أكثر من ألفي شخص راحوا ضحية الزلازل
أكثر من ألفي شخص راحوا ضحية الزلازل

يواصل المتضررون في أفغانستان عمليات البحث عن ناجين أو جثث تحت الأنقاض التي خلفتها زلازل ضربت البلاد، مما أسفر عن مقتل 2400 شخص على الأقل، في واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية التي ضربت البلاد منذ عقود.

وكشفت حكومة طالبان، أن عدد القتلى بلغ إلى الآن نحو 2400 شخص، بعد هزات أرضية في ولاية هرات الواقعة غربي البلاد قرب الحدود مع إيران، التي عرضت مع باكستان إرسال عمال إغاثة ومساعدات إنسانية.

وكشف متحدث باسم حاكم هرات، نصار إلياس، لوكالة "رويترز"، أن عمليات البحث عن الجثث أو الناجين مستمرة في أكثر من 12 منطقة في هرات.

مشاهد كارثية

وكشف تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، أن المناطق الأكثر تضررا من الزلازل شهدت دمار قرى كاملة، فيما من المتوقع أن يرتفع عدد الضحايا خلال الأيام المقبلة.

وقال وكيل صفي (41 عاما)، إنه كان في منزله في هرات حينما وقع الزلزال، السبت، قبل أن يغادر سريعا مع أطفاله الخمسة، موضحا أن بيته انهار بعدها بالكامل من شدة الاهتزاز.

وأضاف لنيويورك تايمز: "طوال حياتي لم أشهد مثل هذا الزلزال القوي"، لافتًا إلى أنه وأسرته ناموا خارج المنزل في طقس بارد ورياح قوية.

ونقلت وكالة "رويترز" عن مير أحمد، وهو أيضًا أحد سكان هرات، إن العديد من أفراد أسرته لقوا مصرعهم في الزلزال،ومن بينهم أحد أبنائه، فيما أصيب ابنه الآخر. وأضاف: "معظم الناس تحت الأنقاض".

ووصف عمال إغاثة للصحيفة الأميركية، مشاهد الدمار في المناطق المتضررة النائية بهرات، حيث باتت المنازل مجرد أنقاض وقتلت عائلات بأكملها، واكتظت المستشفيات بالمصابين، في بلد يعاني بالأساس من انهيار في القطاع الصحي.

وقال متطوع في جهود الإنقاذ، إن الظروف التي يعملون فيها "مروّعة"، فيما قال آخر وصل هرات ضمن قافلة من مدينة أخرى لتقديم المساعدات للمتضررين، إن حجم الدمار في المدينة "أسوأ مما كان يتخيله أحد".

وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن بعض القرى التي كانت موطنا لمئات الأشخاص، لم ينج منها سوى عدد قليل من الأشخاص، كما امتلأت الشوارع بعشرات الجثث لأطفال من مدرسة دينية كانوا بداخلها حينما وقع الزلزال.

قطاع صحي منهار

خلال العامين الماضيين، وتحديدا بعد سيطرة طالبان، واجه النظام الصحي في البلاد نقصا حادا في التمويل بعدما كان يعتمد بشكل كبير على مساعدات دولية، والتي تراجعت بشدة وتركت أثرها على الاقتصاد وجوانب أخرى أساسية في البلاد.

وكانت أفغانستان قد واجهت كوارث طبيعية خلال الأشهر الماضية، مثل الفيضانات والانهيارات، بجانب زلزال قوي في يونيو من العام الماضي، أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص جنوب غربي البلاد.

وبحسب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فإنه بحاجة إلى مليار دولار أميركي من أجل الوصول إلى 21 مليون شخص، من خلال المساعدات الغذائية، ودعم سبل العيش.

وأوضح البرنامج، الشهر الماضي، أنه اضطر إلى إسقاط مليوني جائع آخرين من مساعداته الغذائية في أفغانستان في سبتمبر، مما يرفع عدد الأشخاص الذين انقطعت عنهم مساعداته هذا العام في البلاد إلى 10 ملايين شخص.

ونقلت "رويترز" عن دبلوماسيين ومسؤولي إغاثة أن المخاوف بشأن القيود التي تفرضها طالبان على النساء والأزمات الإنسانية العالمية المتعددة، تسببت في سحب مانحين دعمهم المالي.

وأمرت حكومة طالبان معظم موظفات الإغاثة الأفغانيات بعدم العمل، على الرغم من وجود استثناءات في قطاعي الصحة والتعليم.

وقالت باكستان إن هيئة إدارة الكوارث لديها وضعت فريق بحث وإنقاذ على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة في المنطقة المنكوبة من الكارثة، وتستعد أيضا لإرسال مواد إغاثة، بما في ذلك المواد الغذائية والأدوية والخيام والأغطية.

وقالت إدارة طالبان إن إيران، التي تبعد حدودها أقل من 90 كيلومترا عن موقع المنطقة الأكثر تأثرا، تعهدت أيضا بتقديم مساعدات إنسانية.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.