حرب الشرق الأوسط تسبب جدلا في الأوساط الإعلامية الأوروبية
حرب الشرق الأوسط تسبب جدلا في الأوساط الإعلامية الأوروبية

نشر موقع "ذا إنترسبت" الأميركي، تقريراً قال فيه إن "إحدى أكبر شركات الإعلام في أوروبا، تدفع بمنصاتها الخاصة للحد من الأخبار عبر الإنترنت حول الضحايا المدنيين في الأراضي الفلسطينية".

وبحسب التقرير، فقد أصدر تطبيق "Upday"، وهو أكبر تطبيق لتجميع الأخبار في أوروبا، توجيهات "لتلوين تغطية الشركة للحرب في غزة بالمشاعر المؤيدة لإسرائيل"، وفقًا لمقابلات مع موظفين، ووثائق داخلية حصل عليها "ذا إنترسبت".

وأظهر ذلك أن إدارة تطبيق "Upday" التابع لشركة النشر العملاقة "Axel Springer" ومقرها ألمانيا، "أعطت تعليمات لتقديم الأولوية للمنظور الإسرائيلي، وتقليل تغطية الوفيات بين المدنيين الفلسطينيين"، وفقا للموظفين.

ونقل "ذا إنترسبت" عن أحد الموظفين قوله، إنه "لم يكن من الممكن إرسال إشعارات فورية أو تنبيهات إلى ملايين الهواتف، حول أي شيء يتعلق بعدد القتلى أو الضحايا الفلسطينيين، دون ظهور معلومات حول إسرائيل في مكان أعلى في القصة".

ونقل الموقع عن موظفين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم، لحماية سبل عيشهم، إن هناك "انزعاجا واسع النطاق في جميع أنحاء الشركة بشأن هذه التحركات". 

ورفضت ممثلة شركة "Axel Springer"، جوليا سومرفيلد، هذه الادعاءات، وقالت بحسب التقرير: "لم نوجه صحفيينا إلى تجاهل الضحايا المدنيين في غزة، ولم نطلب من محررينا التلاعب بالتغطية الإخبارية، ولم تشارك إدارة الشركة في أية قرارات تحريرية".

ولفتت سومرفيلد إلى أن "المبادئ التوجيهية التحريرية لموقع (Upday)، تستند إلى المبادئ الصحفية ومبادئ (Axel Springer) المتاحة للعامة، ويتم اتخاذ كل قرار تحريري من قبل صحفيين مدربين". 

وقال "ذا إنترسبت" في تقريره، إن "التقدير الكبير الذي يكنه كبار المسؤولين في تطبيق (Upday) لإسرائيل، كان واضحا في الاتصالات اليومية الداخلية في الشركة، حيث يظهر علم إسرائيلي بجانب الصورة الرمزية للرئيس التنفيذي لـUpday، توماس هيرش"، بحسب ما نقله الموقع عن موظفين.

ولفت موقع "ذا إنترسبت"،  أن "Upday" لم يستجب لطلب التعليق.

ونقل التقرير عن أستاذة الدراسات الإعلامية في جامعة ولاية كاليفورنيا في سان برناردينو، أحلام محتسب، قولها في سياق التعليق على التوجيهات المزعومة في "Upday"، إن هناك "حملة إعلامية سخيفة للغاية لرفض أي تعاطف فلسطيني وإخفائه". 

وبحسب التقرير، فقد حذرت "Upday" موظفيها من "نشر أي عناوين يمكن أن يساء فهمها على أنها مؤيدة للفلسطينيين"، وفقا للموظفين.

وحسب "ذا إنترسبت"، فقد كان من المقرر "صياغة التعليقات التي أدلى بها ساسة إسرائيليون، التي تجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم، بلغة تؤكد على حجم ووحشية هجمات حماس على إسرائيل".

كما كان من بين التوجيهات، "عدم ذكر الجماعات الفلسطينية المسلحة في العناوين الرئيسية"، وفقا التقرير.

وتم إصدار تطبيق "Upday" لأول مرة عام 2016، وهو يخدم أكثر من 30 دولة. ويضم التطبيق عشرات الملايين من المستخدمين بفضل صفقة مع "سامسونغ"، التي تقوم بتحميل التطبيق مسبقا على أجهزتها. 

وتنشر شركة "Axel Springer" صحيفتي "بيلد" و"دي فيلت" الألمانيتين، وصحيفة "فاكت" البولندية، من بين العديد من الصحف الأوروبية الأخرى.

وفي الولايات المتحدة، تمتلك الشركة حصة أغلبية في الموقع الإخباري "Insider" واشترت "Politico" في عام 2021.

كما عدد التقرير إجراءات اتخذتها عدة وسائل إعلامية عالمية، بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وغزة.

وقال التقرير إنه "تم إخراج 3 مذيعين مسلمين من مقاعدهم في شبكة (MSNBC) الإخبارية الأميركية"، التي نفت بدورها هذه المزاعم.

وأضاف أن مؤسسات إخبارية أخرى "اتخذت إجراءات عامة لفرض رقابة أو طرد" على المراسلين المتهمين بانتهاك المبادئ التوجيهية الداخلية أو انتهاك أخلاقيات مهنة الصحافة. 

وذكر "ذا إنترسبت"، أن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، "أوقفت 6 صحفيين للتحقيق معهم فيما إذا كانوا قد نشروا تصريحات معادية لإسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي". 

وأضاف أن الشبكة البريطانية "اضطرت أيضا إلى الاعتذار للمشاهدين، بسبب المعلومات المضللة التي تصور الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في المملكة المتحدة على أنها موالية لحماس". 

كذلك قامت صحيفة "غارديان" البريطانية مؤخراً، بحسب التقرير، بـ"طرد رسام كاريكاتير مخضرم منذ عقود، بعد أن تعرض لانتقاد بسبب تصوير رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، على أنه معاد للسامية".

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.