الصين طورت ترسانة تضم أكثر من 500 رأس حربي نووي جاهز للاستخدام- صورة أرشيفية.
الصين طورت ترسانة تضم أكثر من 500 رأس حربي نووي جاهز للاستخدام- صورة أرشيفية.

ذكر تقرير لوزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون"، صدر الخميس، أن الصين تطور ترسانتها النووية بوتيرة أسرع مما توقعته الولايات المتحدة، وتعمل في الوقت ذاته على توسعه وتحديث جيشها بشكل متزايد.

تطوير القدرات النووية

وطورت الصين ترسانة تضم أكثر من 500 رأس حربي نووي جاهز للاستخدام، ومن المقرر أن تضاعف هذا العدد بحلول نهاية العقد، وهو ما يتجاوز تقديرات البنتاغون السابقة.

وكان لدى الصين "أكثر من 500 رأس نووية جاهزة للاستخدام في مايو 2023"، وهي بصدد امتلاك "أكثر من 1000 رأس على الأرجح بحلول عام 2030"، وفقًا للتقديرات الأميركية المنشورة في هذا التقرير السنوي بشأن "القوة العسكرية الصينية"، الصادر عن الكونغرس.

وقال مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأميركية، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته إن الصين "تتوسع وتستثمر في منصات إطلاق الأسلحة النووية البرية والبحرية والجوية، بالإضافة إلى البنية التحتية المطلوبة لدعم هذا التوسع الكبير"، وفق صحيفة "واشنطن بوست".

ولطالما أكدت بكين أن برنامجها للأسلحة النووية ليس سوى وسيلة ردع وأنها ملتزمة بمبدأ "عدم الاستخدام الأول"، مما يعني أنها تعهدت بعدم استخدام هذه الأسلحة إلا ردًا على هجوم نووي.

والخميس، قال المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن، ليو بينغيو، "الصين ملتزمة باستراتيجية نووية دفاعية، وتحافظ على قدراتها النووية عند الحد الأدنى الذي يتطلبه الأمن القومي ولا تستهدف أي دولة".

وتمتلك الولايات المتحدة 3708 رؤوس حربية نووية وروسيا 4489، بينما لدى الصين 410 رؤوس، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري".

نمو البحرية الصينية

البحرية الصينية هي الأكبر في العالم من حيث عدد السفن، وقال التقرير إنها نمت إلى 370 سفينة وغواصة، مقارنة بنحو 340 في العام السابق. 

ومن بين السفن الجديدة التي سيتم إطلاقها في عام 2022، حاملة الطائرات الثالثة في البلاد، فوجيان، والتي يبدو أنها مزودة بتكنولوجيا متقدمة لإطلاق الطائرات، وهو ما يمثل خروجًا كبيرًا عن سفنها القديمة ذات الطراز السوفييتي.

مناورات جوية "خطيرة"

الثلاثاء، شارك البنتاغون مقاطع فيديو تظهر طائرات مقاتلة صينية تقوم بمناورة خطيرة بالقرب من طائرات الاستطلاع الأميركية.

والخميس، كشفت وزارة الدفاع أنها أحصت 180 حادثة من هذا القبيل في العامين منذ خريف 2021، أي أكثر مما كانت عليه في العقد السابق بأكمله. 

وقالت إن المناورات المحفوفة بالمخاطر "تزيد من خطر وقوع حادث كبير أو حادث أو أزمة، بما في ذلك احتمال وقوع خسائر في الأرواح".

وتعد رحلات الاستطلاع الأميركية فوق بحر الصين الجنوبي قانونية بموجب القواعد الدولية، لكن بكين التي تدعي السيادة على معظم الممر المائي تعتبرها "استفزازا"، حسبما تشير "واشنطن بوست".

وقال ليو إن الإجراءات الصينية جاءت ردا على قيام السفن والطائرات العسكرية الأميركية "باستطلاع متكرر قريب"، بما في ذلك "657 طلعة جوية" في بحر الصين الجنوبي العام الماضي.

توسع ببرامج عسكرية صينية

وأشار تقرير البنتاغون إلى أن أجزاء أخرى من البرامج العسكرية الصينية ربما توسعت في العام الماضي، بما في وتطوير برنامج الأسلحة البيولوجية، والجهود المبذولة لإنشاء قواعد عسكرية في الخارج خارج المواقع المؤكدة في جيبوتي وكمبوديا.

وارتفع الإنفاق الدفاعي الصيني بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، وزاد بنسبة 7.2 بالمئة في عام 2023 إلى حوالي 212 مليار دولار، تم تخصيص الكثير منها للتكنولوجيا المتطورة والتحديثات لجعل القوة القتالية في البلاد جاهزة للقتال. 

وقد تعهدت الصين علنا بالاستيلاء على جزيرة تايوان المتمتعة بحكم ذاتي والتي تعتبرها بكين جزءا لا يتجزأ من أراضيها تريد استرداده، بالقوة إن لزم الأمر.

لكن الشقوق ظهرت هذا العام في القيادة العسكرية العليا في البلاد، واختفى وزير الدفاع، لي شانغ فو، عن الأنظار ويعتقد أنه أطيح به بسبب مزاعم بالفساد. 

ويأتي ذلك بعد إقالة مسؤولين رفيعي المستوى في واحدة من أكبر الوحدات العسكرية في البلاد وهي القوة الصاروخية للجيش الصيني.

ولم تعلن بكين بعد عن وزير دفاع جديد، وقال تقرير البنتاغون إن القيادة العسكرية الصينية "رفضت وألغت وتجاهلت" طلبات واشنطن بفتح قنوات اتصال عسكرية حتى عام 2023

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.