قوات فاغنر دمرت القرية
يفغيني بريغوجين | Source: via REUTERS

مع التأكيد الروسي الرسمي، الأحد، على مقتل زعيم مجموعة "فاغنر" العسكرية الخاصة، يفغيني بريغوجين، في واقعة تحطم طائرة ركاب خاصة كانت تقله مع المقربين من قادة هؤلاءالمرتزقة، عادت التصريحات التي أدلى بها، الخميس، رئيس الوزراء البولندي، ماتيوش مورافيتسكي، إلى الواجهة، والتي قال فيها إن فاغنر "ستصبح أشد خطورة وشراسة تحت الإشراف المباشر لقاطن قصر الكرملين، الرئيس فلاديمير بوتين". 

وكانت لجنة التحقيق الروسية قد ذكرت،  الأحد، أن نتائج الاختبارات الجينية "أكدت" هويات الأشخاص الـ10 الذين لقوا حتفهم في حادث تحطم الطائرة، الأربعاء، وأن من بينهم مؤسس "فاغنر"، بريغوجين.

وأشارت لجنة التحقيق الروسية، إلى أن هويات الأشخاص الـ10 "تتطابق مع الأسماء الموجودة في قائمة ركاب الرحلة".

وكانت اللجنة قد أعلنت، الجمعة، العثور على جثث الضحايا، إضافة إلى الصندوقين الأسودين للطائرة.

وقالت على تليغرام: "تم العثور على جثث القتلى الـ10 في مكان حادث (تحطم) الطائرة. يتم إجراء فحوص جينية لتحديد هويتهم. ضبط المحققون مسجلي الرحلة ويتم إجراء معاينة دقيقة للمكان".

وقبل ذلك صرح مورافيتسكي أنه "يتوقع أن تشكل مجموعة فاغنر الآن، تهديداً أكبر، إذ ستصبح تحت سيطرة بوتين، بعد افتراض وفاة مؤسسها".

عدة معارضين لبوتين تعرضوا للقتل
"سياسة الانتقام".. "سلاح" بوتين لإحكام قبضته على روسيا
يرى العديد من الخبراء والمحللين أن مصرع زعيم ميليشيات فاغنر، يفغيني بريغوجين، يسلط الضوء على "علامة تجارية" خاصة بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والتي يمكن أن يطلق عليها "سياسة الثأر والانتقام"، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وقال في مؤتمر صحفي: "مجموعة فاغنر أضحت أكثر خطورة قيادة بوتين. لندع الجميع يجيبون على السؤال بأنفسهم - هل سيكون الخطر أكبر أم أقل؟".

"مخططات لموسكو.. ووضع غامض"

وفي اتصال هاتفي لموقع "الحرة" مع المحلل السياسي الروسي، أندريه إنتيكوف، أكد الأخير أن "الأوضاع لا تزال غامضة" بالنسبة لمجموعة فاغنر، وأن "الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة على العديد من الأسئلة".

وفيما إذا كان بوتين سيشرف بشكل شخصي على تلك المجموعة، كما توقع رئيس وزارء بولندا في وقت سابق، أجاب: "لا أعتقد أن بوتين سيقدم على هذا الأمر، والحقيقة أن الجماعة حاليا أمام خيارين، إما أن تبقى شركة خاصة يتولى إدراتها أحد قادتها خلفا لبريغوجين أو أن تصبح خاضعة لوزارة الدفاع (الروسية) بشكل مباشر".

واعتبر إنتيكوف أن  مجموعة فاغنر "لا يزال لديها برامج ومخططات مهمة لموسكو في القارة الأفريقية، ستسعى للحفاظ عليها والدفاع عنها".

من جانبه، رأى المحلل والباحث المصري، رمضان قرني، المتخصص في الشؤون الأفريقية، في حديث إلى موقع "الحرة"، أن "خطاب الدولة الروسية بعد محاولة التمرد الفاشلة التي جرت في أواخر يونيو الماضي، كشف عن سعي موسكو لفرض سيطرتها بشكل مباشر  على تلك المجموعة، مما يتنافى مع التصريحات السابقة لبوتين وغيره من المسؤولين الروس، بأن فاغنر هي مجرد مؤسسة عسكرية خاصة لا تخضع لسيطرة الحكومة".

وفيما يتعلق بـ"السناريو الأقرب"، قال إنتيكوف: "أن يتولى رئاسة المجموعة أحد قادتها الذين لا يزالون على قيد الحياة، ومن الذين يحظون بثقة عناصر فاغنر وثقة الرئيس الروسي في نفس الوقت".

وفي نفس السياق، قال الباحث والأكاديمي، خليل عزيمة، في اتصال هاتفي مع موقع "الحرة": "بوتين في حال استطاع تعيين قائد جديد، فإنني أتفق مع تصريحات رئيس وزراء بولندا، بأن خطرها (فاغنر) سيكون أشد بشكل عام".

وتابع: "هذه المجموعة ستشكل ورقة ضغط كبيرة على دول الاتحاد الأوروبي من جهة بيلاروس، وعلى الدول الأفريقية، وبالتالي فإن الخطر سيكون أكبر، من خلال العمليات التي يمكن أن تشنها في شكل هجمات ذئاب منفرة أو عن طريق مجموعات".

وقبل تحطم الطائرة التي أودت بحياة زعيم مجموعة "فاغنر"، ذكر تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، أن روسيا "كانت تخطط بالفعل لمستقبل هؤلاء المرتزقة في مرحلة ما بعد بريغوجين".

وذكرت الصحيفة أن "الكرملين ومرتزقة فاغنر والمجموعات العسكرية الخاصة، يتنافسون من أجل السيطرة على إمبراطورية عالمية مربحة، لكنها غامضة".

ونصب بريغوجين نفسه على أنه "زعيم فاغنر الذي لا يمكن استبداله، وسط شبكة معقدة من المرتزقة، وشركات التعدين، والمستشارين السياسيين، ونشطاء التضليل"، بحسب الصحيفة ذاتها. 

كما بنى علاقات مع حكومات أفريقية، مما سمح لمجموعة المرتزقة بـ"خدمة مصالح موسكو في جميع أنحاء القارة، وغالبا ما يكون ذلك تحت تهديد السلاح".

وقال الصحفي الروسي الذي قدم تقارير عن "فاغنر" على مدى العقد الماضي، دينيس كوروتكوف: "هناك بعض الأشخاص الأكفاء الذين يرغبون في الدخول على الخط وكسب ميزانياتها (فاغنر)، لكن لا توجد شخصية مثل بريغوجين، لديها تدفق هائل من المال، أو كفاءة وحماس مماثلين".

ومع ذلك، ظهرت إحدى الشخصيات الرفيعة في "فاغنر"، كمنافس محتمل لبريغوجين قبل تحطم الطائرة.

ويُعتقد أن أندريه تروشيف، وهو مقدم سابق في وزارة الشؤون الداخلية الروسية، كان "جهة الاتصال الرئيسية بين بريغوجين ووزارة الدفاع"، خلال الحرب في أوكرانيا. 

وكانت "فاغنر" تقاتل مع الجيش الروسي في حرب أوكرانيا، لا سيما في باخموت، المدينة التي كانت مسرحا لأعنف المعارك الدائرة شرقي البلاد.

وبحسب "واشنطن بوست"، فإن تروشيف يعد أحد الشخصيات العامة القليلة في "فاغنر"، التي "لم تكن مدرجة في قائمة ركاب الطائرة" التي سقطت شمال غربي موسكو، الأربعاء، وأدوت بحياة بريغوجين.

"نهج مؤسسي"

وعن دور  فاغنر في القارة الأفريقية بعد رحيل "طباخ الرئيس"، قال قرني: "إن تواجد تلك المجموعة في غرب القارة السمراء، خاصة في النيجر، سيؤلب الرأي العام في تلك المنطقة ضد روسيا بشكل أو بآخر، لاسيما أن هناك ميولا واضحة لرفض التواجد الفرنسي والغربي بشكل عام".

وتابع: "وعليه لن يكون من المقبول استبدال ذلك التواجد بتواجد روسي، وإذا كانت هناك تظاهرات قد خرجت مؤيدة لموسكو، فإن هذا بحسب رأيي، يدخل في باب النكاية بالسياسة الفرنسية بطريقة أو بأخرى".

كما رأى المحلل المصري أن "مستقبل تلك الميليشيات (فاغنر) في ضوء التطورات المؤسسية التي تسعى إليها موسكو (ضم فاغنر رسميا ضمن مؤسسات الدولة)، سيتعزز في جمهورية أفريقيا الوسطى بوجود نظام الرئيس فوستان آرشانج تواديرا، حيث أن الأخير كان من أوائل الذين علقوا على وفاة بريغوجين".

وأشار إلى أن النقطة الثانية تتعلق بالسودان، موضحا: "المرحلة الأخيرة شهدت انتصارات واضحة للجيش السوداني على حساب قوات الدعم السريع، وفي حال استمر الحال على نفس المنوال، فمن المتوقع أن يتراجع دور فاغنر  في ذلك البلد العربي الأفريقي، وبالتالي فإن مشروع موسكو بشأن بناء قاعدة بحرية عسكرية في ميناء بورتسودان قد يتأجل إلى أجل غير مسمى".

وفيما يتعلق بمنطقة غرب أفريقيا، أضاف قرني: "هذا الأهم من وجهة نظري، إذ أن سياسة بوتين التي انتهجها مؤخرا تتضمن إعادة التموضع، حيث كان التركيز على منطقة الوسط والجنوب الأفريقي قبل أن يتحول إلى غرب القارة".

واستطرد: "في ضوء السمعة السيئة التي أحاطت بفاغنر، لاسيما في مالي، يرجح بشكل كبيرة حرص روسيا على اتباع النهج المؤسسي وإدماج دورها في منطقة غرب أفريقيا، خاصة في الدول التي شهدت انقلابات عسكرية من خلال أن يكون عمل فاغنر عبر المؤسسة العسكرية الروسية الرسمية".

وأردف: "أتصور أن حديث بوتين خلال القمة الأفريقية الروسية التي عقدت مؤخرا في سان بطبرسغ، عن تفعيل أدوات القوة الناعمة لموسكو مع القارة السمراء، سيكون مدخلا مهما، من خلال تكريس دور الجامعات ومراكز الثقافة واللغة والفنون، وبالتالي من المرجح دمج عمل مجموعة فاغنر داخل المؤسسات الروسية الرسمية، حتى لا يتم تأليب الرأي العام الأفريقي على الكرملين".

فاغنر في أوكرانيا وسوريا

وبالانتقال إلى أوكرانيا، قال عزيمة: "دعنا ننوه في البداية بأن دور فاغنر في الحرب على أوكرانيا توقف بشكل كبير عقب محاولة التمرد الفاشلة لزعميها القتيل، وذلك نظرا لأن عدد أفراد الميلشيات الذين بقوا في روسيا لا يتجاوز 7 آلاف شخص من الذين وقعوا عقودا مع وزارة الدفاع الروسية".

وتابع: "لكن الأهم من ذلك هو أن حوالي 15 ألف مسلح من فاغنر انتقل إلى بيلاروس، مما يشكل تهديدا مباشرا لدول الجوار، سواء من حيث تدريب الجيش البيلاروسي، أو تشيكل ذئاب منفردة تنفذ عمليات تخريبية، لاسيما عند حدود بولندا".

وأضاف: "تلك المجموعات بإمكانها القيام بعمليات إرهابية على الحدود، أو المساهمة في إغراق بولندا بموجات كبيرة من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، كما حدث قبل أكثر من عام، مما سيشكل تحديا كبيرا للاتحاد الأوروبي".

وأشار عزيمة إلى أنه "في حال سيطر بوتين بشكل كاملة على تلك المجموعة من المرتزقة، فإنها ستزداد شراسة"، مردفا: "إذا استمرت فاغنر في الوجود، فإن الرئيس الروسي سيعين قائدا مخلصا له يتبع تعليماته".

واعتبر أن تعيين زعيم جديد "سيكون ورقة ضغط كبيرة على أوروبا ومصالحها في القارة الأفريقية، أملا في أن يؤدي ذلك إلى التقليل من العزلة الدولية لروسيا والتفاوض معها".

واستطرد: "جرى تشكيل نحو 10 مؤسسات عسكرية على غرار فاغنر، وبالتالي يمكن أن تندمج مع فاغنر تحت نفس المسمى أو اسم جديد، لتوظيفها في الشأن الخارجي، خاصة بعد تصريحات بريغوجين قبل مصرعه، بأن عملهم سيتركز أكثر في القارة الأفريقية".

وعلى الصعيد السوري، قال المحلل العسكري، العميد أحمد رحال، لموقع "الحرة": "بقرار من بوتين، وبعد زيارة لنائب وزير الدفاع الروسي إلى دمشق منذ حوالي يومين، التقى فيها رئيس النظام السوري بشار الأسد، وبعدها  التقى مع (قائد الجيش الوطني الليبي خليفة ) حفتر، فقد جرى إبلاغ القيادات في دمشق وبنغازي بأن فاغنر سيتم سحبها من سوريا وليبيا".

وتابع: "ما ذكرته سابقا معلومات مؤكدة وليس تحليلا، وأعتقد أن قوات روسية خاصة قد تملأ الفراغ الذي سيتركه مرتزقة فاغنر في المستقبل". 

على متن حاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان - رويترز
مشهد لحاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، يعود التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد، مثيراً تساؤلات عديدة، حول دوافعه الحقيقية وأهدافه الاستراتيجية، وماهي الاحتمالات القائمة من ورائه.

التطورات الأخيرة في المنطقة، من ضربات عسكرية في اليمن إلى مؤشرات على توسيع محتمل لدائرة الاستهداف، تطرح سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم خريطة الاشتباك في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات قد تطال إيران وحتى العراق.

ويعتقد الخبير الأمني، صفاء الأعسم، في حديث لموقع "الحرة"، أن تغييرات كبيرة ستحدث في المنطقة، قد تمتد إلى تغييرات جغرافية، كاشفا عن "تحركات للوصول إلى الحدود العراقية السورية".

واستشهد الأعسم بتصريح رئيس لجنة الأمن والدفاع الإسرائيلي الذي أشار إلى أن إسرائيل ستصل إلى نهر الفرات وستكون على حدود مباشرة مع العراق وكردستان، "مما يعني توغلاً إسرائيلياً كبيراً قد يرقى إلى شبه احتلال"، حسب تعبيره.

وأضاف الأعسم أن الولايات المتحدة قدمت قراراً إلى مجلس الأمن يقضي بإنهاء أو إلغاء العضوية الدائمة لسوريا في المجلس، إضافة إلى سحب الجوازات الدبلوماسية من المسؤولين السوريين العاملين في الأمم المتحدة، واستبدال جوازاتهم بجوازات من فئة G3، وهو ما يشير إلى تراجع وضع سوريا على الساحة الدولية إلى نقطة الصفر.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد منحتها الولايات المتحدة مهلة 60 يوماً للامتثال لشروط معينة، ولم يتبقَ منها سوى قرابة 40 يوماً، بحسب الأعسم.

وتشمل هذه الشروط وقف تسليح محور المقاومة، وإنهاء الدعم اللوجستي، وهو ما انعكس على انسحاب بعض فصائل المقاومة المدعومة من إيران من محافظة نينوى شمالي العراق.

كما أشار إلى وجود ثلاثة شروط رئيسة: إنهاء دور فصائل المقاومة، تسليم الأجهزة المتعلقة بالسلاح النووي، والتخلي عن الصواريخ الفرط صوتية.

ولفت الأعسم إلى أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أكد في تصريحاته الأخيرة أن إيران ستقاوم بشدة، محذراً من أن أي دولة تسمح لأميركا باستخدام مجالها الجوي ضد إيران ستكون هدفاً للضربات الإيرانية، وهذا يعتبره الأعسم رسائل تحذيرية لن تنفذ بل خطوة استباقية أن لا تصطف بعض الدول مع أميركا.

أما عن الولايات المتحدة، فقد وصف الأعسم الرئيس دونالد ترامب، بأنه "رجل مالي واقتصادي"، لا يحرك البوارج وحاملات الطائرات إلا بحسابات دقيقة، وأكد أن تكلفة بقاء حاملة الطائرات الأميركية في البحر ليوم واحد، تبلغ 2.5 مليون دولار، بينما تصل تكلفتها أثناء التحرك إلى 70 مليون دولار يومياً، ما يعني أن هذه التحركات ليست اعتباطية بل تهيئة لضربات عسكرية محتملة، لمعالجة وضع متأزم.

وأكد أن الضربات القادمة قد تستهدف الحوثيين، والفصائل المسلحة غير الملتزمة بالشروط الأميركية، وربما إيران نفسها، في حال لم تستجب للشروط خلال الأيام المتبقية من المهلة، وخُلص إلى أن هناك استعدادات عسكرية أمريكية واضحة، وأن الوضع في العراق قد يشهد تطورات جديدة في هذا السياق.

كما يضيف الخبير الأمني، أن قرار بعض الفصائل العراقية بترك السلاح وانسحابها من محافظة نينوى مثلا، يُعدّ خطوة إيجابية للعراق، حيث يشير هذا القرار إلى التزام تلك الفصائل بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة العراقية، التي تمنع حمل السلاح دون موافقة الحكومة العراقية.

ويرى الأعسم أن الضغوط المستمرة على إيران، سواء من خلال منع تصدير الغاز والنفط أو عبر العقوبات الاقتصادية، ستؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الداخلية، ما لم يتم التوصل إلى حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة، وبغياب هذه الحلول، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب حرب إقليمية واسعة، تتسبب بأزمات كبيرة وتتيح الفرص لتنفيذ أجندات أخرى، وفق قوله.

كما أكد الخبير الأمني، أن المفاوضات الأميركية الإيرانية في سلطنة عُمان ستكون شكلية، إذ أن التفاهم الفعلي بين الجانبين إن حصل سيتم خلف الأبواب المغلقة، وإيران تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل تحقيق طموحها النووي مستدلاً بانسحابها من سوريا الذي يعكس استعدادها للتخلي عن بعض مكتسباتها الإقليمية مقابل تقدم في الملف النووي، بيد أن التوصل إلى اتفاق إيجابي، يظل مرهوناً برؤية واشنطن، حسب تعبير الأعسم.

التهديد المؤجل: المسدس على طاولة المفاوضات

أوضح الأكاديمي، أستاذ العلاقات الدولية سعدون الساعدي، أن السبب الرئيس لهذا التحشيد الأميركي العسكري هو تطورات الأحداث في غزة وجنوب لبنان، إلى جانب سقوط النظام السوري.

هذه الحروب وتداعياتها دفعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات طارئة لضمان أمن واستقرار المنطقة، نظراً للمصالح الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، على حد قوله. إضافة إلى ضمان تدفق النفط العالمي عبر قناة السويس، وحماية الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.

أما السبب الثاني يتعلق بالتعامل مع التهديد الحوثي المدعوم من إيران والذي بات يشكل خطراً على سلسلة إمدادات النفط العالمية.

من جانب آخر، يقول الساعدي إن الولايات المتحدة تستعد للدخول في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، وهي تستخدم أسلوب الضغط على طهران عبر وسيلتين رئيسيتين، إذ تتمثل الأولى بإرسال رسائل تحذيرية إلى إيران بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء.

والوسيلة الثانية أن المفاوضات مع إيران وفقاً لرؤية واشنطن تتطلب ذراعيّن أحدهما الجانب الاقتصادي الممثل بالعقوبات المفروضة على إيران، وأيضاً التلويح بالتهديد بالقوة العسكرية عند الضرورة، حسب قوله.

وبرغم أن سياسة الرئيس ترامب تبتعد عن التدخل العسكري المباشر، لكن الساعدي أوضح أن ذلك لا يمنع من إبقاء هذا الخيار مطروحاً، وقد تستخدم الولايات المتحدة هذه القوة لضرب ماتبقى من أذرع إيران في المنطقة، كالحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة العراقية.

ولفت الساعدي إلى أن واشنطن وفي ظل هذه الظروف المعقدة، ترى أن استعراض قوتها العسكرية بات أمراً ضرورياً، حتى لو كان ذلك في إطار تهديد الطرف الأخر.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أنه فيما يخص التحشيد العسكري الأميركي، يمكن أن يُعتبر أداة ضغط، كما أن احتمالية أن تنوي الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية إلى مواقع في إيران قائمة، إلا أن الأرجح أن يكون هذا التحشيد بمثابة وسيلة للضغط على طهران.

أما بشأن توجيه ضربة عسكرية، فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات جوية فاعلة، وهذا الخيار يُستخدم كإجراء طويل الأمد تلجأ إليه واشنطن إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، على حد تعبيره.

وبحسب الساعدي، فإن الولايات المتحدة عادةً تعتمد مبدأ تعزيز موقفها التفاوضي بالقوة العسكرية، لا سيما وأن العلاقات الدولية تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما القوة العسكرية والاقتصاد، فالطرف الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً يكون في موقع أقوى ويدفع خصمه إلى تقديم تنازلات.

وفي هذا السياق، تمتلك واشنطن كلا العاملين، فهي تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية، من خلال فرض العقوبات على إيران، لذا فإن جميع السيناريوهات تظل مطروحة، في ظل هذه الأوضاع التي يعتبرها معقدة، وربما تتجنب الولايات المتحدة المواجهة المباشرة، وتترك لإسرائيل مهمة تنفيذ الضربات نيابةً عنها، على حد قوله.

وفيما يتعلق بدائرة الاستهداف العسكري الأميركي، يرى الساعدي أن هذا التحشيد والتحركات الإسرائيلية ليست موجهة بشكل أساسي ضد إيران، بل يأتي لاستهداف أذرعها في المنطقة.

وبعد تقويض حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الموالي لها، لم يتبقَ من جغرافية النفوذ الإيراني سوى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، ويعتقد الساعدي أنه في حال حدوث ضربات عسكرية في المنطقة، فإن الفصائل العراقية ستكون الهدف الأرجح، حسب قوله.

فيما يشير إلى أن واشنطن تركز اهتمامها على فصل إيران عن العراق واليمن، إذ تمثل الفصائل العراقية أداة إيران الفاعلة سواء على الصعيدين السياسي والعسكري، مما يجعلها في صدارة أهداف واشنطن، ويعتقد أن الفصائل التي ترفض الانصياع لمتطلبات واشنطن، لا شك ستنفذ ضربات عسكرية ضدها، وفقاً لحديثه.

وقال أستاذ العلاقات الدولية إن المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة بوساطة سلطنة عمان هي أشبه بجسّ نبض للطرفين، فالولايات المتحدة تسعى لمعرفة مدى تقبّل إيران لمطالبها، في حين ترغب إيران في فهم الشروط الأميركية وما إذا كانت تتوافق مع سياستها أم تمثل نوعاً من الخضوع.

ويمكن اعتبار هذه الجولة من المحادثات بمثابة تحضيرية لرسم الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة، التي ستكون طويلة وشاقة، كما ستواصل واشنطن الضغط على إيران بعقوبات اقتصادية جديدة، لذلك في حال انعقد الاجتماع التفاوضي فقد يكون لقاءً استكشافياً يهدف إلى تحديد مسار المفاوضات والاتفاق مبدئياً على إطارها العام، حسب قول الساعدي.

ترامب كشف أنه أرسل رسالة إلى الزعيم الإيراني يقترح فيها التفاوض المباشر (رويترز)
كيف يمكن إعادة فرض عقوبات أممية على إيران؟
من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات مباشرة يوم السبت بشأن برنامج طهران النووي في الوقت الذي تدرس فيه بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما إذا كانت ستطلق عملية لإعادة فرض عقوبات على إيران في الأمم المتحدة قبل انتهاء أمد الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر .

النموذج الليبي

أكد السياسي العراقي، المقرّب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتفاض قنبر، في حديث لموقع "الحرة"، أن المحادثات الحالية تمثل أول لقاء مباشر بين أعلى المستويات في الولايات المتحدة وإيران.

وبيّن أن الإطار العام لهذه المفاوضات يشبه النموذج الليبي، حين قام معمر القذافي بالتخلي الكامل عن برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وفتح منشآتها للتفتيش من دون أي شروط، كما قطع نظامه علاقته بالإرهاب الدولي، والتزم القذافي حينها بهذه المطالب بشكل كامل، دون تلاعب أو أجندات خفية، على حد تعبيره.

واليوم، السؤال المطروح، يقول قنبر، هل ستقبل إيران بقطع علاقاتها مع ميليشياتها في المنطقة كافة، وهل ستقبل بتفكيك منشآتها النووية بالكامل، ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة صعبة، خاصة في ظل وجود المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لا يبدو مستعداً لتقديم مثل هذه التنازلات، بحسب قوله.

ويرى الخبير في السياسات الأميركية، أن المفاوضات لن تقتصر فقط على شرط واحد ممثلاً بتفكيك البرنامج النووي، بل يشمل فتح كامل المشروع النووي والتنازل والتخلي عنه نهائيا، ووقف إنتاج وتطوير الصواريخ الاستراتيجية، بالإضافة إلى قطع العلاقات كافة مع الفصائل والميليشيات المسلحة في عموم المنطقة، إن وافقت إيران على هذه المطالب ستكون هناك أفاق جديدة لهذه المفاوضات، بحسب روايته.

ويضيف أن هذه المطالب تتجاوز بكثير ما كان مطروحاً في عهد أوباما، وهي أكثر عمقاً وتشدداً، من المفاوضات السابقة، لأن الرئيس ترامب، يقول قنبر، يُعد تهديداً جدياً وواضحاً لإيران، وهو يهيئ خيارات عسكرية صارمة ليتم الشروع فيها إن لم تحقق أجندة واشنطن في هذه المفاوضات، على حد وصفه.

وبشأن رفض طهران الشروط الأميركية واحتمالية وقوع ضربة عسكرية تستهدف إيران، أشار قنبر، إلى أن الرئيس دونالد ترامب، قالها صراحة إن هناك كارثة بانتظار إيران إن لم تستجب، ويرى أن هذه التهديدات ستُترجم على أرض الواقع، ولا تشبه المفاوضات ولا التهديدات السابقة، وفقاً لما ذكره.

ويعتقد قنبر أن تهديد واشنطن في هذه المرحلة يتوشح بالجدية العالية، خصوصاً مع وجود تجهيزات وتحضيرات عسكرية متقدمة وكبرى، في قاعدة دييغو غارسيا وسط المحيط الهندي، مثل قاذفات القنابل "بي 2"، الثقيلة التي تحمل قنابل بمئات الأطنان والمخصصة لضرب التحصينات تحت الأرض بمئات الأمتار، كل ذلك يشير إلى أن ترامب جاد في تهديده، كما هو جاد في رغبته بالتفاوض، وفقاً لحديثه

العراق في قلب التوتر

بيّن عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، مثنى أمين، في تصريح لموقع الحرة، أن أي تصعيد في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس بلا شك على الوضع في العراق، نظراً لوجود نوع من الاعتماد المتبادل في الجانب الأمني بين العراق وإيران من جهة، والعراق والولايات المتحدة من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الحساسة في المنطقة.

وأوضح أن المفاوضات الجارية بين الجانبين، إذا نجحت في تخفيف حدة الأزمة أو التوصل إلى رؤية مشتركة حول المصالح، فإنها قد تُسهم في تجنيب المنطقة مخاطر الحروب.

أما إذا فشلت تلك المفاوضات، فقد تواجه المنطقة موجة جديدة من الحرب أو ضربات عسكرية أميركية ضد إيران، وبما أن القوات الأميركية موجودة داخل العراق، فمن المرجح أن يكون هناك رد فعل إيراني، ما سيحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مشتعلة، بحسب قوله.

وشدد أمين على ضرورة أن يحافظ العراق على استقلالية موقفه، وأن لا ينحاز إلى أي طرف في هذه الصراع، وأضاف: "نؤكد دوماً على تبني سياسة مستقلة تبعد العراق عن أن يكون طرفاً في أي صراع إقليمي".

وبشأن الحراك العسكري، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية إلى أن واشنطن إذا قررت ضرب إيران، فربما تكون البداية من العراق، من خلال استهداف الفصائل الموالية لطهران، وقد تقوم هذه الفصائل بردود فعل تؤثر سلباً على سيادة العراق وتزجّه في قلب المواجهة، على حد تعبيره.

وعن رؤيته لطبيعة المفاوضات المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران، أكد أمين أن هذه المفاوضات لن تكون شكلية، بل ستسعى لحسم الخلافات، خصوصاً وأن إيران دولة اعتادت التعامل مع مثل هذه الأزمات، وقد تقدم في اللحظات الأخيرة ما يجنّبها المواجهة العسكرية المباشرة مع الأميركيين، بحسب تعبيره.

وفيما يتعلق بوجود حراك نيابي في تجنيب العراق تداعيات أي تصعيد، أشار أمين إلى أن الحراك النيابي لن يكون مؤثراً، فالوضع خرج من إطار النقاشات والحراك الديبلوماسي وأصبح في مرحلة التنفيذ وربما المواجهة العسكرية، على حد قوله.

 

وأكد المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، نزار حيدر، أن الهدف الأساسي من التحشيد العسكري الأميركي كان احتواء تداعيات حرب غزة، إلا أنه بعد وصول إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت القوات الأميركية بالانتشار بشكل أوسع في محيط منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي وراء ذلك هو إيران، حسب تعبيره.

وأوضح، أن هناك مؤشرات على وجود اتفاق بين واشنطن وتل أبيب يستهدف ضرب البُنى التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية، وقرار تنفيذ ضربات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تم اتخاذه بالفعل، أو سيُتخذ في قادم الإيام، مرجحا تنفيذه خلال النصف الأول من العام الجاري، وأضاف أن التراجع عن هذا القرار يرتهن بموافقة طهران على الشروط التي تضعها واشنطن، حسب قوله.

وأشار حيدر إلى أن تأجيل الرئيس ترامب توجيه ضربات عسكرية لإيران، وقيامه أولاً باستهداف الحوثيين في اليمن، يهدف إلى السيطرة على الممرات المائية الدولية.

كما بيّن أن الهدف الأخر لهذه الاستراتيجية هو محاصرة الصين، كما أن واشنطن لا تزال تأمل في أن ترضخ طهران وتعود إلى طاولة المفاوضات، ولذلك تم تأجيل أي عمل عسكري مباشر ضدها، ومع ذلك، وفي حال خابت هذه الآمال، فإن الحل سيكون توجيه ضربة عسكرية حسب رأيه.

وبشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران، التي ستُجرى في سلطنة عمان، يرى المحلل السياسي، أن هذه المفاوضات ستتسم بجدية عالية، ويُتوقع أن يطالب الوفد الأميركي بشكل مباشر بتفكيك المشروع النووي الإيراني، وهذا الأمر غير قابل للتفاوض.

وإذا قبلت إيران مناقشة هذا الموضوع تحديداً، فستكون هناك جولات ثانية وثالثة، على ألا تتجاوز مدة المفاوضات شهرين، أما إذا رفضت إيران ذلك بشكل قاطع، فلن تُعقد جولات إضافية من المفاوضات، بحسب قراءته.

وأشار حيدر إلى أن الحسابات الأميركية الحالية بعيدة عن استهداف الفصائل العراقية الموالية لإيران على غرار الحوثيين، سيما أن هذه الفصائل تُعد الآن منزوعة السلاح، بحسب وصفه، إذ لم تطلق حتى رصاصة واحدة تجاه أي مصالح أميركية في المنطقة أو ضد إسرائيل، كما كان الحال سابقاً في إطار ما سُمي بـ"وحدة الساحات" منذ تولّي الرئيس ترامب السلطة وحتى اليوم، لان الفصائل تدرك جيداً أنها ليست أكثر قدرة وإمكانية من مايسمى "بالمقاومة" في غزة وسوريا ولبنان وحتى في اليمن.

ومع ذلك، من المحتمل أن تقرر إسرائيل الانتقام من جميع الفصائل بغية كبح جماح هذه الميليشيات داخل العراق، وهو احتمال وارد وبقوة، لكن هذا لن يحصل إلا بموافقة واشنطن، وفقًا تعبيره.

ويرى المحلل السياسي أن الضربات العسكرية ضد إيران، خاصةً على مواقع البنية التحتية للمفاعل النووي الإيراني، باتت وشيكة، معتقداً أن واشنطن لن تتراجع عن إنهاء الطموحات النووية لطهران وقطع أذرعها في المنطقة، لا سيما في العراق، إلا في حال موافقة إيران على الشروط الأميركية.