شغل "لي" منصب رئيس الوزراء لعشر سنوات
شغل "لي" منصب رئيس الوزراء لعشر سنوات

أعلن التلفزيون الصيني، الجمعة، وفاة رئيس الوزراء السابق، لي كه تشيانغ، إثر إصابته بأزمة قلبية عن عمر ناهز 68 سنة، بعد أشهر من تركه ثاني أعلى منصب في البلاد.

وذكر التلفزيون المركزي الصيني، أن المسؤول البارز السابق تعرض لأزمة قلبية مفاجئة في 26 أكتوبر، وتوفي إثر فشل جهود إنقاذه، بعد منتصف الليل، في مدينة شنغهاي.

عمل لي رئيسا لمجلس الوزراء ورئيس مجلس الدولة في عهد الرئيس الحالي، شي جين بينغ، لمدة 10 سنوات، حتى قرر التنحي في مارس من العام الجاري.

على مدار عقد كامل، في ثاني أقوى اقتصاد في العالم، حصد لي سمعة كـ"رجل الشعب الذي مثل رؤية ليبرالية اقتصادية أكبر، وعمل بشدة على سد فجوة الثروة الهائلة في البلاد"، بحسب وكالة "بلومبرغ".

وطالما نُظر إليه كأحد كبار المنافسين على زعامة الحزب الشيوعي، لكن بحسب "رويترز"، جرى "تهميشه" في السنوات الماضية على يد الرئيس شي جين بينغ، الذي شدد قبضته على السلطة.

ولد لي في مقاطعة آنهوي الزراعية الفقيرة شرقي البلاد عام 1955، وقال في عام 2020 إن "600 مليون شخص في الصين يكسبون أقل مما يعادل 140 دولارا شهريا"، ليثير نقاشا أوسع حول الفقر وعدم المساواة في الدخل.

في الثمانينيات، بدأ بتكوين سمعة جيدة كمسؤول يميل إلى الليبرالية، حينما ترجم أعمالا باللغة الإنكليزية حول القانون الدستوري لقاض بريطاني، كما درس آنذاك للحصول على الدكتوراه في الاقتصاد على يد مناصرين بارزين لفكرة إصلاح السوق في الصين، وفق "بلومبرغ".

كان لي عضوا فيما تعرف باسم "عصبة الشبيبة الشيوعية الصينية"، حيث كان أحد أتباع الرئيس السابق، هو جين تاو.

وبدأ بزوغ نجمه السياسي، من خلال مواجهته تحديات كرئيس للحزب في مقاطعتي لياونينغ وخنان. وفي الأخيرة أشرف على نمو قوي، لكنه أيضًا كان مسؤولا عن فضيحة متعلقة بالتبرع بالدم، تسببت في إصابات بسكان المنطقة الريفية بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).

وصل عام 2013 إلى منصب رئيس الحكومة، واتخذ في أيامه الأولى إجراءات صارمة لكبح جماح الإسراف في الإنفاق، واحتضن فكرة التطوير الحضري القائم على توفير فرص العمل والخدمات العامة.

وأشارت "بلومبرغ"، إلى أنه "مع نقل الرئيس الصيني لقرارات السياسة الاقتصادية إلى لجان الحزب التي يقودها، بدأ لي في قضاء الكثير من الوقت بالتعامل مع الأزمات، مما سمح له بتكوين علاقة أقوى مع العامة".

وخلال العام الماضي، حينما عانى الاقتصاد الصيني من قيود كوفيد وخرجت مظاهرات مناهضة لقرارات الحكومة، طالب لي بشكل مستمر السلطات المحلية بالموازنة بين النمو الاقتصادي وقيود الوباء، وحذر من تبعات خطيرة حال الاستمرار في القيود القوية المفروضة التي تضر بالاقتصاد.

وعند استقالته في مارس الماضي، لم تركز وسائل الإعلام الرسمية على خطابه الوداعي. وحينها كتب رسالة قال فيها: "حينما يعمل الناس، تراقبهم الجنة. الجنة لها عيون".

وتفاعل عدد هائل من الصينيين مع خبر وفاة رئيس الوزراء السابق، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شوهد خبر وفاته نحو 1.3 مليار مرة على تطبيق "ويبو" الصيني، مع أغلب التعليقات التي عبّرت عن حزنها وصدمتها من رحيله.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.