الحروب لا تخلف سوى مشاهد البؤس والدمار
الحروب لا تخلف سوى مشاهد البؤس والدمار

في أوقات الحروب، تصبح لغة القوة هي السائدة وترتفع أصوات المدافع بمناطق النزاعات، لتخلف مشاهد من الدمار والبؤس. 

وبالتوازي مع تلك الصراعات، تظهر حروب أخرى غير دموية تتمثل في "الدعايات النفسية"، التي يرى خبراء أنها "أقوى من العنف".

وخلال القتال الدائر حاليا بين إسرائيل وحركة حماس المسيطرة على قطاع غزة، برزت "حرب نفسية موازية لأصوات النيران والدبابات، تؤثر في القوات والشعوب على حد سواء"، كما يرى خبراء تحدثوا لموقع "الحرة".

ويقول العميد متقاعد، ناجي ملاعب، إن "الحرب النفسية تبدأ قبل المواجهة العسكرية وتستمر أثناء ذلك الصراع وبعده"، مردفا أنها توجه للخصم "بغية التأثير على معنويات جنده وشعبه على السواء.. الحرب النفسية (سلاح) أقوى من العنف".

وفي حديثه لموقع قناة "الحرة"، يشير ملاعب إلى أن الحرب النفسية "تهدف إلى فرض سيطرة معنوية على الخصم، تؤدي إلى نجاح العمليات العسكرية، وبالتالي إخضاع العدو للشروط السياسية مستغلا النصر العسكري على الأرض".

ويوضح بقوله: "للحرب النفسية تأثير على معنويات الجند.. إذ يتم التحضير للقتال بترسيخ المعتقدات الدينية أو القومية (لدى القوات) ودحض معتقدات العدو".

نتانياهو يعتبر فيديو نشرته حماس لمختطفات إسرائيليات "دعاية نفسية قاسية"
"دعاية نفسية قاسية".. نتانياهو يعلق على فيديو السيدات الثلاث
اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، مقطع الفيديو الذي نشرته حركة حماس، الاثنين، وتظهر فيه ثلاث نساء من الرهائن بأنه "دعاية نفسية قاسية" من قبل الحركة الفلسطينية التي شنت هجوما على تجمعات سكنية إسرائيلية في غلاف قطاع غزة المحاصر في السابع من أكتوبر الجاري، ما خلف مقتل 1400 شخصا واختطاف نحو 230 آخرين.  

ومؤخرا، بثت كتائب "عز الدين القسام" - الجناح العسكري لحركة حماس الفلسطينية – مقطع فيديو يظهر فيه 3 نساء قدمتهن على أنهن من المختطفات الإسرائيليات بقطاع غزة.

ويظهر المقطع ومدته 76 ثانية، السيدات الثلاث يجلسن على كراسٍ بلاستيكية وخلفهن بلاط أبيض اللون.

ولم تتحدث سوى واحدة منهن، وبدا عليها الغضب، وصرخت مطالبة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، بـ"العمل على تحرير المختطفين" لدى الحركة الفلسطينية المصنفة على لائحة الإرهاب. 

وقالت السيدة في الفيديو: "نحن في خضم إخفاقكم السياسي والأمني والعسكري في السابع من أكتوبر، لم يكن هناك جيش ولم يصل أحد".

في المقابل، اعتبر نتانياهو الفيديو بأنه "دعاية نفسية قاسية" من قبل حماس، التي وصفها وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، بممارسة "تلاعب نفسي" بشأن المختطفين.

وقال نتانياهو في بيان ردا على المقطع: "أتوجه إلى يلينا تروبانوف ودانيال ألوني ورامون كيرشت الذين اختطفتهم حماس التي ترتكب جرائم حرب.. أعانقكم، قلوبنا معكم ومع المختطفين الآخرين". وتابع: "نحن نبذل قصارى جهدنا لإعادة جميع المختطفين والمفقودين إلى وطنهم".

وبعد فترة وجيزة من فيديو حماس، أعلن الجيش الإسرائيلي عن نجاحه في "تحرير مجندة كانت مخطوفة" في قطاع غزة، دون أن يكشف تفاصيل العملية.

في المقابل، اعتبرت حماس أن الإعلان الإسرائيلي يهدف إلى "التشويش"، قائلة إن الرواية الإسرائيلية "لا يصدقها أحد".

ويقول ملاعب إنه "مع وجود وسائل التواصل التي غزت كافة المجتمعات، يكفي أن يتم تداول فيديو من إحدى الجهات المقاتلة حتى يؤدي التأثير (النفسي) المطلوب".

و"تلعب مثل هذه الإعلانات دورا كبيرا في التأثير النفسي الواسع على الشعوب والقادة السياسيين"، حسبما تقول استشارية علم النفس العلاجي، ريما بجاني، في حديثها لموقع "الحرة".

وتشير بجاني إلى أن "الحرب المعنوية أساسية" في الصراعات، من خلال "ممارسات غسل الأدمغة لتعبئة أفكار مسبقة وروايات" بشأن هذه النزاعات وطبيعتها، مضيفة أن "أي حرب مهما كانت خلفياتها لها تبعاتها النفسية القاسية".

وتوضح: "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني له معطياته الخاصة، مما يشكل تداعيات نفسية ليست فقط على الشعبين، بل حتى على الدول العربية والعالم".

مدارس ومراكز الأونروا تستضيف أعدادا من النازحين بأضعاف قدراتها
شهادة الأونروا.. قطاع غزة "قُسّم" وحجم التدمير غير مسبوق
"كل الخطط التي كانت موجودة لدينا هي للتعامل من 150 ألف نازح فقط، لكننا نؤوي حاليا 700 ألف في مراكزنا"، يكشف المتحدث باسم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في قطاع غزة، عدنان أبو حسنة، مشيرا إلى أن الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة "غير مسبوقة". 

واندلعت الحرب في 7 أكتوبر، بعدما شنت حماس هجوما مفاجئا على إسرائيل شمل إطلاق آلاف الصواريخ وتسلل للبلدات الحدودية في غلاف قطاع غزة، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1400 شخص أغلبهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال.

وردا على ذلك الهجوم، تشن إسرائيل ضربات جوية مكثفة وتوغلت قواتها برا نحو شمال القطاع الفلسطيني الساحل الذي يقطنه 2.3 مليون نسمة، الأمر الذي أدى لمقتل نحو 9500 شخص، أغلبهم مدنيون وبينهم أيضا نساء وأطفال.

وترى بجاني أن "التأثير النفسي جراء الدعايات السلبية في زمن الحرب، قد يمتد لسنوات، مما يضيف أمراضا نفسية للناس تتمثل في القلق والاكتئاب والصدمة، التي تؤثر على جودة حياة الإنسان".

وكانت دراسة قد أجريت عام 2011 بجامعة كولومبيا الأميركية، وجدت أن "معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية كانت مرتفعة"، وأن العديد من الأشخاص الذين يعانون من هذه الأعراض "يكافحون للتعافي بسبب التعرض المستمر للعنف والخسائر الشخصية والفقر"، بحسب ما ذكرت شبكة "إن بي آر" الأميركية.

كذلك، "تضيف الشائعات والمعلومات المضللة التي تنتشر بشكل فيروسي في الإنترنت، مزيدا من التعقيد في الحرب النفسية" الموازية.

ويقول الخبير العسكري، ملاعب، إن "الجيوش تعتمد على الاستعلام والاستخبار المسبق، للتمكن من الاستفادة من المعلومات لدى الخصم لاستغلالها في بث الشائعات".

ويضيف أن تلك المعلومات وإن كانت صحيحة "تؤثر في جهود الخصم، وتهدم معنوياته بواسطة الحرب النفسية، التي يمكن أن تساهم في تحقيق النصر العسكري على أرض المعركة".

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.