الحرب بين إسرائيل وحماس ربما تعيق التوصل لاتفاق سعودي إسرائيلي
الحرب بين إسرائيل وحماس ربما تعيق التوصل لاتفاق سعودي إسرائيلي

مع اكتساب جهود تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل زخما خلال الأسابيع الماضية، تصاعدت التوترات بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية بشكل مفاجئ.

وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، فإن هجوم حماس المفاجئ على إسرائيل يمثل "ضربة" للتوصل لصفقة كبيرة بين المملكة الخليجية وإسرائيل بوساطة أميركية.

وقالت الصحيفة إن القتال الدائر حاليا "سيعيد تشكيل ديناميكيات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني".

وقال نائب رئيس السياسات بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، براين كاتوليس، إن "اتفاقا كهذا كان دائما قمة يصعب تسلقها، والآن ازداد ذلك صعوبة".

وفي حديثه لوكالة فرانس برس، رأى أن أعمال العنف الأخيرة "تعيد تسليط الضوء على النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل، وتجعل من الصعوبة إخفاء هذه المسائل المعقدة كما فعلت اتفاقات إبراهيم المبرمة عام 2020"، في إشارة إلى التطبيع بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب.

وقبل الهجمات المفاجئة التي جاءت فجر السبت، وتعتبر الأكبر ضد إسرائيل منذ حرب أكتوبر 1973، كان المسؤولون الأميركيون يعملون مع إسرائيل والسعودية سعيا للتوصل إلى تطبيع بينهما.

وشمل ذلك مناقشة مطالب فلسطينية نقلتها السعودية، بالإضافة إلى مناقشة ما تكون إسرائيل على استعداد لتقديمه من تنازلات بشأن تلك المطالب. 

وفي هذا الصدد، قالت "فايننشال تايمز": "لم تشارك حماس (الجماعة المصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية التي تحكم قطاع غزة)، في أي من المناقشات، ويبدو أن كافة الأطراف استهانت بالمدى الذي يمكن أن تلعبه الجماعة في إفساد الأمور".

وفي مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الأميركية، الأحد، قال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، إن "عرقلة التطبيع المحتمل للعلاقات بين إسرائيل والسعودية ربما يكون بالتأكيد من دوافع الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل".

وقال الزميل البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، آرون ديفيد ميلر، إن "الجزء الإسرائيلي السعودي أصبح الآن على الهامش".

وأضاف في حديثه لصحيفة "فايننشال تايمز"، أنه "على الرغم من التزام الإدارة (الأميركية) والإسرائيليين والسعوديين، فإننا على وشك الدخول في فترة غير عادية بين الإسرائيليين والفلسطينيين".

وكان ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، قد صرح في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، الشهر الماضي، بأن المملكة تقترب "أكثر فأكثر" من التطبيع مع إسرائيل، لكنه كرر موقف بلاده بـ"ضرورة أن يشمل أي اتفاق معالجة قضايا الفلسطينيين".

وقال: "نأمل أن تؤدي (مباحثات الاتفاق) لنتيجة تجعل الحياة أسهل للفلسطينيين، وتسمح لإسرائيل بأن تلعب دوراً في الشرق الأوسط". 

وتشمل الخطوط العريضة للمناقشات بشأن الصفقة المحتملة، اتفاقية دفاع أميركية سعودية، ومساعدة للبرنامج النووي المدني السعودي، مقابل اتخاذ إسرائيل خطوات لتحسين ظروف الفلسطينيين.

"عقبة أخرى"

كان رد فعل السعودية سريعا على هجمات حماس، لكنها لم تدنها بشكل مباشر. ودعت الرياض إلى "الوقف الفوري للتصعيد بين الجانبين وحماية المدنيين وضبط النفس". 

وحذرت من أن "الأمور تنفجر بسبب استمرار الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة، والاستفزازات المتكررة ضد مقدساتهم".

ورأى الباحث السعودي، عزيز الغشيان، أن موقف الرياض "يهدف إلى دحض الشكوك بأن المملكة ستولي التطبيع أولوية على حساب دعم حقوق الفلسطينيين".

وأوضح في تصريحاته لفرانس برس: "هذا الوضع دفع السعودية للعودة إلى دورها التقليدي. وضع نتانياهو عقبة أخرى أمام المباحثات لأنه قال إن هذه حرب الآن. لا أتوقع أن يحصل التطبيع على خلفية حرب".

ويعتقد محللون أنه "من غير المرجح" أن يكون لدى إسرائيل والسعودية "مجال للمناورة بشأن مسألة الفلسطينيين"، ولن تكون إسرائيل "قادرة على تقديم الكثير من التنازلات، نظرا لارتفاع عدد القتلى"، الذي يبلغ حاليا نحو 800 إسرائيلي، وفق ما ذكرت هيئة البث الإسرائيلية، فضلا عن 100 مختطف على الأقل لدى حماس، بعضهم أميركيون.

وفي الوقت نفسه، ذكرت الصحيفة أنه "يجب على السعودية أن تكون مهتمة برد فعل الشارع العربي والإسلامي، حيث تستضيف ملايين الحجاج المسلمين كل عام، ويحظى موقفها بشأن الدولة الفلسطينية بأهمية خاصة".

مدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية، غوست هلترمان، قال إن "المشاعر الشعبية مؤيدة بقوة للفلسطينيين في المملكة ومعظم الشرق الأوسط"، معتبرا أن هذا يمثل "قلقا".

وقال هلترمان إنه "على الرغم من أن التجارة وتبادل التكنولوجيا أمر ممكنة، فإن هناك حدودا واضحة لأي شيء يمكن ربطه بالسلام الحقيقي".

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.