شابات أمازيغيات خلال مهرجان "خطوبة موسم" السنوي بالقرب من قرية إملشيل في جبال الأطلس العالية وسط المغرب
الأمازيغ هم من سلالة سكان شمال أفريقيا تواجدوا قبل وصول العرب

"البربر"، أو من يسمون أنفسهم، "أمازيغ"، هم من سلالة سكان شمال أفريقيا، قبل وصول العرب. يعيشون في مجتمعات متفرقة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر ومالي والنيجر وموريتانيا، ويتحدثون لهجات أمازيغية مختلفة، واليوم يواجهون صراع هوية.

خصص برنامج "الحرة تتحرى" تحقيقا لقضية الأمازيغ الذين يخوضون معركة للحفاظ على هويتهم ولغتهم.

في أغادير، على بعد نحو 500 كلم جنوب العاصمة المغربية، هكذا يسمي الأمازيغ بلغتهم الأم هذا "الحصن" الذي يحمل بصمتهم منذ مئات السنين.

ويقول عضو اتحاد المؤرخين العرب، محمد رفعت الإمام، إن "الأمازيغ من أقدم الشعوب المتواجدة على وجه الكرة الأرضية".

ويضيف "الأمازيغ بمعنى  الأشراف، الأحرار، النبلاء هم أقدم من سكن شمال أفريقيا، لا نستطيع أن نجزم أن الأمازيغ هم أصل شمال أفريقيا، لكن المؤكد أنهم من أوائل السكان الذين استوطنوا هذا الإقليم".

وعلى مدى قرون، وطبقا لتقارير دولية، تعرض الأمازيغ لخطر طمس هويتهم، وهو تهديد فرضته حضارات وإمبراطوريات متعاقبة، ويستمر حتى اليوم، بحسب ما يرى مراقبون.

ويذكر تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: "عانت الثقافة الأمازيغية من التضييق والإنكار، ومحاولات الدمج بالمجموع القومي العربي المتشكل، ما يوازي التجربة الكردية في المشرق".

ويقول رئيس لجنة التنسيق للشعوب الأصلية في أفريقيا، محمد حنداين : "حاول الرومان رومنة الشعب الأمازيغي، وحاول الفرنسيون فرنسة الشعب الأمازيغي، كذلك حاول القوميون العرب تعريب الشعب الأمازيغي أيديولوجيا، لكنه بقي هو شعبا استيعابيا، يستوعب كل الثقافات دون أن يفرط في هويته الأصلية".

وتقول نائبة رئيس الكونغرس العالمي الأمازيغي، أماني الوشاحي،: "جاءت هذه الحركة الأمازيغية لإحياء الهوية الأمازيغية، لمحاربة التذويب داخل الهوية العربية، التي فُرِضت علينا جبرا".

وتضيف "نناضل من أجل فرض أنفسنا، نناضل من أجل أن نقول لا، أنا موجود أنا لي هوية مميزة. أنا أمازيغي وهذا حقي. أنا لست عربيا'".

ويقول الناشط الأمازيغي الجزائري المقيم في فرنسا، أكسل بلعباسي: "عندما دخلت المدرسة لأول مرة اكتشفت وجود لغة اسمها اللغة العربية، أنا بنفسي رأيت تلاميذ ضربوا داخل القسم، لأنهم تكلموا باللغة القبائلية (الأمازيغية)".

ويضيف "من الصعب أن تتحكم في مشاعرك عندما تكون صغيرا، نعم في بعض الأحيان تشعر بالنقص، تشعر كأنك محجور".

وفي تقرير للسفارة الأميركية لدى الجزائر عن حقوق الإنسان "تؤكد جماعات الأمازيغ أنها تعاني من فقدان تقاليدها ولغتها بسبب التعريب، على الرغم من أن الدستور الجزائري، لعام 2020، يعترف بالأمازيغية كإحدى اللغات الرسمية للبلاد، إضافة إلى اعتراف الحكومة بها، عام 2017".

وانتشر الأمازيغ على مساحة شاسعة تمتد من غرب مصر إلى جزر الكناري الإسبانية، ومن ساحل المتوسط الجنوبي إلى أعماق الصحراء الكبرى، في النيجر ومالي.

وفي غياب إحصائيات رسمية حول أعداد الأمازيغ اليوم، أصدرت لجنة التنسيق للشعوب الأصلية في أفريقيا تقديرات في تقرير خاص.

وأفاد التقرير "قد يصل عدد الأمازيغ في شمال أفريقيا إلى أكثر من 30 مليون نسمة، ويمثلون نسبة كبيرة من سكان الجزائر والمغرب وتونس".

ويقول حنداين، إنه "بحسب الدراسات التي قامت بها الحركة الثقافية الأمازيغية والدراسات العلمية، فإن ما بين 60 إلى 65 في المئة من سكان المغرب ما زالوا يتحدثون الأمازيغية في مناطق متعددة، وبالنسبة للجزائر ما بين 20 إلى 30 في المئة، وفي تونس أقل من ذلك، نحو 10 في المئة، وفي لبيبا نفس الشيء".

وتتشابه ملامح الأمازيغ مع تقاسيم عرب شمال أفريقيا، ويتكلمون لغة الضاد. وللوهلة الأولى، قد تظن أنهم عرب، ولكنهم يصرّون على تفرد هويتهم ولغتهم وعاداتهم، وحتى تقويمهم السنوي.

يقول حنداين إن تقويم الأمازيغ القديم "يبدأ من 930 قبل الميلاد، وهي مناسبة انتصار الملك شيشنق على الفراعنة، ويعتبرون هذا الانتصار بداية تاريخهم".

وبعدها بنحو ستة قرون، ومع توسع الإمبراطورية الرومانية في شمال أفريقيا  لُقّب الأمازيغ بـ "البربر"، وهو اسم أطلقته روما وقتها على الشعوب الأجنبية، التي لا تتحدث لغتها.

ويقول المنسق الوطني للعصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان في المغرب، إنغير بو بكر: "أنا أحتج على هذه الكلمة، باعتبار أن البربر هي ترجمة ركيكة وغير دقيقة، لـ'Berber' من الفرنسية. هي ليست بربر، لأن بربر هو متوحش".

ومن بعد الرومان، جاء العرب، وبحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وصل المستعمر الفرنسي.

يقول رفعت الإمام إن "الاستعمار الفرنسي تحديدا، أسس لقاعدة 'فرق تسد'، وحاول أن يخلق ازدواجية في شمال أفريقيا، ما بين المسلم العربي، والمسلم الأمازيغي، ولكن الأمازيغ انحازوا للوحدة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي".

وأضاف "وبعد خروج الاستعمار الفرنسي بدأت الأنظمة الوطنية في شمال أفريقيا تفرض العروبة على الأمازيغ، ولا تعترف بهويتهم".

وموجة الاستقلال التي اجتاحت شمال أفريقيا بحلول الخمسينيات ترافقت مع صعود للقومية العربية، ما انعكس سلبا على السكان الأمازيغ.

يضيف حنداين: "أثناء القومية العربية في الستينيات والسبعينيات، كان منظرو القومية العربية يحاولون (فرض) تعريب إيديولوجي عنيف في شمال أفريقيا، هو الذي نعارضه، يعني يريد أن يمحي الثقافة الأمازيغية، والطقوس الأمازيغية، ويعتبرها جاهلية".

ومع اقتراب القرن العشرين من نهايته، ورغم تراجع المد القومي العروبي بقي ما وصفته تقارير حقوقية بالتضييق على الهوية الأمازيغية.

وفي رسالة إلى وزير الداخلية المغربي قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش": "إننا قلقون من التقارير التي ورد فيها استمرار السلطات في رفض قبول بعض الأسماء الأمازيغية  التي يحاول الآباء إطلاقها على مواليدهم في مكاتب الحالة المدنية التابعة لوزارتكم، إن رفض السماح للناس باختيار أسماء أطفالهم انتهاك للحق في الخصوصية وحرية التعبير، وهما حقان تعهد المغرب بصيانتهما".

ويرى ناشطون أن الأسماء الأمازيغية لم تكن وحدها الممنوعة، إذ يقول إنغير بو بكر: "عندما كنا نريد تقديم تصريح تأسيس جمعية كنا نعاني من المضايقات الإدارية".

وأضاف أن "الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية في المغرب، كانت لا تستطيع أن تسمي نفسها بجمعية تامينيت إلى 1999 أو 2000".

وأشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2011 إلى أن المغرب يضم "آلاف الجمعيات المستقلة، لكن المسؤولين الحكوميين يعيقون بشكل تعسفي تقنين بعض المنظمات ما يقوض حريتها في العمل، وتشمل المجموعات المتضررة تلك التي تدافع عن حقوق الصحراويين والأمازيغ".

واعترف دستور المغرب الجديد رسميا باللغة الأمازيغية بعدها بخمس سنوات، صدر قانون لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

وتنص المادة 2 من القانون التنظيمي رقم 16-26 في المغرب على أنه "تعمل الدولة بجميع الوسائل المتاحة على تعزيز التواصل باللغة الأمازيغية في مختلف مجالات الحياة العامة، ذات الأولوية باعتبارها لغة رسمية للدولة، ويعد تعليم اللغة الأمازيغية حقا لجميع المغاربة بدون استثناء".

ويقول بو بكر إن المرحلة الحالية في المغرب، "مرحلة الاعتراف التام، هي مرحلة مهمة، وأصبحت الحكومة إلى حد كبير تعترف بحقوق الأمازيغ، رغم أن هناك بعض التعثرات، وهناك بطء في مستوى مجموعة من الاتجاهات والقطاعات، ويجب العمل أكثر على تسريع الاعتراف الثقافي واللغوي، وإنصاف الأمازيغية لغة وثقافة وحضارة".

وفي الجزائر، وخلال نفس الفترة، كان الوضع أكثر تعقيدا.

يقول بلعباسي إن "الجزائر حاولت بكل الطرق، ما زالت تحاول إلى يومنا هذا، أن تلغي هذه الهوية الأمازيغية في الجزائر، ولولا نضال وصمود الشعوب الأمازيغية، وخاصة الشعب القبائلي، أظن أننا لن نتكلم اليوم على قضية، اسمها قضية الأمازيغ".

وخلال العقود الماضية، شهدت الجزائر  العديد من الصدامات بين الدولة والأمازيغ، إذ يقول أستاذ الدراسات العربية والأدب المقارن في كلية وليامز الأميركية، إبراهيم الكَبلي: "استقلال الجزائر كان استقلالا دمويا جدا، ما يعني أنه كان إرثا ثقيلا جدا، والحركة الأمازيغية في الجزائر انطلقت من باريس، هذا وحده يكفي، في نظري، لكي يجعل رد فعل السلطة تجاهها، يتسم بالقوة والعنف والرفض".

في أبريل عام 1980، اندلع ما عرف بـ "الربيع الأمازيغي"، والذي انطلقت شرارته الأولى من الجزائر العاصمة باحتجاج على منع الأمن لمحاضرة عن الشعر الأمازيغي.

وقالت صحيفة واشنطن بوست: "فرقت الشرطة بالعنف 400 شخص تجمعوا لمظاهرة من أجل الثقافة الأمازيغية، وتم اعتقال نحو 200 شخص. وكان المتظاهرون، ومعظمهم من الطلاب، يعتزمون القيام بمظاهرة عبر العاصمة  للاحتجاج على ما يرون أنها جهود للقضاء على الثقافة الأمازيغية، وكان الطلاب من تيزي وزو في منطقة القبائل الجبلية، شرق الجزائر، معقل العرق والثقافة الأمازيغية".

وفي منتصف تسعينيات القرن العشرين، تصاعدت الاحتجاجات في منطقة القبائل للمطالبة باعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية في الدولة.

ويقول أكسل بلعباسي: "في عام 1994 قمنا بالإضراب (...) من أجل ترسيم اللغة الأمازيغية، وعام كامل، السنة الدراسية 94 و95 كان عاما أبيض (...) لم نقرأ. كل القبائل أعطوا عاما من أجل القضية الأمازيغية واللغة الأمازيغية".

النشيد الوطني الجزائري باللغة الأمازيغية

وفي صيف عام 1998، قُتل المغني الأمازيغي، معطوب لوناس، والذي كتب وغنى النشيد الوطني الجزائري باللغة الأمازيغية.

وأشارت صحيفة واشنطن بوست في تقرير إلى أن لوناس اعتبر منتقدا للمتطرفين الإسلاميين، وأيضا للحكومة المدعومة من الجيش، ما يشير إلى مشتبَهَين على الأقل في جريمة القتل، ووجهت السلطات الصحافة إلى المتطرفين بينما ألقى بعض المتظاهرين باللوم على الحكومة.

صراع الهوية الأمازيغية استمر مع مطلع القرن الحادي والعشرين، ففي أبريل، عام 2001، قُتل شاب أمازيغي برصاص الدرك الجزائري، ما أثار غضب الأمازيغ، وخرجوا في مظاهرات لم تكن كلها سلمية، وأدت إلى أحداث دامية، خلفت عشرات الضحايا، ولقبت بـ "الربيع الأسود".

ويقول أستاذ الإعلام في جامعة المدية الجزائرية، حكيم بو غرارة: "هناك أحداث في الربيع الأمازيغي في عام 1980، وأحداث عام 2001 لا يمكن إنكارها، لكن فيما بعد حصل استغلال سياسي، وتوجيه إيديولوجي، تسببت فيه بعض العناصر، التي لديها أفكار متطرفة، وحاولت تصفية الحسابات مع السلطة (...) بإيعاز من الخارج".

وبعد أحداث ربيع عام 2001، وفي صيف العام ذاته، تأسست حركة معروفة اختصارا باسم "ماك" في مدينة تيزي وزو.

ويقول حنداين إن "ماك هي حركة قوية جدا في الجزائر، وتحاول أن تعطي نفسا جديدا للأمازيغ. هذا كان نتيجة العنف الذي استعمل ضدهم".

لكن، وبعد سبع سنوات من النشاط غادر مؤسس حركة "ماك"، فرحات مهني، إلى فرنسا طالبا اللجوء السياسي، وفعل بعض نشطاء الأمازيغ في الجزائر الأمر ذاته.

يقول بلعباسي: "عندما اشتدت الأوضاع، ولم نستطع أن نواصل النضال في داخل البلاد، توجهت إلى المهجر، ومنذ عام 2019، لم أدخل إلى الجزائر بسبب مشكلتنا مع السلطات".

وفي عام 2010 ترأس، فرحات مهني، أول حكومة مؤقتة للأمازيغ تم إعلانها في باريس.

ويقول بلعباسي  الذي يشغل منصب مستشار لرئيس هذه الحكومة: "نطالب بالاستفتاء، لا نطالب بالاستقلال المباشر، نريد أن نمنح الحق، أن يستفتى الشعب، إذا أراد الاستقلال أو أن يكون جزائريا، لكل شعب أمازيغي خصوصيته، وقلنا إن حلنا الوحيد هو الاستقلال. لكن لا نقول إنه هو حل الشعوب الأخرى أبدا".

وفي خريف عام 2022 صدر حكم غيابي في الجزائر بالسجن المؤبد بحق مهني، واحد من ضمن سلسلة من الأحكام على أعضاء منظمة "ماك"، التي أعلنتها السلطات "جماعة إرهابية".

ويضيف بلعباسي: "غيروا القانون في الجزائر، واستحدثوا قانونا جديدا، هو 87 مكرر من الدستور الجزائري، الذي يجرم كل عمل سياسي (...) وتم سجن كل المناضلين واتهامهم بالإرهاب (...) أنا إلى يومنا هذا، أواجه حكما بالسجن 20 سنة، وثلاثة أحكام بالمؤبد، وحكما بالإعدام، فهذا شيء عجيب جدا، ولم أقم يوما بأي عمل عنيف".

ولم ترد السلطات الجزائرية على طلبات "الحرة تتحرى" للتعليق على موقفها من "ماك".

من جهته أكد بو غرارة أن "الماك" تمت "إدانتها من القضاء الجزائري، بعد ترويجها لهذا الفكر الانفصالي من الخارج، ودون الحصول على تفويض، والوحدة الوطنية هي خط أحمر، الكثير من الدلائل تدين هذه المنظمة، لولائها لأفكار خارجية، تستهدف وتتآمر على الجزائر".

ورغم كل ما سبق، أسفر الحراك الأمازيغي في الجزائر، عن تحقيق بعض المطالب من بينها اعتماد اللغة الأمازيغية رسميا في دستور البلاد الصادر عام 2016.

ويضيف بو غرارة "في منتصف التسعينيات، في عز الأزمة الأمنية، تم إنشاء الهيئة العليا للأمازيغية، وبدأ تدريس الأمازيغية في المدارس، ثم رقيت اللغة إلى لغة وطنية في عام 2003، واليوم أصبحت لغة رسمية، في تدرج بالاستجابة لهذه المطالب".

لكن وطبقا لتقارير حقوقية، لا تزال الجزائر تعتمد الحلول الأمنية في تعاملها مع الأمازيغ.

وذكر تقرير منظمة العفو الدولية أن السلطات الجزائرية لا تزال تصعد من حملتها القمعية ضد المحتجين السلميين، وتستمر بالاعتقالات.

وتجسد التصعيد الذي ذكرته منظمة العفو الدولية في صيف عام 2021، عندما اعتقلت رئيسة الكونغرس العالمي الأمازيغي، كاميرا نايت سيد، وهو الكيان الأكبر في العالم للدفاع عن حقوق الأمازيغ بتهم "الإرهاب والتآمر على الدولة".

ويقول حنداين: "تم زجها في السجن بدون محاكمة لمدة سنتين، وتطالب المنظمات الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، بالإفراج عنها، لكن بدون جدوى (...) وتم اعتقالها بدون محاكمة، ولا تزال تقبع في السجون الجزائرية".

وبعد مرور قرون عديدة، ما زال الأمازيغ يتشبثون بما تبقى من ثقافتهم، لكنهم يصرون على الاحتفاظ بهويتهم  أمام تحديات الاندثار.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.