"25 سنة من الإبادة والتطهير العرقي دفعت الأرمن إلى الهرب"، بهذه العبارة يؤكد الناشط الحقوقي الأرمني، سركيس بلخيان، استمرار وصول مئات المركبات إلى المناطق الحدودية مع إقليم ناغورني قره باغ.
ويوضح بلخيان، في تصريح لموقع "الحرة"، أن سكان الإقليم اختاروا الهرب لأنهم "لا يثقون في وعود السلطات، خاصة بعد معاناتهم السابقة والطويلة مع الإبادة والتطهير العرقي، بكل الطرق والوسائل".
ولليوم الثاني على التوالي، تواصل اللجوء من ناغورني قره باغ إلى أرمينيا، في أعقاب التوترات الأخيرة التي شهدها الإقليم الذي تسيطر عليه أذربيجان وتسكنه غالبية أرمينية.
وأفادت يريفان، الثلاثاء، بأن 19 ألف شخص على الأقل فرّوا من قره باغ، منهم 2500 في مراكز إيواء مؤقتة، بعد حوالي أسبوع تقريبا من الهجوم الخاطف الذي قادته قوات باكو في هذه المنطقة المتنازع عليها.
"هربا من التطهير والإبادة"
وقالت قيادة إقليم ناغورني قرة باغ الانفصالية لرويترز، الأحد، إن الأرمن في المنطقة "سيغادرون إلى أرمينيا لأنهم لا يريدون العيش تحت سيادة أذربيجان ويخشون من التطهير العرقي".
وعن وجهة هؤلاء الأرمن، يوضح بلخيان أن أعدادا كبيرة من النازحين وصلت إلى الحدود الأرمينية ـ الأذربيجانية، خاصة في محافظتي غوريس وكورنيدزور، مشيرا إلى أن عددا منهم يغادرون نحو العاصمة، ومدن البلاد الأخرى.
وعن السبب وراء حملة اللجوء في ظل التطمينات الأذربيجانية، يقول بلخيان: "سياسة أذربجيان تمثلت في تنسيق الهجوم على المنطقة يوم 19 سبتمبر، الذي قتل خلاله مئتي شخص، وأصيب أكثر من 400، بالإضافة إلى نزوح أكثر من 10 آلاف شخص داخل الإقليم، خلال ساعات قليلة".
جهود الإدماج وغياب الثقة
وفي المقابل، تعهد رئيس أذربيجان، إلهام علييف، الاثنين، بـ"ضمان" حقوق الأرمن في الإقليم المتنازع عليه بين باكو ويريفان، في منع الآلاف من سكان الإقليم من النزوح إلى أرمينيا المجاورة، والتي أقامت مراكز لاستقبال النازحين.
وأكد علييف، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي، رجب طيب إردوغان، في ناخيتشيفان، أن "سكان ناغورني قره باغ، بغضّ النظر عن انتمائهم الإتني، هم مواطنون أذربيجانيون، وستضمن الدولة الأذربيجانية حقوقهم".
وتعهدت أذربيجان السماح للمتمردين الذين يستسلمون الانتقال إلى أرمينيا. ويخشى كثيرون أن يفر السكان المحليون بأعداد كبيرة فيما تعزز القوات الأذربيجانية سيطرتها.
بينما ينفي المحلل السياسي الأذربيجاني، شيخ علي علييف، أن تكون هناك موجة لجوء من أرمن يخشون الدولة الأذربيجانية.
ويرى علي علييف، في تصريحات لموقع "الحرة"، أن عمليات النزوح يقوم بها فقط "أعضاء الميليشيات الأرمينية المسلحة وعائلاتهم، بعد أن استسلموا وسلّموا أسلحتهم للخروج من البلاد"، مضيفا أن من بين الراغبين في العودة إلى أرمينيا أيضا من وصفهم بـ"المستوطنين الجدد".
ويبلغ عدد سكان الإقليم المتنازع عليه بين أذربيجان وأرمينيا 120 ألف نسمة، أغلبهم من عرقية الأرمن.
وقال، دافيد بابايان، مستشار رئيس (جمهورية أرتساخ) التي أعلنها الانفصاليون من جانب واحد لرويترز "شعبنا لا يريد العيش كجزء من أذربيجان. 99.9 بالمئة يفضلون مغادرة أرضنا التاريخية".
وأكد علي علييف في تصريح لموقع "الحرة"، أن بلاده عبرت عن استعدادها لإعادة دمج السكان الأرمن القاطنين في قره باغ بالمجتمع الأذربيجاني.
ولفت إلى أنه بالرغم من أن هذه المنطقة شهدت ما اعتبرها "عمليات استيطانية للأرمن الوافدين من أرمينيا والبلدان الأخرى، أكدت باكو استعدادها لقبول كل من يريد أن يصبح مواطنا لأذربيجان بغض النظر عن انتماءاته الدينية والعرقية".
بالمقابل، يؤكد بلخيان أن "جميع الأرمن بالإقليم يرغبون في الرحيل بعد كل ما قاسوه خلال السنوات الماضية".
وأوضح أنه بعد فتح ممر لاتشين، الذي يربط بين أرمينيا ومنطقة قره باغ "هرب آلاف الفارين الذين لا يثقون بسياسات باكو ولا بتعهداتها"، مضيفا أن الأيام المقبلة ستشهد "رحيل كل الأرمن من الإقليم".
وأعلنت سلطات ناغورنو قره باغ، الأحد، أن المدنيين الذين شردتهم أعمال العنف الأخيرة سينقلون إلى أرمينيا بمساعدة جنود حفظ سلام روس ينتشرون في المكان منذ الحرب السابقة بين الطرفين في عام 2020.
ويأتي ذلك بعد مواجهات لم تدم لأكثر من 24 ساعة بين القوات الأذربيجانية والقوات الانفصالية في الإقليم المتنازع عليه، تمكنت خلالها باكو من فرض سيطرتها على الإقليم.
من جانبه، يؤكد سركيس قصارجيان، الصحفي المتخصص بملف تركيا والقوقاز، أنه من المؤكد أن أرمن الإقليم يفضلون أو يرغبون في العيش تحت سيادة الحكومة الأرمينية في أرمينيا، بعدما أصبحت إدارة الإقليم بأنفسهم غير ممكنة نتيجة التطورات الأخيرة.
ويضيف قصارجيان في تصريح لموقع "الحرة" أن الجزء الأكبر من سكان الإقليم سيهاجرون إلى أرمينيا ولن يتبقى إلا جزء أو نسبة قليلة جدا تتألف غالبا من كبار السن الذين يرفضون مغادرة أراضيهم وترك أشجارهم خلفهم".
ويبرز المتحدث ذاته أن موضوع الرغبة في البقاء أو الرحيل "لم يعد حاسما لأن الأهم الآن هو الوضع الجديد القائم، الذي لا يبعث على الأمل بالنسبة للأرمن في الإقليم، الذين سعوا بشتى الوسائل البقاء والاستمرارية في أراضيهم التاريخية".
بالمقابل، يرى المحلل الأذربيجاني، أن بلاده أطلقت، خلال الأيام الأخيرة، مجموعة من الخطوات والمبادرات التي تعكس أن برنامجها لإعادة الإدماج "جاهز"، موضحا أن "الحكومة أرسلت مساعدات إنسانية وقوافل طبية إلى الإقليم، بالإضافة إلى ربط مركز الإقليم بشبكة الطاقة الأذربيجانية، عوض الأرمينية".
ويضيف أن الجيش وقوات الشرطة الأذربيجانية تعيد النظام الدستوري إلى تلك المناطق، بالتعاون مع قوة حفظ السلام الروسية فيها، كاشفا أن عددا غير قليل من الأرمن يريدون البقاء في قره باغ كمواطنين أذربيجانيين، لافتا إلى ترحيب باكو بذلك وتعهدها بضمان حقوقهم الاقتصادية والثقافية.
أوضاع إنسانية صعبة
وفيما أشار الناشط الحقوقي الأرميني إلى أن السلطات الأرمينية تسعى للتعامل مع موجات النزوح المرتقبة، من خلال توفير 40 ألف مسكن لاستقبالهم، وخطط أخرى لزيادة هذه الحصة وإيجاد أماكن إضافية لكل السكان اللاجئين، توقع أن تكون الأوضاع صعبة مع وصول موجات بشرية أخرى من النازحين.
وفي هذا السياق، ناشدت مسؤولة أميركية كبيرة أذربيجان، الثلاثاء، بتسهيل توصيل مساعدات إنسانية ضرورية للمدنيين الأرمن في إقليم ناجورني قرة باغ، واصفة الوضع هناك بأنه "مروع".
وخلال زيارة إلى أرمينيا، قالت، سامانثا باور، رئيسة الوكالة الأميركية للتنمية، إن الولايات المتحدة ستقدم مساعدات إنسانية قيمتها 11.5 مليون دولار.
وأضافت أن "من المهم للغاية" أن يتم السماح للمراقبين المستقلين ومنظمات الإغاثة بالوصول إلى الناس الذين ما زالوا في حاجة ماسة إلى المساعدة في ناغورنو قرة باغ.
وبتوجيهات من رئيس أذربيجان، تأسست مجموعة عمل تضم عدة هيئات ووزارات تحت رئاسة نائب رئيس الوزراء، شاهين مصطفايف، بغرض معالجة المسائل الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والمسائل المتعلقة بالبنية التحتية في منطقة قره باغ، وفقا لعلي علييف.
كما تم اقتراح تنظيم زيارات لممثلي المجتمع المدني والنشطاء من أصول أرمينية إلى باكو والمدن الأخرى، وفق المتحدث الذي أشار إلى أهمية مثل هذه المبادرات في إنشاء منصة حوار وبناء الثقة، مؤكدا ثقته في أن باكو "ستنجح في إحلال السلام والاستقرار في المنطقة وإعمارها والعمل على ازدهارها".
مستقبل المناقشات
ويرتقب أن يحتضن الاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، في بروكسل، مباحثات بين مسؤولين كبار عن أرمينيا وأذربيجان، الجمهوريتين السوفياتيتين السابقتين اللتين تواجهتا عسكريا في الإقليم، خلال الفترة بين 1988 إلى، 1994، في حرب خلفت 30 ألف قتيل وفي خريف العام 2020، في مواجهات أودت بأرواح 6500 شخص.
كما يتوقع أن يجتمع رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، ونظيره الأذربيجاني إلهام علييف في الخامس من أكتوبر في غرناطة في إسبانيا، بمشاركة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني، أولاف شولتس، ورئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال.
وعما يتوقع أن تسفر عنه هذه الاجتماعات، يرى علي علييف، أن باكو "لطالما وفت بتعهداتها والتزاماتها أمام مجتمعها والمجتمع الدولي. وأثبتت وفاءها في عملها"، مؤكدا أنها تسعى فقط إلى "استعادة سيادتها وإخلاء المنطقة من الأسلحة والميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون. وهذه رغبة تحضر لدى كل الدول".
وفيما يتعلق بالمخاوف التي أثارها الناشط الأرميني بشأن "سياسات عمليات التطهير والإبادة" التي تنفذها باكو بحق الأرمن، قال المتحدث ذاته إن "لا أساس لها"، مشيرا إلى أن "قوى أرمينية وخارجية تسعى إلى زعزعة الاستقرار والثقة بين الناس".
ولهذا تنتشر على حد قوله "مقاطع فيديو مفبركة ومعلومات كاذبة عن "التعذيب" و"الاضطهاد" لتخويف الأرمن البسطاء وإجبارهم على النزوح"، مضيفا أن "من يريد البقاء في قره باغ كجميع مواطني أذربيجان المتساوي الحقوق، فهو مرحب به".
