منازل مدمرة بمخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة في 1 نوفمبر 2023
منازل مدمرة بمخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة في 1 نوفمبر 2023

مع تواصل القصف الإسرائيلي ومعه استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية بغزة، تتباين دعوات واقتراحات الأطراف الدولية لوقف التصعيد بالقطاع المحاصر، بين الأصوات المطالبة بـ"وقف إطلاق النار"، والداعية إلى "هدنة إنسانية".

وتدعو إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، وأطراف دولية أخرى إلى إقرار "هدنات إنسانية" تسمح بوصول المساعدات وإجلاء الرهائن الأجانب الذين تحتجزهم حماس، في مقابل مناشدات منظمات إغاثية ومسؤولين أمميين ودول عربية بـ"وقف فوري لإطلاق النار".

ويتقاطع مصطلحا "وقف إطلاق النار" و"الهدنة الإنسانية" في نقطة الدعوة إلى تعليق الأعمال القتالية، غير أن هناك فوارقا كبيرة بينهما، سواء على مستوى آليات هذا الوقف ومدته والأهداف منه، وأيضا محددات استعماله من طرف المجتمع الدولي في حالات الحروب والنزاعات المسلحة.

وقف إطلاق النار

فيما لا يوجد تعريف قانوني محدد أو معترف به بشكل عام لمصطلح "وقف إطلاق النار"، يحدده موقع الأمم المتحدة، على أنه "تعليق القتال باتفاق بين أطراف النزاع، وهو عادة جزء من عملية سياسية".

وبحسب المصدر ذاته، يبقى الغرض من وقف إطلاق النار أن "يكون طويل الأمد ويغطي كامل المنطقة الجغرافية للصراع، بما يسمح للأطراف بالدخول في حوار، وإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية دائمة".

ويشير القاموس العملي للقانون الإنساني الذي أعدته منظمات إنسانية إلى أن وقف إطلاق النار ،هو اتفاق لـ"وقف جميع الأنشطة العسكرية لفترة زمنية محددة".

ووفقا للجنة الدولية للصليب الأحمر فإن وقف إطلاق النار "يمثل في الأساس هدنة، أو تعليقا مؤقتا للحرب، وليس اتفاقا نهائيا لإنهاء القتال، على الرغم من أنها قد تؤدي في بعض الأحيان إلى سلام دائم".

ويمكن الإعلان عن وقف إطلاق النار من جانب واحد أو يتم التفاوض بشأنه بين أطراف النزاع المختلفة أو التوصل إليه عبر وساطة، أو يمكن فرضه بقرار من مجلس الأمن، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ويمكن أيضا إعلان فترات وقف إطلاق النار كـ"غطاء من قبل الجماعات المتحاربة لإعادة التعبئة والتسليح والمناورة، وتكون اتفاقياته "شفهية أو مكتوبة، بشروط إما علنية أو سرية"، وفقا لموسوعة "بالغريب" لدراسات الأمن العالمي.

ويكون وقف إطلاق النار عاماً ويشمل منطقة النزاع بأكملها وجميع الأطراف الناشطة فيها، كما يمكن أن يكون وقف  محددا ويشمل مواقع بعينها، ويُعتمد لأغراض عسكرية استراتيجية أو إنسانية، بحسب الموسوعة.

ومن هذا المنطلق، فإن الهدف الرئيسي لوقف إطلاق النار يبقى أشمل من إيصال المساعدات، ويصل إلى إطلاق ترتيبات عسكرية واستراتيجية وسياسية واسعة، قد تتضمن مثلا التزامات بوقف التصعيد، وإمكانيات سحب الأسلحة وإعادة تمركز القوات.. بهدف نهائي يتمثل في الوصول إلى تسوية نهائية للنزاع.

الهدنة الإنسانية

وعلى المقابل، فإن الهدف الأساسي من الهدنة الإنسانية يتمثل في الإيقاف المؤقت للأعمال العدائية لـ"أغراض إنسانية بحتة"، وفقا للموقع الأممي.

وتكون الهدنة الإنسانية عادة مؤقتة لـ"فترة ومنطقة جغرافية محددة يتم خلالها التدخل إنسانيا، من أجل تسهيل تقديم المساعدات المختلفة للمدنيين المتأثرين بالنزاع والرعاية الطبية والإغاثة".

وقال، غرانت روملي، المسؤول السابق في البنتاغون الذي يعمل الآن في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إن الهدنة الإنسانية هي وقف أو تقليل الصراع لفترة زمنية قصيرة"، وتركز على توصيل المساعدات إلى منطقة معينة.

بالمقابل، يبقى وقف إطلاق النار "أكثر رسمية"، وفق المتحدث ذاته، وعادة ما يكون نتيجة لمفاوضات يرعاها أو يسهلها طرف ثالث، ويمكن أن تستمر إلى أجل غير مسمى طالما التزم بها طرفا النزاع.

وفي العديد من حالات النزاعات العالمية، تكون الهدنة الإنسانية أيضا "خطوة أولية نحو تحقيق وقف إطلاق النار أو تسوية نهائية للنزاع".

بين الوقف والهدنة

وفي حين تشدد الولايات المتحدة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فقد بدأت في الدعوة إلى "هدنات إنسانية"، ولكن ليس وقف إطلاق النار.

ودعا البيت الأبيض لـ"هدنات إنسانية مؤقتة" للسماح بإدخال مساعدات إلى غزة أو لإجلاء مدنيين، لكنه رفض حتى الآن مناقشة وقف شامل لإطلاق النار، معتبرا أن من شأنه هذه الخطوة أن تخدم حركة حماس. 

وأكد  المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، جون كيربي، هذا الموقف، قائلا: "نحن لا نؤيد وقفا عاما لإطلاق النار في هذه المرحلة".

وأضاف "كما قلت سابقا، نعتقد أن وقفا عاما لإطلاق النار من شأنه أن يفيد حماس في توفير مساحات لها لأخذ النفس والوقت لمواصلة التخطيط لهجمات ضد الشعب الإسرائيلي وتنفيذها".

وتحظى الدعوات إلى هدنة إنسانية بدعم من كندا وعدد متزايد من الدول الأوروبية مثل المملكة المتحدة وإسبانيا وهولندا.

ونهاية الأسبوع الماضي، طالب وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، بـ "هدنة في الأعمال الحربية" في غزة للسماح بإدخال مساعدات إنسانية إلى القطاع.

وبالمقابل، دعا خبراء بالأمم المتحدة، المنتظم الدولي لوقف إطلاق نار إنساني في غزة، قائلين إن الشعب الفلسطيني هناك عرضة "لخطر جسيم للإبادة الجماعية".

وقال الخبراء، وبينهم عدة مقررين خاصين بالمنظمة الدولية، في بيان "مقتنعون بأن الشعب الفلسطيني عرضة لخطر جسيم للإبادة الجماعية".

وأضافوا "نطالب بوقف إنساني لإطلاق النار لضمان وصول المساعدات إلى الأشد عوزا".

وتبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، قرارا غير ملزم، دعا إلى "هدنة إنسانية فورية ودائمة ومتواصلة تفضي إلى وقف القتال"

وعارض القرار، المقدم من الأردن نيابة عن المجموعة العربية وعدد من الدول الأخرى، 14 عضوا فيما امتنع 45 عن التصويت.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.