دعوات المقاطعة شملت عدد من الشركات من بينها ستاربكس وماكدونالدز ـ صورة أرشيفية.
دعوات المقاطعة شملت عدد من الشركات من بينها ستاربكس وماكدونالدز ـ صورة أرشيفية.

منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في السابع من أكتوبر، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي دعوات واسعة من أجل مقاطعة مجموعة من الشركات العالمية، لاتهامها بدعمها لإسرائيل وعملياتها العسكرية في القطاع.

وفي مقابل هذه الحملة التي استهدفت شركات بعينها، برزت دعوات مضادة تتساءل عن جدوى خيار المقاطعة، معتبرة أنه يضر أساسا بالشركات المحلية التي تحصل على حق الامتياز التجاري (فرانشايز) وبالتالي على الاقتصادات الوطنية، في حين لا تمس آثاره الشركات الأم المستهدفة.

وبعيدا عن نقاش ما إذا كانت الشركات المستهدفة تدعم فعلا إسرائيل أو جيشها من عدمه، تتباين مواقف عدد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين الذين تحدث معهم موقع "الحرة" بشأن جدوى وتأثيرات حملات مقاطعة الشركات الكبرى.

الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، رشاد عبده، يرى أن من شأن خطوات المقاطعة "أن تؤثر على المستثمرين الوطنيين، وأن لا تخدم مصالح الاقتصادات المحلية التي ستتضرر نتيجة لهذه الحملات".

ويضيف عبده، في تصريح لموقع "الحرة"، أنه ينبغي التفريق بين ما إذا كانت الشركة فرعا أجنبيا أو استثمارا وطنيا حاصلا على حقوق الامتياز التجاري.

ويعد نظام الامتياز التجاري عقدا تجاريا يجمع بين طرفين يقوم بموجبه الطرف الأول المالك للعلامة التجارية بمنح الثاني حقوق استغلال واستعمال هذه العلامة في منطقة معينة ولفترة محددة، وفق نظام التشغيل الذي يعتمده الطرف الأول، بشروط وبمقابل مادي يتفقان عليه وبنسبة ثابتة من الأرباح.

في هذا السياق، يضيف عبده موضحا أن "أصحاب المشاريع التي تستهدفها حملة المقاطعة الأخيرة عبارة عن مستثمرين محلييين يعملون بالسوق المحلية ويعتمدون على منتجات مصنعة محليا"، بالتالي عند مقاطعة شركاتهم فإن "هذا العقاب يطال الشركات المحلية الحاصلة على حقوق الامتياز وليس الشركات الأم المستهدفة".

"اتهامات وردود"

وتصاعدت دعوات المقاطعة ضد عدد من الشركات، أبرزها  سلسلتي "ستاربكس" و"ماكدونالدز"، بعد أن رفعت الأولى دعوى قضائية ضد نقابتها العمالية التي عبرت في بيان لها عن تضامنها مع الفلسطينيين وانتشار تقارير تزعم دعمها لإسرائيل، في حين واجهت "ماكدونالدز" انتقادات واسعة، بعد إعلان أحد مشغلي سلسلة المطاعم المعروفة في إسرائيل عن تقديم وجبات مجانية لأفراد الجيش الإسرائيلي، وفقا لـ"آي بي سي نيوز".

وأمام توسع حملات المقاطعة التي طالت السلسلتين ومؤسسات تجارية أخرى معروفة، سارعت الشركات المالكة لحقوق امتيازها التجاري بالمنطقة بالخروج ببيانات تنفي فيها دعمها لإسرائيل واستقلاليتها وعدم صلتها بما يقوم به وكلاء آخرون بدول أخرى.

وخرج عدد من مشغلي ماكدونالدز بدول عربية، للتأكيد على أنهم "لا يشتركون في الملكية مع الامتياز الإسرائيلي"، معلنين أيضا عن تقديم تبرعات لمساعدة سكان غزة، حيثُ قُتل أكثر من 8 آلاف شخص، منذ بداية الحرب.

كما أصدرت "ستاربكس ـ الشرق الأوسط"، بيانا، نفت فيه دعهما لإسرائيل، معتبرة أنها "مجرد إشاعة مغرضة لا تمتّ إلى الحقيقة بأي صلة"، كاشفة أنها "لا تقدم أي نوع من الدعم المالي للحكومة الإسرائيلية، أو للجيش الإسرائيلي".

وأشار البيان إلى أن "ستاربكس لم ترسل جزءا من أرباحها للحكومة الإسرائيلية أو الجيش الإسرائيلي، وأنها مجرد شائعات لا تمت إلى الحقيقة بصلة".

وأضافت الشركة: "تعمل ستاربكس في الشرق الأوسط منذ 1999 وذلك من خلال اتفاقية امتياز حصرية مع شريكها التجاري، مجموعة الشايع في الكويت".

في هذا الجانب، يقول عبده إن بـ"محاربتي الشركات المحلية، أحارب مشروعا وطنيا، من شأنه أن يؤدي إلى تسريح العمالة المحلية والإضرار بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية"، لافتا إلى أن "هذه الحملات تؤثر على مناخ الاستثمار العام، وعلى استقطاب هذه الأسواق لاستثمارات جديدة، وخاصة الأجنبية".

"مستوى تأثير متباين"

بالمقابل، تقول المحللة الاقتصادية، ليان الصالحي، إن "حملات المقاطعة تؤثر بالتأكيد على الشركات الأم، التي تستفيد بشكل شهري أو سنوي من أرباح ومبيعات الشركات المحلية بمختلف دول ومناطق العالم، مقابل استغلال اسمها التجاري".

وتوضح الصالحي في تصريح لموقع "الحرة"، أن "تأثر الشركات المحلية من مقاطعة منتجاتها وحدوث أي خلل على مستوى أرباحها، يطال الشركة الأم أيضا".

وتكشف المحللة الأردنية أن لحملات المقاطعة "أهدافا أخرى غير فقط الإضرار ماديا واقتصاديا بهذه الشركات، تتمثل بحسبها، في "إيصال صوت وآراء الشعوب بشأن ما يجري للفلسطينيين إلى هذه الشركات".

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي، إسماعيل بن دويسة، أن "تأثير حملات مقاطعة بعض الماركات يكون أقوى على الشركات المحلية، فيما أن الأضرار ستلحق الشركة الأم، إذا ما إذا كانت هذه الدعوات منسّقة وموجّهة بشكل واسع وفي دول ومناطق عديدة".

ويضيف بن دويسة، في تصريح لموقع "الحرة"، أن "الشركات الكبرى تعمد دائما نحو تنويع أرباحها ومداخلها، وعندما تتأثر في منطقة ما، فهي تكثف نشاطها وتعتمد على جهات ومناطق أخرى لتعويض خسائرها".

ويوضح الخبير الاقتصادي أن "آثار المقاطعة على الشركات المحلية، إذا لم يكن لديها تنويع في استثماراتها فستكون وخيمة عليها، باستثناء الشركات التي لديها أكثر من امتياز تجاري لاستغلال منتجات أخرى عالمية لا تشملها حملات المقاطعة، وتستغل ذلك للتخفيف من تداعيات الأزمة".

وشددت الصالحي في تصريحها على أن الهدف الأساسي يبقى "الضغط على هذه الشركات من أجل أخذ مواقف واضحة"، مضيفة أن "تأثير المقاطعة يظهر أيضا من خلال الأثر على السمعة والصورة والتي لا تقاس بالضرورة بمقابل مادي".

وأشارت إلى أن" عددا من الأشخاص قرروا إيقاف التعامل مع هذه الشركات ودعم شركات أخرى محلية مئة بالمئة".

في هذا السياق، يوضح الخبير المصرفي، مازن أحمد العمري، أنه بالرغم من التخوفات بشأن أثر حملات المقاطعة على الاقتصادات والشركات المحلية، إلا أنها قد "تدفع نحو نشوء شركات وطنية بديلة غير المرغوب فيها"، معتقدا أن ذلك "سيكون له بعض الآثار الإيجابية على الاقتصاد المحلي".

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.