انهيار عدد من المنازل السكنية في قطاع غزة بسبب القصف الإسرائيلي المكثف ـ صورة تعبيرية.
انهيار عدد من المنازل السكنية في قطاع غزة بسبب القصف الإسرائيلي المكثف ـ صورة تعبيرية.

أكد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، الأحد، أنه يجب تطبيق القانون الدولي فيما يخص الانتهاكات بالحرب الدائرة بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة، معربا عن قلقه من الحوادث المتزايدة التي يشنها مستوطنون إسرائيليون ضد فلسطينيين في الضفة الغربية. 

وندد خان في مؤتمر صحفي، عقده في القاهرة، بعد زيارته معبر رفح البري على الحدود مع قطاع غزة: "من الفظيع رؤية صور ضحايا الأطفال الفلسطينيين الأبرياء الذين كان يفترض أن يكونوا في المدرسة أو أن يلعبوا الكرة مع أصدقائهم وهم يأملون بمستقبل أفضل.. أو حتى أولائك الذين يجرون عمليات جراحية في المؤسسات الطبية وليست لديهم وسائل لعلاج المصابين".

وأكد أن "تطبيق القانون ليس أمرا نظريا فقط، ولكنه يجب أن يطبق، الحماية التي تحدث عنها القانون هي لكل الأشخاص وليست لفئة معينة"، مضيفا أن "هذه المبادئ يجب أن تطبق أيضا على حماس عندما شنت تلك الهجمات التي أثرت على المدنيين". 

وقال: "إسرائيل قامت بانتهاكات واضحة في حربها مع حماس، ليس فقط انتهاك أخلاقي ولكنه انتهاك قانوني"، مشيرا إلى أن إسرائيل لديها جيش مدرب ونظام قوي ليتأكدوا من أن هذه الحرب لا تنتهك القانون الإنساني، ويجب أن يعلموا أنه عندما يكون هناك أي هجوم يؤثر على الأبرياء المدنيين يجب أن يرد عليه في سياق القانون، يجب أن يقوموا بتحقيق المبادئ العامة من أجل حماية المدنيين". 

وأضاف أن "أماكن من المفترض أن تكون محمية، مثل المدارس أو الكنائس أو المساجد أو المستشفيات، هدمت بالصواريخ". 

وأعرب خان عن قلقه بشأن عدد الحوادث المتزايد التي تقع من قبل المستوطنيين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. 

وأشار إلى أن المحكمة تقوم بجمع الأدلة بشأن الانتهاكات في الحرب الدائرة، داعيا المجتمع الدولي والأشخاص بالمساهمة في إرسال ما لديهم من أدلة للتحقيق فيها بشكل مستقل. 

وطالب خان، بإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة من قبل حركة حماس، كما شدد على ضرورة إدخال المساعدات إلى قطاع غزة دون أي تأخير، مضيفا أن "هناك عمليات جراحية يتم إجراؤها دون وجود أدوية ضرورية كما لو كنا في القرون الوسطى".  

وفي الوقت ذاته، أكد خان أن هجمات السابع من أكتوبر شكلت انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني، مضيفا أنه استمع لعائلات الضحايا والرهائن من الإسرائيليين، ومشددا على ضرورة العمل على حماية الأبرياء وتطبيق القانون. 

وأضاف أن عرقلة إمدادات الإغاثة لسكان غزة قد تشكل جريمة حرب بموجب اختصاص المحكمة، مؤكدا أنه يتعين على إسرائيل أن تبذل "جهودا ملحوظة" لضمان حصول المدنيين على الغذاء والدواء.

وأشار خان إلى أنه حاول الدخول إلى قطاع غزة عبر معبر رفح لكنه لم يتمكن من عبوره. 

وتحقق المحكمة في وقائع بالأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 2021، وتتحرى ارتكاب جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية هناك.

وسبق لخان أن قال إن للمحكمة الجنائية ولاية قضائية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية خلال هجوم حماس في السابع من أكتوبر في إسرائيل، وفي أراضي غزة.

وقال مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض، جيك سوليفان، الأحد، إن إسرائيل مسؤولة عن حماية أرواح الأبرياء في غزة، وسط غضب متزايد بشأن مقتل المدنيين الفلسطينيين في القطاع.

وشنت حركة حماس هجوما مباغتا داخل إسرائيل في السابع من أكتوبر ، مما أدى إلى مقتل 1400 شخص وأطلق الشرارة لموجة من القصف الجوي الإسرائيلي وعملية برية أولية. كما يحتجز مسلحو حماس أكثر من 200 رهينة من إسرائيل يُعتقد أنهم في غزة.

وتقول السلطات الطبية في قطاع غزة، الذي يقطنه زهاء 2.3 مليون نسمة، إن 8005 فلسطينيين، بينهم 3324 طفلا، قُتلوا في الحملة الإسرائيلية للقضاء على المسلحين المدعومين من إيران.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.