبيره.

وبحسب الساعدي، فإن الولايات المتحدة عادةً تعتمد مبدأ تعزيز موقفها التفاوضي بالقوة العسكرية، لا سيما وأن العلاقات الدولية تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما القوة العسكرية والاقتصاد، فالطرف الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً يكون في موقع أقوى ويدفع خصمه إلى تقديم تنازلات.

وفي هذا السياق، تمتلك واشنطن كلا العاملين، فهي تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية، من خلال فرض العقوبات على إيران، لذا فإن جميع السيناريوهات تظل مطروحة، في ظل هذه الأوضاع التي يعتبرها معقدة، وربما تتجنب الولايات المتحدة المواجهة المباشرة، وتترك لإسرائيل مهمة تنفيذ الضربات نيابةً عنها، على حد قوله.

وفيما يتعلق بدائرة الاستهداف العسكري الأميركي، يرى الساعدي أن هذا التحشيد والتحركات الإسرائيلية ليست موجهة بشكل أساسي ضد إيران، بل يأتي لاستهداف أذرعها في المنطقة.

وبعد تقويض حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الموالي لها، لم يتبقَ من جغرافية النفوذ الإيراني سوى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، ويعتقد الساعدي أنه في حال حدوث ضربات عسكرية في المنطقة، فإن الفصائل العراقية ستكون الهدف الأرجح، حسب قوله.

فيما يشير إلى أن واشنطن تركز اهتمامها على فصل إيران عن العراق واليمن، إذ تمثل الفصائل العراقية أداة إيران الفاعلة سواء على الصعيدين السياسي والعسكري، مما يجعلها في صدارة أهداف واشنطن، ويعتقد أن الفصائل التي ترفض الانصياع لمتطلبات واشنطن، لا شك ستنفذ ضربات عسكرية ضدها، وفقاً لحديثه.

وقال أستاذ العلاقات الدولية إن المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة بوساطة سلطنة عمان هي أشبه بجسّ نبض للطرفين، فالولايات المتحدة تسعى لمعرفة مدى تقبّل إيران لمطالبها، في حين ترغب إيران في فهم الشروط الأميركية وما إذا كانت تتوافق مع سياستها أم تمثل نوعاً من الخضوع.

ويمكن اعتبار هذه الجولة من المحادثات بمثابة تحضيرية لرسم الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة، التي ستكون طويلة وشاقة، كما ستواصل واشنطن الضغط على إيران بعقوبات اقتصادية جديدة، لذلك في حال انعقد الاجتماع التفاوضي فقد يكون لقاءً استكشافياً يهدف إلى تحديد مسار المفاوضات والاتفاق مبدئياً على إطارها العام، حسب قول الساعدي.

ترامب كشف أنه أرسل رسالة إلى الزعيم الإيراني يقترح فيها التفاوض المباشر (رويترز)
كيف يمكن إعادة فرض عقوبات أممية على إيران؟
من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات مباشرة يوم السبت بشأن برنامج طهران النووي في الوقت الذي تدرس فيه بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما إذا كانت ستطلق عملية لإعادة فرض عقوبات على إيران في الأمم المتحدة قبل انتهاء أمد الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر .

النموذج الليبي

أكد السياسي العراقي، المقرّب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتفاض قنبر، في حديث لموقع "الحرة"، أن المحادثات الحالية تمثل أول لقاء مباشر بين أعلى المستويات في الولايات المتحدة وإيران.

وبيّن أن الإطار العام لهذه المفاوضات يشبه النموذج الليبي، حين قام معمر القذافي بالتخلي الكامل عن برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وفتح منشآتها للتفتيش من دون أي شروط، كما قطع نظامه علاقته بالإرهاب الدولي، والتزم القذافي حينها بهذه المطالب بشكل كامل، دون تلاعب أو أجندات خفية، على حد تعبيره.

واليوم، السؤال المطروح، يقول قنبر، هل ستقبل إيران بقطع علاقاتها مع ميليشياتها في المنطقة كافة، وهل ستقبل بتفكيك منشآتها النووية بالكامل، ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة صعبة، خاصة في ظل وجود المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لا يبدو مستعداً لتقديم مثل هذه التنازلات، بحسب قوله.

ويرى الخبير في السياسات الأميركية، أن المفاوضات لن تقتصر فقط على شرط واحد ممثلاً بتفكيك البرنامج النووي، بل يشمل فتح كامل المشروع النووي والتنازل والتخلي عنه نهائيا، ووقف إنتاج وتطوير الصواريخ الاستراتيجية، بالإضافة إلى قطع العلاقات كافة مع الفصائل والميليشيات المسلحة في عموم المنطقة، إن وافقت إيران على هذه المطالب ستكون هناك أفاق جديدة لهذه المفاوضات، بحسب روايته.

ويضيف أن هذه المطالب تتجاوز بكثير ما كان مطروحاً في عهد أوباما، وهي أكثر عمقاً وتشدداً، من المفاوضات السابقة، لأن الرئيس ترامب، يقول قنبر، يُعد تهديداً جدياً وواضحاً لإيران، وهو يهيئ خيارات عسكرية صارمة ليتم الشروع فيها إن لم تحقق أجندة واشنطن في هذه المفاوضات، على حد وصفه.

وبشأن رفض طهران الشروط الأميركية واحتمالية وقوع ضربة عسكرية تستهدف إيران، أشار قنبر، إلى أن الرئيس دونالد ترامب، قالها صراحة إن هناك كارثة بانتظار إيران إن لم تستجب، ويرى أن هذه التهديدات ستُترجم على أرض الواقع، ولا تشبه المفاوضات ولا التهديدات السابقة، وفقاً لما ذكره.

ويعتقد قنبر أن تهديد واشنطن في هذه المرحلة يتوشح بالجدية العالية، خصوصاً مع وجود تجهيزات وتحضيرات عسكرية متقدمة وكبرى، في قاعدة دييغو غارسيا وسط المحيط الهندي، مثل قاذفات القنابل "بي 2"، الثقيلة التي تحمل قنابل بمئات الأطنان والمخصصة لضرب التحصينات تحت الأرض بمئات الأمتار، كل ذلك يشير إلى أن ترامب جاد في تهديده، كما هو جاد في رغبته بالتفاوض، وفقاً لحديثه

العراق في قلب التوتر

بيّن عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، مثنى أمين، في تصريح لموقع الحرة، أن أي تصعيد في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس بلا شك على الوضع في العراق، نظراً لوجود نوع من الاعتماد المتبادل في الجانب الأمني بين العراق وإيران من جهة، والعراق والولايات المتحدة من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الحساسة في المنطقة.

وأوضح أن المفاوضات الجارية بين الجانبين، إذا نجحت في تخفيف حدة الأزمة أو التوصل إلى رؤية مشتركة حول المصالح، فإنها قد تُسهم في تجنيب المنطقة مخاطر الحروب.

أما إذا فشلت تلك المفاوضات، فقد تواجه المنطقة موجة جديدة من الحرب أو ضربات عسكرية أميركية ضد إيران، وبما أن القوات الأميركية موجودة داخل العراق، فمن المرجح أن يكون هناك رد فعل إيراني، ما سيحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مشتعلة، بحسب قوله.

وشدد أمين على ضرورة أن يحافظ العراق على استقلالية موقفه، وأن لا ينحاز إلى أي طرف في هذه الصراع، وأضاف: "نؤكد دوماً على تبني سياسة مستقلة تبعد العراق عن أن يكون طرفاً في أي صراع إقليمي".

وبشأن الحراك العسكري، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية إلى أن واشنطن إذا قررت ضرب إيران، فربما تكون البداية من العراق، من خلال استهداف الفصائل الموالية لطهران، وقد تقوم هذه الفصائل بردود فعل تؤثر سلباً على سيادة العراق وتزجّه في قلب المواجهة، على حد تعبيره.

وعن رؤيته لطبيعة المفاوضات المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران، أكد أمين أن هذه المفاوضات لن تكون شكلية، بل ستسعى لحسم الخلافات، خصوصاً وأن إيران دولة اعتادت التعامل مع مثل هذه الأزمات، وقد تقدم في اللحظات الأخيرة ما يجنّبها المواجهة العسكرية المباشرة مع الأميركيين، بحسب تعبيره.

وفيما يتعلق بوجود حراك نيابي في تجنيب العراق تداعيات أي تصعيد، أشار أمين إلى أن الحراك النيابي لن يكون مؤثراً، فالوضع خرج من إطار النقاشات والحراك الديبلوماسي وأصبح في مرحلة التنفيذ وربما المواجهة العسكرية، على حد قوله.

 

وأكد المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، نزار حيدر، أن الهدف الأساسي من التحشيد العسكري الأميركي كان احتواء تداعيات حرب غزة، إلا أنه بعد وصول إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت القوات الأميركية بالانتشار بشكل أوسع في محيط منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي وراء ذلك هو إيران، حسب تعبيره.

وأوضح، أن هناك مؤشرات على وجود اتفاق بين واشنطن وتل أبيب يستهدف ضرب البُنى التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية، وقرار تنفيذ ضربات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تم اتخاذه بالفعل، أو سيُتخذ في قادم الإيام، مرجحا تنفيذه خلال النصف الأول من العام الجاري، وأضاف أن التراجع عن هذا القرار يرتهن بموافقة طهران على الشروط التي تضعها واشنطن، حسب قوله.

وأشار حيدر إلى أن تأجيل الرئيس ترامب توجيه ضربات عسكرية لإيران، وقيامه أولاً باستهداف الحوثيين في اليمن، يهدف إلى السيطرة على الممرات المائية الدولية.

كما بيّن أن الهدف الأخر لهذه الاستراتيجية هو محاصرة الصين، كما أن واشنطن لا تزال تأمل في أن ترضخ طهران وتعود إلى طاولة المفاوضات، ولذلك تم تأجيل أي عمل عسكري مباشر ضدها، ومع ذلك، وفي حال خابت هذه الآمال، فإن الحل سيكون توجيه ضربة عسكرية حسب رأيه.

وبشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران، التي ستُجرى في سلطنة عمان، يرى المحلل السياسي، أن هذه المفاوضات ستتسم بجدية عالية، ويُتوقع أن يطالب الوفد الأميركي بشكل مباشر بتفكيك المشروع النووي الإيراني، وهذا الأمر غير قابل للتفاوض.

وإذا قبلت إيران مناقشة هذا الموضوع تحديداً، فستكون هناك جولات ثانية وثالثة، على ألا تتجاوز مدة المفاوضات شهرين، أما إذا رفضت إيران ذلك بشكل قاطع، فلن تُعقد جولات إضافية من المفاوضات، بحسب قراءته.

وأشار حيدر إلى أن الحسابات الأميركية الحالية بعيدة عن استهداف الفصائل العراقية الموالية لإيران على غرار الحوثيين، سيما أن هذه الفصائل تُعد الآن منزوعة السلاح، بحسب وصفه، إذ لم تطلق حتى رصاصة واحدة تجاه أي مصالح أميركية في المنطقة أو ضد إسرائيل، كما كان الحال سابقاً في إطار ما سُمي بـ"وحدة الساحات" منذ تولّي الرئيس ترامب السلطة وحتى اليوم، لان الفصائل تدرك جيداً أنها ليست أكثر قدرة وإمكانية من مايسمى "بالمقاومة" في غزة وسوريا ولبنان وحتى في اليمن.

ومع ذلك، من المحتمل أن تقرر إسرائيل الانتقام من جميع الفصائل بغية كبح جماح هذه الميليشيات داخل العراق، وهو احتمال وارد وبقوة، لكن هذا لن يحصل إلا بموافقة واشنطن، وفقًا تعبيره.

ويرى المحلل السياسي أن الضربات العسكرية ضد إيران، خاصةً على مواقع البنية التحتية للمفاعل النووي الإيراني، باتت وشيكة، معتقداً أن واشنطن لن تتراجع عن إنهاء الطموحات النووية لطهران وقطع أذرعها في المنطقة، لا سيما في العراق، إلا في حال موافقة إيران على الشروط الأميركية.