تشهد دول مختلفة طقسا قاسيا ينسبه الخبراء إلى ظاهرة الاحتباس الحراري
تشهد دول مختلفة طقسا قاسيا ينسبه الخبراء إلى ظاهرة الاحتباس الحراري

أعلن مرصد كوبرنيكوس الأوروبي، الخميس، أن "شهر سبتمبر الماضي كان الأكثر حرا على الإطلاق الذي يسجل على مستوى العالم" وقد تخطى الرقم القياسي السابق المسجل في 2020 بفارق كبير بلغ نصف درجة مئوية.

كذلك، أعلن المرصد في تقريره الشهري أن معدل درجات الحرارة في العالم منذ مطلع هذا العام يزيد بـ1,4 درجات مئوية عما كان عليه قبل الثورة الصناعية.

وقال المرصد إن متوسط درجة الحرارة في العالم بين يناير وسبتمبر هو الأعلى على الإطلاق خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.

وفيما يزيد هذا المتوسط 0,05 درجة مئوية عما كان عليه في العام 2016 الذي كان قياسيا من حيث درجات الحرارة، فقد يرتفع أكثر خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام نظرا إلى اشتداد ظاهرة إل نينيو المناخية التي تبلغ ذروتها عادة في فترة عيد الميلاد.

وقال كارلو بوونتيمبو، مدير مرصد كوبرنيكوس، لوكالة فرانس برس "ليس مؤكدا أن الزيادة في درجات الحرارة عام 2023 ستصل إلى عتبة 1,5 مئوية. لكننا أوشكنا على ذلك".

ونص اتفاق باريس على حصر الاحترار العالمي بحدّ أقصاه 1,5 درجة مئوية مقارنة بدرجة حرارة سطح الكوكب خلال الفترة التي سبقت الثورة الصناعية.

غير أن الاتفاق استند إلى تطور المناخ على مدى فترات طويلة وعقود وليس سنوات وتتوقع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التي تضم خبراء مناخ مفوضين من الأمم المتحدة، أن يتم بلوغ عتبة 1,5 درجة مئوية بحلول الأعوام 2030-2035.

فارق "استثنائي" 

الخميس، أفاد كوبرنيكوس أن "سبتمبر 2023 هو أكثر أشهر سبتمبر حرا على الإطلاق على مستوى العالم".

وأشار المرصد إلى أن متوسط درجة الحرارة على سطح الكوكب بلغ 16,38 درجة مئوية، متجاوزا المعدل القياسي المسجل في سبتمبر 2020 بفارق "استثنائي" مقداره 0,5 درجة مئوية.

وأضاف أنها "حالة شاذة غير مسبوقة" إذ تزيد بمقدار 1,75 درجة مئوية عن معدل درجات الحرارة لشهر سبتمبر في الفترة 1850-1900"، أي قبل تأثير انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن النشاط البشري على المناخ.

وتأثرت كل القارات بدرجات حرارة استثنائية، وفي أوروبا، سجل سبتمبر 2023 حرارة قياسية بلغت أكثر من 35 درجة مئوية في فرنسا حتى مطلع أكتوبر.

وفي الشهر نفسه، دمرت الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال العاصفة "دانيال" والتي يرجح أنها تفاقمت بسبب تغير المناخ بحسب دراسات أولية، شمال شرق ليبيا واليونان.

منازل مدمرة بعد عاصفة قوية وأمطار غزيرة ضربت درنة بليبيا في 16 سبتمبر 2023
ارتفاع درجة حرارة المتوسط.. تحذير من "أعاصير متوسطية" قريبة ومطالب بالاستعداد المبكر
تسبب ارتفاع درجة حرارة مياه البحر المتوسط في "اشتداد قوة" العاصفة العاتية "دانيال" التي ضربت شرق ليبيا، بينما يكشف مختصون لموقع "الحرة" أسباب ذلك، ويدقون ناقوس الخطر بشأن إمكانية نشوب "أعاصير متوسطية" بالمنطقة خلال الفترة القادمة. 

وشهد جنوب البرازيل وتشيلي أيضا فيضانات في سبتمبر، فيما تواجه منطقة الأمازون حاليا جفافا شديدا يؤثر على أكثر من 500 ألف من سكانها.

أما القطبان فيشهدان ذوبان جليدهما: الغطاء الجليدي في القطب الجنوبي ما زال عند مستوى منخفض قياسي، فيما الغطاء الجليدي في القطب الشمالي أقل من المتوسط بنسبة 18 بالمئة، وفق كوبرنيكوس.

ويؤدي ارتفاع درجة حرارة البحار التي تمتص 90 بالمئة من الحرارة الزائدة الناجمة عن النشاط البشري منذ العصر الصناعي، دورا رئيسيا في ذلك.

People swim in the Shatt al-Arab waterway on a hot day in Basra, Iraq, Thursday, June 8, 2023. (AP Photo/ Nabil al-Jurani)
"غليان عالمي" و"مرحلة اللاعودة".. متى تنتهي الموجة الحارة؟
شهدت الفترة الماضية "موجة حارة" أثرت على غالبية دول العالم وامتد أثرها للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بينما يكشف خبراء لموقع "الحرة" عن مدى إمكانية انحسار تلك الموجة قريبا، وتوقعاتهم لأنماط "التغيرات المناخية" التي قد يشهدها العالم في المستقبل القريب.

وبحسب نظام قياس كوبرنيكوس، وصل متوسط درجة حرارة البحار إلى 20,92 مئوية في سبتمبر، وهو رقم قياسي شهري جديد وثاني أعلى متوسط بعد أغسطس 2023.

وخلال الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (كوب28) المقررة في دبي، سيكون موضوع التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري في قلب المفاوضات بين الدول غير القادرة حتى الآن على التوفيق بين متطلبات اتفاق باريس للحد من ظاهرة احترار المناخ وضمان تطلعات تنمية للبشرية.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.