من مظاهرة ضد الإسلاموفوبيا بهولندا/ أرشيف
من مظاهرة ضد الإسلاموفوبيا بهولندا/ أرشيف

أرقام جديدة مقلقة أعلنت عنها الشرطة الأميركية بشأن ارتفاع نسبة جرائم الكراهية ضد اليهود والعرب والمسلمين في مدينتي نيويورك ولوس أنجلوس منذ بدء الحرب بين إسرائيل وحماس في السابع من أكتوبر.

تظهر بيانات أكبر مدينتين في الولايات المتحدة أن الصراع في الشرق الأوسط يتزامن مع تصاعد أعمال العنف ضد الأميركيين اليهود والأميركيين العرب والمسلمين.

وارتفع عدد الجرائم المرتبطة بما يعرف بـ"معاداة السامية في مدينة نيويورك، من 16 في سبتمبر إلى 69 في أكتوبر، بزيادة أكثر من 330 في المئة، وفقا لمراجعة بيانات شرطة نيويورك التي أجراها مركز "دراسة الكراهية والتطرف" في جامعة ولاية كاليفورنيا، سان فرانسيسكو.

وفي لوس أنجلوس، بلغ عدد جرائم الكراهية ضد العرب والمسلمين، في الفترة من 6 إلى 26 أكتوبر، ثمانية، مقارنة بواحدة خلال نفس الفترة من العام الماضي.

تظاهرة ضد الإسلاموفوبيا في باريس - صورة أرشيفية

وقال المركز إن عدد جرائم الكراهية المعادية للسامية ارتفع بنسبة 175 في المئة خلال نفس الفترة.

بالتزامن، أعلنت كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأميركي،  وضع استراتيجية وطنية لـ "مكافحة الإسلاموفوبيا"، بحسب ما نشرته على حسابها في منصة "أكس".

واعتبرت هاريس أن "مواجهة الكراهية هي أولوية وطنية "، مضيفة: "أعلن عن أول استراتيجية وطنية في البلاد لمكافحة الإسلاموفوبيا، يعد هذا الإجراء أحدث خطوة للأمام في عملنا لمكافحة موجة الكراهية في أميركا".

وإطلاق هذه الاستراتيجية كان متوقعا منذ أشهر، بعد أن أصدر البيت الأبيض استراتيجية وطنية لـ "مكافحة معاداة السامية" في مايو الماضي.

ومن المتوقع أن يستغرق وضع الاستراتيجية الرسمية عدة أشهر لإضفاء الطابع الرسمي عليها، بعد عملية مماثلة لخطة مكافحة معاداة السامية، والتي تشمل مختلف الوكالات الحكومية.

قلق أميركي من تصاعد معاداة السامية على خلفية أحداث الشرق الأوسط

"وقت مقلق"

"امرأة ترتدي الحجاب تخاف من استخدام المواصلات العامة في بريطانيا، وعائلات مسلمة تتعرض لمضايقات وهي تغادر المسجد. إن الارتفاع الأخير في كراهية الإسلام أمر مدمر"، قال، كير سترامر، رئيس حزب العمال البريطاني، الثلاثاء.

سترامر قال في كلمة مصورة نشرها، في الأول من نوفمبر، الذي يعد شهر التوعية بالإسلاموفوبيا في بريطانيا، إن هذا الشهر يأتي في وقت "مقلق للغاية بالنسبة للمجتمعات المسلمة في البلاد".

ونشر الحساب الرسمي لشهر التوعية بالإسلاموفوبيا مقطع فيديو يعرض فيه مظاهر العداء للإسلام في بريطانيا، ويدعو لحوار وتقارب يحارب هذه الظاهرة المقلقة.


ما هي الإسلاموفوبيا؟

التعريف الدولي لمصطلح إسلاموفوبيا هو "الخوف والتحيز والكراهية تجاه المسلمين، والذي يدفع إلى الاستفزاز والعداء والتعصب عن طريق التهديد والمضايقة والإساءة والتحريض والترهيب للمسلمين وغير المسلمين".

يشير المصطلح إلى أن التهديد والمضايقة قد تتم عبر الإنترنت أو في المجال العام، ويرتبط بدافع من العداء المؤسسي والآيديولوجي والسياسي والديني، كما أنه يصل إلى حد العنصرية البنيوية والثقافية، ويستهدف رموزا وعلامات تخص المسلمين.

ويحدد مصطلح الإسلاموفوبيا كراهية الإسلام على أنها شكل من أشكال العنصرية، إذ يُنظر إلى الدين والتقاليد والثقافة الإسلامية على أنها "تهديد" للقيم الغربية.

ويقول خبراء إن الإسلاموفوبيا تخلق فهما مشوَّها للإسلام والمسلمين، وتجمع بين العداء الديني والعنصري.

ولا يوجد تعريف موحد أو متفق عليه لمصطلح الإسلاموفوبيا. وبشكل أكثر تحديدا، لا يوجد تعريف قانوني يصف العداء الموجه ضد المسلمين.

رجال دين مسلمون في المؤتمر العالمي لمجتمعات المسلمين، في أبو ظبي، حول الإسلاموفوبيا والاندماج والتطرف.

يوم لمكافحة الإسلاموفوبيا؟

اعتمدت الأمم المتحدة قرارا حدد يوم 15 مارس يوما دوليا لمكافحة الإسلاموفوبيا، رغم أن بعض الخبراء لا يفضلون استخدام هذا المصطلح كتعبير عن جرائم الكراهية ضد المسلمين.

ويرى خبراء أن الأفضل استخدام مصطلح "الكراهية ضد المسلمين"، كي لا يؤدي مصطلح "الإسلاموفوبيا" إلى إدانة جميع أشكال الانتقادات الموجهة للإسلام، وبالتالي يمكن أن يؤدي إلى خنق حرية التعبير.

لكن الرأي الآخر، يحاجج بأن القانون الدولي لحقوق الإنسان يحمي الأفراد، وليس الأديان. وقد تؤثر كراهية الإسلام أيضا على غير المسلمين، بناء على التصورات الجنسية أو الخلفية العرقية أو الإثنية. وبالتالي فإن المصطلح الأمثل هو الإسلاموفوبيا.

متى تفاقمت ظاهرة الإسلاموفوبيا؟

بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وغيرها من الأعمال الإرهابية المروعة التي نفذها أفراد باسم الإسلام، تصاعدت المواقف السلبية تجاه المسلمين، وارتفعت وتيرة الخوف لدى المسلمين من تعرضهم لاعتداءات وأعمال تصب في إطار التمييز العنصري. 

وفي الوقت ذاته، فإن التمثيل السلبي واسع النطاق للإسلام، والقوالب النمطية الضارة التي تصور المسلمين ومعتقداتهم وثقافتهم كتهديد، أدى إلى إدامة وإقرار وتطبيع التمييز والعداء والعنف تجاه الأفراد والمجتمعات المسلمة.

وفي دول يشكلون فيها أقلية، واجه مسلمون التمييز في الوصول إلى السلع والخدمات، وفي العثور على عمل، وفي التعليم.

مسلمة من التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا توزع حلويات على المارة

وفي بعض الدول يُحرم مسلمون من الجنسية أو وضع الهجرة القانوني بسبب تصورات كراهية الأجانب بأن المسلمين يمثلون تهديدا للأمن القومي والإرهاب. ويتم استهداف النساء المسلمات في جرائم الكراهية المرتبطة بالإسلاموفوبيا.

وتشير دراسات إلى أن عدد جرائم الكراهية المرتبطة بالإسلاموفوبيا يتزايد بشكل متكرر في أعقاب الأحداث الخارجة عن سيطرة معظم المسلمين، بما في ذلك الهجمات الإرهابية والذكرى السنوية لتلك الهجمات.

وتوضح هذه الأحداث كيف يمكن لكراهية الإسلام أن تنسب المسؤولية إلى جميع المسلمين عن تصرفات قلة متطرفة، أو تتغذى على الخطاب التحريضي.

ما ملامح ظاهرة الإسلاموفوبيا؟

تستخدم المشاعر المعادية للإسلام أفكارا تجرّد المسلمين من إنسانيتهم وثقافاتهم ومعتقداتهم وعاداتهم وممارساتهم غير المتجانسة، وتنكر الطبيعة الديناميكية للإسلام.

وتكون هذه المشاعر إما على المستوى الفردي أو على المستوى المؤسساتي، ويمكن أن تتخذ أشكالا عديدة وخطيرة.

وقد تؤدي ظاهرة الإسلاموفوبيا إلى اعتداءات جسدية ضد من يُنظر إليهم على أنهم مسلمون أو إتلاف وتدنيس المساجد والمراكز الإسلامية.

كما أن بعض المسلمين يواجهون مشكلة التنميط في مجال إنفاذ القانون، والتمييز في التوظيف، والحرمان من الخدمة.

ويمكن أن تتخذ الأعمال المعادية للإسلام أيضا شكل تشريعات وتدابير سياسية معادية للإسلام.

يمكن أن يشمل الخطاب المعادي للإسلام، الذي يعبر عنه أفراد ومؤسسات سياسية وإعلامية، التحرش اللفظي والترهيب وخطاب الكراهية.

من يعزز ظاهرة الإسلاموفوبيا؟

تشير منظمات إلى مصادر أساسية تعزز ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية أهمها ما يلي:

الإعلام: وذلك من خلال المبالغة في التغطية الإعلامية السلبية المتعلقة بالمسلمين والإسلام، مما يؤدي إلى شعور مبالغ فيه بالتهديد، وبالتالي الخوف والكراهية.

الخطاب السياسي: إذ يلعب سياسيون على عواطف الناس ويستغلون خوفهم للتحريض على الإسلاموفوبيا عندما يخدم ذلك مصالحهم السياسية الخاصة.

المتطرفون العنيفون: على الرغم من أن الجماعات العنيفة مثل "داعش" تستهدف وتقتل عددا أكبر من المسلمين أكثر من أي جماعة أخرى، إلا أن هذه الجماعات تستمر في تلوين التصورات الأميركية والغربية عن الإسلام والمسلمين.

معاداة السامية

وعلى الجانب الآخر، يقول مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، كريستوفر راي، إن معاداة السامية وصلت إلى "مستويات تاريخية" في الولايات المتحدة.

وقال راي، خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ، الثلاثاء، إن "هذا تهديد يصل بطريقة ما إلى مستويات تاريخية". 

وأضاف أن ما يحدث يرجع جزئيا إلى أن "المجتمع اليهودي مستهدف من قبل الإرهابيين من مختلف الأطياف، بما في ذلك المتطرفون العنيفون المحليون والمنظمات الإرهابية الأجنبية".

وعن السكان اليهود الأميركيين، يكشف راي عن إحصاءات "تشير إلى أنه بالنسبة لمجموعة تمثل حوالي 2.4 في المئة فقط من الجمهور الأميركي، فإنها تمثل ما يقرب من 60 في المئة من جميع جرائم الكراهية على أساس ديني".

ما هي معاداة السامية؟

ظهر مصطلح معاداة السامية فقط في القرن التاسع عشر، ولكن كراهية ومعاداة اليهود تعود إلى العصور القديمة ولها أسباب متنوعة.

ومعاداة السامية تعني التحيز أو الكراهية لليهود، وتعد الهولوكوست، وهي الاضطهاد والقتل الذي تعرض له اليهود الأوروبيون على يد ألمانيا النازية والمتعاونين معها في الفترة من عام 1933 إلى عام 1945، المثال الأكثر تطرفا في التاريخ لمعاداة السامية.

في عام 1879، ابتكر الصحفي الألماني، فيلهلم مار، مصطلح معاداة السامية، للإشارة إلى كراهية اليهود، وكذلك كراهية مختلف الاتجاهات السياسية الليبرالية والعالمية والدولية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر المرتبطة غالبا باليهود.

ومع ذلك، فإن الكراهية المحددة لليهود سبقت العصر الحديث وصياغة مصطلح معاداة السامية.

من بين المظاهر الأكثر شيوعا لمعاداة السامية عبر التاريخ كانت المذابح، وأعمال العنف التي شُنت ضد اليهود، والتي كثيرا ما شجعتها سلطات حكومية. 

غالبا ما يتم التحريض على المذابح بسبب "فرية الدم"، وهي شائعات كاذبة مفادها أن اليهود استخدموا دماء الأطفال المسيحيين لأغراض طقوسية.

وفي العصر الحديث، أضاف المعادون للسامية بعدا سياسيا لآيديولوجية الكراهية الخاصة بهم.

وفي الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، تشكلت أحزاب سياسية معادية للسامية في ألمانيا وفرنسا والنمسا.

أحدث تقرير في نيويورك يشير إلى ارتفاع وتيرة الاعتداءات على اليهود والمسلمين في المدينة على خلفية أحداث الشرق الأوسط

إن ظهور حركة "voelkisch" (فولكيش) أو (الحركة الشعبية) المعادية للأجانب في القرن التاسع عشر، والتي تألفت من فلاسفة وعلماء وفنانين ألمان كانوا ينظرون إلى الروح اليهودية باعتبارها غريبة عن العالم الألماني، شكل فكرة عن اليهودي باعتباره "غير ألماني"، وقدم منظرو الأنثروبولوجيا العنصرية دعما علميا زائفا لهذه الفكرة.

المنظور الأميركي لمعاداة السامية

استخدمت وزارة الخارجية الأميركية تعريفا عمليا، إلى جانب أمثلة، لمعاداة السامية، منذ عام 2010. 

وفي عام 2016، تبنت الدول الأعضاء الـ 31 في التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (IHRA)، والذي تعد الولايات المتحدة عضوا فيه، تعريفا عمليا لمعاداة السامية. وفي 26 مايو من العام ذاته، قررت الجلسة العامة في بوخارست اعتماد التعريف العملي التالي غير الملزم قانونا لمعاداة السامية:

"معاداة السامية هي تصور معين لليهود، والذي يمكن التعبير عنه على أنه كراهية لليهود. إن المظاهر الخطابية والمادية لمعاداة السامية موجهة نحو الأفراد اليهود أو غير اليهود و/أو ممتلكاتهم، وتجاه مؤسسات المجتمع اليهودي والمرافق الدينية".

جانب من مظاهرة ضد معاداة السامية في المجر، أرشيف

وتعتبر الأعمال المعادية للسامية جريمة عندما يحددها القانون (على سبيل المثال، إنكار المحرقة أو توزيع مواد معادية للسامية في بعض البلدان).

وتعتبر الأعمال الإجرامية معادية للسامية عندما يتم اختيار أهداف الهجمات، سواء كانوا أشخاصا أو ممتلكات، مثل المباني والمدارس ودور العبادة والمقابر، لأنهم يهود أو يُعتقد أنهم يهود أو مرتبطون باليهود.

ويتجسد التمييز المعادي للسامية بحرمان اليهود من الفرص أو الخدمات المتاحة للآخرين، وهو أمر غير قانوني في العديد من الدول.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.