نواز شريف
نواز شريف تولى رئاسة الوزارء ثلاث مرات

عاد رئيس الوزراء الباكستاني السابق، نواز شريف، إلى بلاده من المنفى، "في محاولة لاستعادة السلطة، من خلال توحيد المعارضة ضد منافسه المسجون عمران خان"، قبل الانتخابات المتوقعة أوائل العام المقبل، بحسب تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.

وكان في استقبال شريف، الذي تولى السلطة 3 مرات، عدة آلاف من المؤيدين في تجمع لحزبه "الرابطة الإسلامية الباكستانية" وسط مدينة لاهور، لكن محللين قالوا إن محاولته للوصول إلى السلطة "تواجه تحديات كبيرة"، أبرزها تداعيات الاقتصاد الهش.

وأُدين شريف بالفساد عام 2018، وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات وحُرم من تولي أي منصب عام، بيد أنه في السنة التالية، أُفرج عنه بكفالة للسفر إلى لندن بغية تلقي العلاج الطبي، دون أن يعود أدراجه.

وفي خطاب حماسي ألقاه، السبت، قال الرجل البالغ من العمر 73 عاما، إنه "لو لم تتم إقالته من السلطة، لما كان أي هناك عاطل عن العمل، وما كان الفقر ليضرب أطنابه".

وأضاف: "لكن الظروف اليوم سيئة للغاية، لدرجة أنه يتعين على المرء أن يفكر فيما إذا كان بإمكانه إطعام أطفاله أو دفع فواتير الكهرباء".

اقتصاد باكستان يعاني من ارتفاع معدلات التضخم والبطالة ـ صورة تعبيرية.
وسط "منافسة متزايدة".. باكستان تفاوض دول الخليج لجذب استثمارات بمليارات الدولارات
تتفاوض باكستان مع دول خليجية لجذب استثمارات بمليارات الدولارات، مع سعي إسلام أباد التي تمر من أزمة اقتصادية لتعزيز احتياطياتها من النقد الأجنبي، في مقابل تحرك العواصم الخليجية لتنويع اقتصاداتها وتوسيع نفوذها، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال".

وبعد الإطاحة به، تولى عمران خان منصب رئيس الوزراء، والذي جرت الإطاحة به لاحقا عبر تصويت لحجب الثقة جرى العام الماضي، لتتشكل عقب ذلك حكومة ائتلافية بقيادة شهباز شريف، الشقيق الأصغر لنواز.

وكان شهباز شريف يحكم البلاد حتى أغسطس من هذا العام، لكن يديرها الآن رئيس الوزراء المؤقت، أنور الحق كاكار، وهو شخصية غير معروفة من إقليم بلوشستان الغربي المضطرب، وذلك إلى حين إجراء انتخابات تشريعية جديدة.

وخلال فترة ولاية شهباز شريف، تعرض الاقتصاد لضربة شديدة، حيث تجاوز التضخم السنوي 30 في المائة، بالتزامن مع هبوط حاد في قيمة الروبية.

وقال رجل أعمال باكستاني طلب عدم ذكر اسمه: "إن أداءهم على الصعيد الاقتصادي سيشكل التحدي الأكبر لحزب نواز شريف".

وتقدم نواز شريف باستئنافات ضد الإدانات التي تمنعه من تولي منصبه.

وكان الجيش قد حكم باكستان طوال ما يقرب من نصف سنوات استقلاها البالغة 75 عامًا

وحذر محللون من أن البلاد "ستواجه فترة من الاضطراب إذا تم الطعن في نتائج الانتخابات المقبلة".

وقال أستاذ العلوم السياسية المتقاعد بجامعة كراتشي، مونيس الأحمر: "يبدو أنه تم تسهيل عودة شريف". وأضاف: "قد يشكل ذلك تحديا له في الفترة التي تسبق الانتخابات.. إذا كان الرأي الشعبي هو أنه لا توجد فرص متكافئة، فسيرفض الناس النتائج".

مسيحيون يتظاهرون بعد أعمال شغب بحقهم
باكستان.. آلاف الدولارات لمسيحيين فقدوا منازلهم بعد "تدنيس المصحف"
وعدت السلطات الباكستانية بمنح مليوني روبية (6800 دولار)، تعويضا لكل شخص من نحو 100 مسيحي فقير فقدوا منازلهم، عندما اجتاح أحياءهم السكنية، حشد من المسلمين الغاضبين على خلفية واقعة مزعومة بتدنيس المصحف، أسفر عن حرق 16 كنيسة على الأقل وإلحاق أضرار بالمنازل، حسبما ذكر مسؤولون، اليوم الاثنين.

وقد تعرض حزب "حركة الإنصاف" الذي يتزعمه خان إلى وهن شديد منذ أن اقتحم الموالون له المنشآت الحكومية، بما في ذلك مباني الجيش، بعد اعتقاله لفترة وجيزة في مايو من هذا العام.

وفي أغسطس، حُكم على خان بالسجن 3 سنوات، بسبب مزاعم بأنه استفاد من بيع الهدايا التي تلقاها أثناء توليه منصبه

وشجب حزب "حركة الإنصاف" الإدانة، معتبرا أنها "حيلة ذات دوافع سياسية لمنع خان من قيادة الحزب في الانتخابات المقبلة".

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.