مدارس ومراكز الأونروا تستضيف أعدادا من النازحين بأضعاف قدراتها
مدارس ومراكز الأونروا تستضيف أعدادا من النازحين بأضعاف قدراتها

"كل الخطط التي كانت موجودة لدينا هي للتعامل من 150 ألف نازح فقط، لكننا نؤوي حاليا 700 ألف في مراكزنا"، بحسب ما كشف المتحدث باسم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في قطاع غزة، عدنان أبو حسنة، مشيرا إلى أن الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع "غير مسبوقة". 

وقال أبو حسنة، في مقابلة نشرها موقع الأمم المتحدة، "لدينا حوالي 672 ألف نازح في 149 مركز إيواء تابعا للأونروا. هذا الرقم قد يرتفع خلال الساعات القادمة إلى أكثر من 700 ألف نازح. كل الخطط التي كانت موجودة لدينا هي للتعامل من 150 ألف نازح فقط". 

وأشار إلى أن "حجم التدمير غير مسبوق. وعدد القتلى والجرحى أيضا غير مسبوق. هناك تدمير للبنى التحتية وأزمات في المياه والقطاع الصحي، والمواد الغذائية تنفد من الأسواق، والطوابير أمام المخابز قد يصل طولها إلى كيلومتر". 

وردا على اتهامات وانتقادات طالت الوكالة في مسألة توزيع المساعدات، إذ اعترفت الأونروا بأن آلاف الأشخاص اقتحموا عدة مستودعات ومراكز توزيع تابعة لها في وسط قطاع غزة وجنوبه وأخذوا طحينا وغيره من المواد الأساسية، قال أبو حسنة "لا يوجد قصور على الإطلاق في توزيع المساعدات، ولكن الاحتياجات كبيرة، وأكبر من قدرات الأونروا، وأكبر من قدرات أية سلطات كانت". 

وأضاف: "الأونروا الآن تقدم أقصى ما لديها. قد يكون أقصى ما لديها بالنسبة لسكان قطاع غزة قليلا بصراحة. لكن حتى لو توفرت القدرة المالية للشراء من الأسواق، لا نستطيع شراء احتياجات النازحين سواء في المدارس أو خارج المدارس. لذلك، ما نقدمه هو أقصى ما نستطيع، ولكنه متواضع بالنسبة للاحتياجات الحقيقية لسكان قطاع غزة، وخاصة النازحين إلى مدارسنا". 

وأوضح أنه "عندما يتم تهجير حوالي مليون ومئتي ألف شخص إلى المنطقة الجنوبية، منهم 700 ألف في مراكزنا، وفي المقابل ما يدخل من مساعدات إلى غزة هو فتات. هو نقطة في بحر الاحتياجات الإنسانية". 

وتابع: "نقدم المياه والمواد الغذائية والبطانيات والفرش والرعاية الصحية والدعم النفسي حسب الإمكانيات، ولكن الأونروا ليست الدولة. الآن كل شيء في غزة ملقى على أعتاق الأونروا. الأونروا هو الجسم الوحيد الذي بقي متماسكا. الناس محقون لأن احتياجاتهم كبيرة، ولكن قدراتنا محدودة للغاية". 

ووفق تقديرات الأمم المتحدة، كانت نحو 500 شاحنة تدخل قطاع غزة يومياً قبل السابع من أكتوبر، تاريخ اندلاع الحرب بعد هجوم غير مسبوق شنّته حركة حماس ضدّ إسرائيل.

وأشار إلى أنهم طالبوا بدخول مئة شاحنة يوميا على الأقل بشكل مستدام، مشددا على ضرورة الوقود الذي اعتبره "أساس العمليات". وقال: "إذا لم يدخل الوقود، لن نتمكن حتى من نقل المساعدات التي تأتي من خلال معبر رفح. لن نستطيع دعم محطات تحلية المياه ولا المخابز. الوقود أساسي". 

وأعرب عن أمله في أن يتحقق ذلك في القريب العاجل "ولكن لا معلومات مؤكدة حتى الآن".  

وبشان ما إذا كانت الوكالة تستطيع الوصول إلى شمال القطاع ولذي توغلت فيه القوات العسكرية الإسرائيلية وتجري عملية برية هناك، أجاب بالنفي وقال: "اليوم القطاع قُسم وبصراحة لا نستطيع الوصول إلى مناطق القتال. هناك مئات القتلى والجرحى وتدمير هائل. الأخبار التي تأتي هي أخبار مرعبة ونحن لا نستطيع الوصول إلى تلك المناطق الآن". 

وكشف عن أن 63 موظفا تابعا للأونروا قتل في القصف الإسرائيلي المكثف على القطاع منذ السابع من أكتوبر، "وهذا الرقم مرجح للازدياد أيضا بسبب صعوبة إخراج القتلى من تحت الركام. فغزة لا تمتلك هذه الإمكانيات لرفع الأنقاض والركام"، مشيرا إلى أن مركز عمليات الأونروا نقل إلى منطقة رفح جنوب القطاع. 

أبو حسنة، نفسه، اضطر وعائلته للنزوح من منزله في مدينة غزة الذي أصيب بأضرار كبيرة، بحسب قوله، مشيرا إلى أنه حتى بعد أن انتقلوا إلى مدينة رفح "قصف منزل مجاور وأصيب أفراد من عائلتي، من بينهم ابني وإخوتي، وتضرر منزلهم بشكل جسيم. بالإضافة إلى أضرار فادحة بالنسبة لنا كعائلة، بما في ذلك أضرار لحقت بعدد من السيارات، والشركة التي يمتلكها أخي دمرت تماما بما أدى إلى تكبده خسائر فادحة". 

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.